|
علو الهمة شرف عظيم، لا يبلغه إلا عظماء الرجال وأساطينهم، وقد بلغ سلف الأمة إلى ذروة العزة والمجد؛ وما ذاك إلا بإيمانهم وعلو همتهم، فيجب على كل مسلم أن يكون عالي الهمة، مترفعاً عن سفاسف الأمور، عزيزاً بدينه لا يقبل فيه المساومة. |
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نستجلب بها نعمه، ونستدفع بها نقمه، وندخرها عدة لنا: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله نجوم المهتدين، ورجوم المعتدين، ورضي الله عن صحابته الأبرار الذين قاموا بحق صحبته، وحفظ شريعته، وتبليغ دينه إلى سائر أمته، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
أما بعد:
ففي قرن وبعض قرن وثب المسلمون وثبة ملئوا بها الأرض قوة وبأساً، وحكمة وعلماً، ونوراً وهداية، فحكموا الأمم، وهاضوا الممالك، وركزوا ألويتهم في قلب آسيا وهامات أفريقيا وأطراف أوروبا، وتركوا دينهم وشرعتهم ولغتهم وعلمهم وأدبهم تدين لها القلوب، وتتقلب بها الألسنة، وتحقق فيهم الأنموذج الفريد والمثال الأعلى للبشرية؛ باعتبارهم خير أمة أخرجت للناس، بعد أن كانوا طرائق قدداً لا نظام ولا قوام، ولا علم ولا شريعة، فقطع المسلمون تلك المرحلة التي سهم لها الدهر، ووجم لروعتها التاريخ، وهم يعرفون معالم طريق المجد، ونهج السعادة في الدارين، وأمعنوا بكل ثقة في هذا السبيل مدفوعين بطاقة صارخة وقوة دافعة.
وكانوا يدركون بكل دقة معالم الطريق، وكأن معهم خارطة مفصلة أودعوها قوتهم العلمية، وكان الوقود الذي يتزودون به هو القوة العملية، فهذان هما سر عظمة المسلمين، وخيريتهم وتفوقهم على الأمم: العلم والإرادة، أو القوة العلمية والقوة العملية.
أما العلم فحسبنا أنه الحاكم على الممالك والسياسات والأموال والأقلام، فملك لا يتأيد بعلم لا يقوم، وسيف بلا علم مخراق لاعب، وقلب بلا علم حركة عابث، والعلم مسلط حاكم على ذلك كله، ولا يحكم شيء من ذلك على العلم.
ولن نعرض في هذه السلسلة التي نشرع فيها -بإذن الله- إلى ذكر فضائل العلم، فما أكثر ما تحدث المتحدثون عن العلم! وكم صنف المتقدم والمتأخر في شرفه والحث عليه! لكن المقصود الآن التنبيه على الشق الثاني من مكامن القوة في هذه الأمة، والذي بدونه لن تنهض من كبوتها، سواء على مستوى الجماعات أو الأفراد، ألا وهو قسيم العلم وشريكه في صناعة المجد وإحياء الأمة، ألا وهو القوة العلمية أو الإرادة أو الهمة، فما هي الهمة التي نعبر بها عن القوة العلمية التي نحن في أمس الحاجة إليها في هذا الزمان في كل أحوالنا، سواء كانت أحوال الدين أو أحوال الدنيا، أحوال الأمة أو أحوال الأفراد. |
|
|
|
|
|
|
فالهمة مأخوذة من الهم، والهم هو ما هُمَّ به من أمر ليفعل، والهمة هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول، فتكون همة عالية وهمة سافلة، وفي المصباح: الهمة بالكسر هي: أول العزم، وقد تطلق على العزم القوي، فيقال: له همة عالية.
وقيل: علو الهمة هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، يعني: أن الهمة العالية هي عبارة عن نشدان الكمال الممكن، فالإنسان لا يرضى إلا بأعلى المراتب في كل شيء، ولا يصبو إلا إلى ما أمكنه أن يصل إليه من الكمالات في كل الأحوال، وينظر إلى كل ما دون هذا الكمال نظرة استصغار.
فإذاً: علو الهمة هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وقيل: خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل. وهذا التعريف الأخير ذكره الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وقال في شرح معناه: ينبغي لمن له أنفة أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس، فلو كانت النبوة -مثلاً- تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بالولاية.
يعني: أن صاحب الهمة العالية يصبو إلى كل ما أمكنه من الكمالات، فيأنف ويستنكف أن يكون في حالة من أحوال التقصير مادام هذا التقصير يمكن دفعه عن النفس. والنبوة ليست كسبية، بل النبوة وهبية، يعني: أن الله سبحانه وتعالى يصطفي من رسله من يشاء، لكن يقول: لو فرضنا أن النبوة تنال بالكسب لم يجز لعالي الهمة أن يقنع بالولاية، أي: لم يجز لعالي الهمة أن يرضى بأن يكون ولياً دون أن يرقى إلى مرتبة النبوة، يقول: أو تصور أن يكون -مثلاً- خليفة لم يقتنع بإمارة، ولو صح له أن يكون ملكاً -يعني: من الملائكة- لم يصلح له أن يرضى أن يكون بشراً.
والمقصود من علو الهمة: أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن في العلم والعمل.
إذاً: نشدان الكمال الممكن يدخل في باقته الوصول إلى الكمال واستصغار كلما دون ذلك.
ويقول الجرجاني في التعريفات: الهم هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر، سواءً كان هذا الهم هماً بخير أم هماً بشر.
أما الهمة فهي: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق؛ لحصول الكمال له أو لغيره.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين: والهمة: فعلة من الهم، والهم هو: مبدأ الإرادة. أي: أن بداية الإرادة هم، ولكنه خص الهمة بنهاية الإرادة، فالهمة هي: التعبير عن نهاية وقمة وأعلى الإرادة، فأولها الهم، وآخرها وأعلاها الهمة، فالهم مبدؤها والهمة نهايتها.
يقول الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول في بعض الآثار الإلهية: قول الله تعالى: إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته، قال: والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب.
فعوام الناس مقاييسهم أن قيمة الإنسان هي ما يحسنه، أما الخواص فإنهم يقولون: قيمة الإنسان ما يصبو إليه، وما يطمح إليه، وما يطلبه، فقيمة المرء همته ومطلبه.
وقال صاحب المنازل: الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صرفاً لا يتمالك صاحبها ولا يلتفت عنها، يعني: ينبعث قلبه نحو المقصود ونحو الطلب الذي يطلبه، ويستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك؛ بحيث لا يستطيع أن يتخلص من هذا النزوع إلى طلب الكمال.
والمراد أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تبارك وتعالى طلباً صادقاً خالصاً محضاًً، فتلك هي الهمة العالية التي لا يقدر صاحبها على المهلة، ولا يستطيع أن يؤجل أو أن يرضى بما هو دون ذلك، ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود، ولا يلتفت عنها إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه العلائق. والله تعالى أعلم.
وقال أيضاً: علو الهمة ألا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الفانية.
فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان؛ فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء عنوان فلاحه، وسفول همته عنوان حرمانه. انتهى كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. |
|
|
|
|
|
|
والهمة طليعة الأعمال ومقدمتها، قال أحد الصالحين: همتك تحفظها؛ فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال.
وعن عبيد الله بن زياد بن ضبيان قال: كان لي خال من كلب كان يقول لي: يا عبيد ! هم؛ فإن الهمة نصف المروءة.
وقد بين الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى أن الهمة مولودة مع الآدمي يقول رحمه الله: وما تقف همة إلا لخساستها، يعني: المفترض في الهمة أنها تظل تطلب طلباً معيناً، فتحققه، ثم تصبو إلى ما هو أعلى، فإذا أنجزته تصبو إلى ما هو أعلى، وهكذا.
فالهمة لا تعرف السكون أبداً، بل تتطلع إلى ما هو أعلى وأسمى، فإذا وقفت فهذه علامة خساستها وخبث طبع صاحبها.
يقول: وما تقف همة إلا لخساستها، وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون، وقد عرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حثت سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزاً فاسأل المنعم، أو كسلاً فاسأل الموفق؛ فلن تنال خيراً إلا بطاعته، فمن الذي أقبل عليه ولم ير كل مراد؟ ومن الذي أعرض عنه ثم مضى بفائدة، أو حظي بغرض من أغراضه؟
وقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، بسبب عجز أو كسل أو ركون إلى وسوسة الشيطان والهوى، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، فهنا تحتاج الهمة إلى إيقاظ وتنبيه وتذكير، بأن يذكرها ويسألها: رضا من تطلب؟ وفي أي نعيم ترغب؟ ومن أي عقاب ترهب؟ كما فعل ذلك البطل الذي لا نعرف اسمه، لكن حسبه أن الله سبحانه وتعالى يعلمه، وهو وحده الذي يثيبه، فعن عبد الله بن قيس أبي أمية الغفاري قال: كنا في غزاة لنا، فحضر العدو، فصيح في الناس -يعني: نودي بالجهاد- فوثبوا إلى مصافهم، وكان هناك رجل أمامي، رأس فرسي عند عجز فرسه.
وكان هذا الرجل واقفاً، ولا يشعر بأن هذا يقف ويسمعه، وكان يخاطب نفسه ويقول: ألم أشهد مشهد كذا وكذا، فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا، فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنك اليوم على الله، أخذك أو تركك. فقلت: لأرمقنه اليوم -أي: سأراقب هذا الرجل إلى ما ينتهي أمره- قال: فرمقته، فحمل الناس على عدوهم، فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا -يعني: انهزموا- فكان في حماتهم، أي كان مع الطائفة التي تحميهم وتدافع عنهم، ثم إن الناس حملوا مرة ثانية، فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو وانكشف الناس، فكان في حماتهم، قال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعاً، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة. رحمه الله تعالى.
فلابد لكل من يسلك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى من هذين الجناحين؛ ليطير بهما، ولا يستقيم حال المرء إذا اقتصر على واحد منهما.
فالمرء لابد له من همة تحمله، وعلم يبصره ويهديه، فالقوة العلمية مع القوة العملية لا بد منهما، فمثلاً: من يريد أن يسافر إلى بلد معين لا شك أنه يحتاج إلى خريطة بالموقع والمكان الذي يريد أن يقصده، وفي نفس الوقت يحتاج إلى دابة أو سيارة، وهذه السيارة لابد لها من وقود، فالخريطة هي القوة العلمية التي تدله لكي يصل إلى هذا المكان، والوقود هذا هو القوة العملية، أو قوة الإرادة التي تمكنه من الحركة والانبعاث؛ لتحصيل هذا المقصود. |
|
|
|
|
|
|
قال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة أعاضهم أفضل منها، وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سبباً موصلاً لهم إليه، وطريقاً واضحاً بين الدلالة عليه، من تمسك به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه شقي وغوى، ولما كان هذا العهد الكريم والصراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل إليه أبداً إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصول إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه.
هذا تشبيه آخر للعلم والإرادة، فالإرادة هي الباب، ومفتاح الباب هو العلم، يعني: لابد من الاثنين معاً، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين: همة ترقيه، وعلم يبصره ويهديه، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، ولا يخيب إنسان ولا تفوته السعادة إلا بتقصير في جانب من هذين الجانبين، أو من أحدهما؛ إما ألا يكون له علم بها، كأن يجهل مراتب الآخرة والغايات العليا، فإذا كان يجهل هذه الفضائل فكيف سيتحرك إليها؟ وكيف سينبعث قلبه في طلبها؟ فإن كل إنسان إما ألا يكون له علم بها فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالماً بها، لكن لا تنهض همته إليها، فلا يزال في حضيض طبعه محبوساً، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدوداً منكوساً، قد أسام نفسه مع الأنعام، راعياً مع الهمل، واستطاب لقيعات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رفع له علم فشمر إليه، وبورك له في تفرده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله.
قال: ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرف العلم تابعاً لشرف معلومه، ...
وهذه قاعدة معروفة، يعني: أن شرف العلم حسب شرف المعلوم، فليست دراسة علم الحشرات مثل دراسة الطب البشري، لأن صحة البشر أهم من الحشرات؛ وهكذا مراتب العلوم تتفاوت بحسب المعلوم، وشرف العلم بشرف المعلوم، ولذلك كانت أشرف العلوم على الإطلاق هي علوم الدين، فهي أشرف من علوم الدنيا بلا شك، وعلوم الدنيا أشرفها علم الطب؛ لأن الطب هو أشرف مطالب الدنيا، ورأس مال الإنسان في الدنيا هو صحته وعافيته، لكن علوم الدين أشرف من كل علوم الدنيا، ثم علوم الدين تتفاضل فيما بينها بحسب العلم الذي تؤدي إليه، فهناك علوم هي عبارة عن وسائل فقط، كالنحو والتجويد والمصطلح وأصول الفقه ونحوها، فهذه علوم خادمة لعلوم الدين.
ثم هناك علوم أشرف، وهي العلوم المخدومة كالتوحيد، والتفسير، والفقه، ثم أشرف هذه العلوم المخدومة على الإطلاق هو علم التوحيد؛ لأنه هو العلم الذي يعرفنا بالله، ويعلمنا صفات الله سبحانه وتعالى وحق الله علينا، فبالتالي كان أشرف العلوم على الإطلاق هو علم التوحيد؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ولا معلوم أشرف من معرفة الله سبحانه وتعالى.
يقول: ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها وشرف العلم تابعاً لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها، أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسمى والحظ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعياً، وأقامه على هذا الطريق هادياً، وجعله واسطة بينه وبين الأنام، وداعياً لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سعياً إلا أن يكون مبتدئاً منه، ومنتهياً إليه صلى الله عليه وسلم.
ثم تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على أقسام الناس من حيث القوتين: العلمية والعملية، فالناس يتفاوتون، ولا يخرج أحد من هذا التفصيل، يقول رحمه الله:
وكمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، فالمعرفة قوة علمية، والإيثار قوة عملية، ولذلك جاء في الأثر: (اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه)؛ لأن الإنسان قد يرى الحق حقاً لكن لا يتبعه، كاليهود الذين كانوا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون صفاته، ويجزمون بأنه رسول الله، لكنهم لم يرزقوا ولم يلهموا ولم يوفقوا إلى اتباعه والانقياد لشريعته.
فإذاً: الأمر الأول: معرفة الحق. الأمر الثاني: اتباع الحق وإيثاره على ما عداه؛ لأن الإنسان قد يعرف الحق، ولكن يؤثر عليه ما عداه، كما في هذا الأثر، وهو ينسب إلى أبي بكر : (اللهم أرني الحق حقاً، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه)؛ لأنه ممكن أن الإنسان يزين له سوء عمله، فيرى الباطل في صور مزينة، ويحسب أنه على شيء، كعامة ملاحدة هذا الزمان من الإعلاميين والصحفيين الذين اغتروا بكثرتهم وصوتهم العالي، وكيف أنهم يتكلمون وكأنهم أصحاب حق، وكلهم جزماً مبطلون وأهل ضلال ومعاداة لدين الله سبحانه وتعالى، فهذا من تزيين الشيطان لهم سوء أعمالهم.
فهؤلاء يرون الباطل حقاً، وتراهم مستعدين أن يقاتلوا في سبيل هذا الباطل، وأن يبذلوا النفس والنفيس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن أراه الله الحق حقاً ثم رزقه اتباعه وإيثاره، وأراه الباطل باطلاً ورزقه اجتنابه، فهؤلاء هم الذين رزقوا علماً، وأعينوا بقوة العزيمة على العمل، وهؤلاء هم الموصوفون في القرآن الكريم بقوله تعالى: (آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). فكونهم آمنوا هذا من التصديق، وهذه قوة علمية، وكونهم عملوا الصالحات هذه هي القوة العملية، وقال عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، ولا يخرج منها لأنه مقتنع بها، ويرى أنها هي الحق.
فحياة القلب تنال بالعزيمة، وبالنور يرزق الفرقان بين الحق والباطل. |
|
|
|
|
|
|
|
|
بعد ذلك نتكلم عن الهمة باعتبار محلها، فالهمة عمل قلبي، منبعها ومصدرها ومحلها القلب، فبما أن الهمة محلها القلب، وبما أن القلب لا سلطان لأحد عليه غير صاحبه، وكما أن الطائر يطير بجناحيه، كذلك يطير المرء بهمته، فتحلق به إلى أعلى الآفاق طليقة من القيود التي تكبل الأجسام. يعني: لو كان إنسان مكبلاً بأشد أنواع القيود، فهل معنى ذلك أنه إذا كبل جسده يمكن أن تكبل همته إذا كان هو في الأصل عالي الهمة؟
الجواب: لا؛ فحتى لو كبل جسده فهمته تنصرف إلى أعلى المقامات، فالهمة لا يستطيع أحد تقييدها، حتى ولو كبل الجسد كله عضواً عضواً، فهي تحلق حتى ولو كان صاحبها في هذه القيود، يقول الشاعر:
إن يسلب القوم العدا ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه لم تسلم القلب الضلوع
ونقل ابن قتيبة عن بعض كتب الحكمة يقول: ذو الهمة إن حط فنفسه تأبى إلا علواً، كالشعلة من النار يصوبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً. أي: لو أن إنساناً يحمل شعلة من النار، ويحاول أن يجعل هذا اللهب يمضي إلى أسفل، فهل يستطيع ذلك؟ الجواب: لا.
فكذلك صاحب الهمة، يمكن أن تقع الضغوط على بدنه وعلى جوارحه، أما قلبه فلا يمكن، بل يسمو إلى أعلى المقامات. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وهنا نناقش موضوعاً مهماً، وهو أن كثيراً من الناس يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، فما السبب في أن كثيراً من الناس يطلبون الأدنى والأخس من الأمور؟
السبب الذي يجعل كثيراً من الناس يطلبون الأدنى من الأمور ويقصدون ما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً: فساد العلم، وكثرة الجهل، وضعف الهمة، فكلما صح العلم وانتفى الجهل وصحت العزيمة وعظمت الهمة، طلب الإنسان معالي الأمور، فبعض الناس همه لقمة يسد بها جوعته، وشربة روية تذهب ظمأه، ولباس يواري سوأته، وهذا هو المذهب الرديء، بل هذا مذهب كان منتقصاً حتى بين أهل الجاهلية؛ فأهل الجاهلية أنفسهم كانوا يذمون من يعيش من أجل هذه المقاصد.
وفي مثل هؤلاء يقول حاتم الطائي -وقد أدرك الإسلام ولم يسلم- ومع ذلك يقول في ذم هذا الذي يعيش من أجل هذه المقاصد السفلية-:
لحا الله صعلوكاً مناه وهمه من العيش أن يلقى لبوساً ومطعما
يرى الخمص تعذيباً وإن يلق شبعة يبت قلبه من قلة الهم مبهما
قوله: (لحا الله صعلوكاً) يعني: قبح الله صعلوكاً، والمقصود به هنا الفقير.
وقوله: (مناه وهمه من العيش أن يلقى لبوساً ومطعماً)، يعني: لا يعيش إلا من أجل الملابس ومن أجل الطعام.
وقوله: (يرى الخمص تعذيباً) يعني: يرى خلو البطن تعذيباً.
وقوله: (وإن يلق شبعة يبت قلبه من قلة الهم مبهماً)، يعني ينام قرير العين؛ لأنه نائم وهو شبعان، وقوله: (مبهماً) يعني: خالياً.
ومن الناس من يكون مطلبه التمتع بمتاع الحياة الدنيا، كحال طرفة بن العبد ، فقد قيل له: ما أطيب عيش الدنيا؟ فقال: مطعم شهي، وملبس دفيء، ومركب وطيء. يعني: سهل.
وقال طرفة أيضاً مبيناً غايته من الحياة:
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
الجد هنا: الحظ والبخت، أي أنه يحلف بالحظ.
وقوله: (لم أحفل) يعني: لم أهتم، (متى قام عودي) جمع عائد، من العيادة.
فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد
العاذلات جمع عاذلة، والعذل هو الملامة، وكميت: اسم من أسماء الخمر، يعني: أنه شرب خمرة فيها حمرة وسواد.
والزبد: الرغوة التي تكون فوق الخمر.
وكري إذا نادى المضاف محنباً كسيد الغضا نبهته المتورد
الكر هو: العطف، وقوله: (إذا نادى المضاف محنباً)، يعني: الذي في يده انحناء.
وقوله: (كسيد الغضا)، الكسيد هو: الذئب، والغضا: الشجر.
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الخباء المعمد
فهذه الأبيات لهذا الشاعر تبين همته.
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف محنباً كسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الخباء المعمد
وقوله: (تقصير يوم الدجن)، الدجن هو: الغيم حين يملأ آفاق السماء، وتقصيره يعني: جعل هذا اليوم قصيراً، أي: أنه يشعر أن اليوم قصير، كيف يقصره؟ بأن يقضيه مع امرأة حسناء.
وقوله: (ببهكنة) هي: المرأة الحسنة الخلق السمينة.
وقوله: (تحت الخباء المعمد)، يعني: تحت الخيمة التي رفعت بالأعمدة. فكثير من الناس همه من دنياه هم هذا الشاعر المسكين، فهمته شرب الخمر، والتمتع بامرأة حسناء، وقليل من الناس من تنهض همته إلى الدفاع عن الخائف والمستجير.
وبهذا الشاعر اقتدى أبو نواس ؛ فـأبو نواس يتحدث عن غايته من الحياة فيقول:
إنما العيش سماع ومدام وندام
فإذا فاتك هذا فعلى العيش السلام
هذا الذي يعيش من أجله، وهذه هي غايته في الحياة.
فقوله: (إنما العيش سماع)، يعني: موسيقى وألحان.
وقوله: (ومدام وندام)، المدام هو: شرب الخمر، والندام: جلسات المنادمة، والندامى هم الذين يجلسون ويسهرون في الخمر.
وهذا جميل بثينة شاعر قصر همته على ملاحقة النساء، يذكره أحدهم ويأمره بأن يخرج إلى الجهاد في سبيل الله فيجيبه قائلاً:
يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد
لكل حديث بينهن بشاشة وكل قتيل عندهن شهيد
فهذه نماذج من همم بعض الناس وغاياتهم في الحياة؛ حيث إن همتهم هي في النساء، والمناصب، والأموال، والغنى، وقد يكون لبعض الناس مسعى ومطلب يعده من علو الهمة، كحال امرئ القيس عندما أفاق من سكره وعبثه على زوال ملك أبيه، فانطلق جاداً طالباً إعادة هذا الملك، وطبعاً نحن لا نقول: إن هذا من علو الهمة، لكن نحن نبين حال هذا الصنف، وهذا بالنسبة لما مضى يعتبر أعلى، لكن ليس هذا هو علو الهمة المراد، فلا يكون الإنسان عالي الهمة إلا إذا رجا الآخرة، وهذا سنفصله إن شاء الله.
فـامرؤ القيس لما أفاق من السكر والعبث فوجد ملك أبيه قد ضاع، أنفق عمره في البحث عن استرداد ملك أبيه الضائع، وجعل يقول:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وطال استطلابه للملك حتى قضى نحبه في طلبه، وهو القائل:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عيناك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
فضيع حياته أولاً في المتع والشهوات، وقضى شطر عمره الثاني في طلب الملك الضائع، وانتهت حياته، ولم يحصل مطلوبه، ومات كما مات المتنبي من بعده طلباً للملك والإمارة، فأعياهما الطلب، وما أكثر الذين طلبوا الملك والرئاسة وألحوا في طلبها، فحامت حول الملك همتهم، وطافت به عزيمتهم.
كان الأديوردي -وهو من الشخصيات النادرة في التاريخ الإسلامي، وهو من الأمويين- يدعو عقب كل صلاة: اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها. يعني: كانت هذه همته، وله في ذلك الأشعار الفائقة التي تكشف عن شخصية ونفسية شديدة الشبه بشخصية المتنبي .
وقيل لـيزيد بن المهلب : ألا تبني داراً؟ فقال: منزلي دار الإمارة أو الحبس. أي: أنه لم يكن متخذاً منزلاً ولا داراً، فلما قال له رجل: ألا تبني داراً؟ قال: منزلي إما دار الإمارة، وإما الحبس. يعني: أن هذا هو الهدف الذي يعيش من أجله.
وقال آخر:
وعش ملكاً أو مت كريماً وإن تمت وسيفك مشهور بكفك تعذر |
|
|
|
|
|
|
ننتقل إلى نقطة أخرى وهي: أن الهمم لا تتفاوت بين بني البشر فقط، لكنها تتفاوت حتى بين الحيوانات والبهائم، فالهمم تتفاوت في جميع الحيوانات، ويذكر بعض العلماء أمثلة في هذا فيقول: العنكبوت من حين يولد ينسج لنفسه بيتاً، ولا يقبل منة الأم.
والحقيقة أن التعبير بالأنثى هنا يكون من الناحية العلمية أدق، ونحن سعداء بأننا نتناقل كلام العلماء السابقين، وقد نقف على الأخطاء، فلا نتكلم على الميت بعدما يموت.
فمثل هذا التعبير قد يستغرب، فأنثى العنكبوت هي التي تنسج؛ وهذا من إعجاز القرآن الكريم؛ حيث يقول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، وقد اكتشف حديثاً أن الذي ينسج البيت هو أنثى العنكبوت وليس الذكر، ولذلك قال تعالى: (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ) بتاء التأنيث؛ لأن الأنثى هي التي تنسج بيت العنكبوت، فهذا من آيات الله سبحانه وتعالى.
يقول: فالعنكبوت من حين تولد تنسج لنفسها بيتاً، ولا تقبل منة الأم. وهذا أيضاً من علو الهمة، والحية تطلب ما حفر غيرها؛ إذ طبعها الظلم، والغراب يتبع الجيف، والصقر لا يقع إلا على الحي، والأسد لا يأكل البايت، أي: أن الأسد لعلو همته لا يأكل الطعام البايت، والفيل يتملق حتى يأكل، والخنفساء تطرد فتعود.
قال المتلمس :
إن الهوان حمار البيت يألفه والحر ينكره والفيل والأسد
ولا يقيم بدار الذل يألفها إلا الذليلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فما يرثي له أحد
يعني: ما يرق له أحد. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
من خصائص كبير الهمة: أنه يعلم تماماً أنه بقدر ما يتعنى ينال ما يتمنى، يعني: أن ثمن الهدف العالي الذي يصبو إليه أن يكون هناك جهد جهيد يبذله؛ كي يصل إلى هذا الهدف، فلا يغرق في أحلام اليقظة والأماني الكاذبة، ولا يغتر بالأماني وهو لا يسعى في تحصيلها؛ فلابد لكل سلعة من ثمن يليق بها، فعالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته، وتحقيق بغيته؛ لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره، وأن المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يعبر عليها إلا على جسر من التعب، كما يقول الشاعر:
بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها تنال إلا على جسر من التعب
ويقول آخر:
فقل لمريد معالي الأمور بغير اجتهاد رجوت المحالا
ويقول آخر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
ويقول آخر:
والذي يركب بحراً فيرى قحم الأهوال من بعد قحم
أي: قد تروم هذه الغاية.
ويقول آخر:
الذل في دعة النفوس ولا أرى عز المعيشة دون أن يشقى لها
كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يصوم حتى يعود كالخلال، أي: حتى يصبح نحيفاً كالأعواد التي يخلل بها الأسنان، فقيل له: لو أجممت نفسك؟ يعني: أرح نفسك، فقال: (هيهات؛ إنما يسبق من الخيل المضمرة)، فالفرس الذي يسبق لا يكون فرساً سميناً مليئاً بالشحوم، لكن كلما كان هزيلاً ورشيقاً كان أقوى على أن يسبق.
وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
وقيل:
فيا وصل الحبيب أما إليه بغير مشقة أبداً طريق
يقول الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله: تعالى: وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً استراح طويلاً، ومن تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله!
يعني: أن كل ما فيه أهل الجنة هو عبارة عن أنهم صبروا في الدنيا ساعات، كما قال عز وجل حاكياً عن المجرمين: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:113].
وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلى كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل، كما قال المتنبي :
وإذا كانت النفوس كباراً تبعت في مرادها الأجسام
وقال ابن الرومي :
قلب يظل على أفكاره وئد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب
وقال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير : لا ينال العلم براحة البدن. ولا ريب عند كل عاقل أن كمال الراحة بحسب التعب، وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق في طريقه، وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام، أما في هذه الدار فكلا، ولا يمكن أبداً؛ فمن أراد الراحة والنعيم واللذة فلن ينالها هاهنا في الدنيا؛ لأن الدنيا لابد أن تنغص بالمشاق والكدور والآلام والعناء، ولا يمكن أن تكون دار راحة ونعيم ولذة، وآية ذلك أن الأنبياء الذين هم أكرم الخلق على الله منهم من قتل، ومنهم من عانى المرض كأيوب عليه السلام، ومنهم من عانى الفقر، ومنهم من لقي الأذى، فجميع الأنبياء بلا شك عانوا وبذلوا وتعبوا في هذه الدنيا، وأوذوا فيها؛ لهوانها على الله سبحانه وتعالى، فليست هي دار إكرام عباد الله سبحانه وتعالى.
وهنا يذكر الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى كلاماً في غاية الجودة والإفادة في هذه النقطة بالذات، يقول رحمه الله: كبير الهمة دوماً في عناء، وهو أبداً في نصب لا ينقضي، وتعب لا يفرغ؛ لأن من علت همته وكبرت طلب العلوم كلها، ولن تقتصر همته على بعضها، وطلب من كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن.
ثم يرى أن المراد من العلم العمل، وهو يتكلم هنا عن عذاب عالي الهمة، وبنفس الوقت تجد أن هذا عذاب له لذة، وله هذا الطعم الحسن.
يقول: ثم يرى أن المراد العمل؛ فيجتهد في قيام الليل، وصيام النهار، والجمع بين ذلك وبين العلم، ثم يرى ترك الدنيا، ويحتاج إلى ما لابد منه، فهو محتاج أيضاً من المال والنفقة إلى ما لابد منه لقوام عيشه، ويحب الإيثار، أي: أن من أخلاق عالي الهمة الإيثار، فحتى لو كان معه مال فسيؤثر غيره، ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرم البذل، فصفة الكرم تدعوه إلى البذل، وتمنعه عزة النفس من الكسب من وجوه التبذل، فإن هو جرى على طبعه من الكرم احتاج وافتقر، وتأثر بدنه وعائلته، وإن أمسك فطبعه يأبى ذلك، ولكن تعب عالي الهمة راحة في المعنى، وراحة قصير الهمة تعب وشين إن كان ثمة فهم. |
|
|
|
|
|
|
يقول رحمه الله: كبير الهمة دوماً في عناء، وهو أبداً في نصب لا ينقضي، وتعب لا يفرغ؛ لأن من علت همته وكبرت طلب العلوم كلها، ولم تقتصر همته على بعضها، وطلب من كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن، ثم يرى أن المراد العمل، فيجتهد في قيام الليل، وصيام النهار، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب، ثم يرى ترك الدنيا، ويحتاج إلى ما لابد منه، ويحب الإيثار، ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرمُ البذلَ، وتمنعه عزة النفس من الكسب من وجوه التبذل، فإن هو جرى على طبعه من الكرم احتاج وافتقر، وتأثر بدنه وعائلته، وإن أمسك فطبعه يأبى ذلك، ولكن تعب عالي الهمة راحة في المعنى، وراحة قصير الهمة تعب وشين إن كان ثمة فهم، ومصداقه في قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر :
أرى نفسي تتوق إلى أمور يقصر دون مبلغهن مالي
فنفسي لا تطاوعني ببخل ومالي لا يبلغني فعالي
وقيل لـربيع بن خثيم لاجتهاده في العبادة: لو أرحت نفسك؟ فقال: راحتها أريد.
ربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سبباً ما مثله سبب، يعني: أن هذا الشيء المكروه قد يكون هو أعظم سبب يوصله إلى المحبوب.
وقال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي : دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله ! عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور؛ كأني أسهل عليه الإجابة، فقال لي أحمد بن حنبل : إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد ! فقد استرحت.
لكن هل هذه الراحة ممدوحة؟ الجواب: لا، بل الهمل أو السفل من الناس.
وتأملوا هذه العبارة من الإمام أحمد ؛ حيث يقول: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد ! فقد استرحت. يعني: كراحة هؤلاء الذين سفلت همتهم.
وقد قيل للإمام أحمد : متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم في الجنة.
ويقول الشاعر:
أحزان قلبي لا تزول حتى أبشر بالقبول
وأرى كتابي باليمين وتسر عيني بالرسول
صلى الله عليه وسلم.
وقال الأمير شمس المعالي قابوس : اقتناء المناقب باحتمال المتاعب، وإحراز الذكر الجميل بالسعي في الخطب الجليل.
وعالي الهمة لا يعرف التوسط، يعني: إما يصل إلى غايته، وإما أن يموت، كما يقول الشاعر:
ونحن أناس لا توسط عندنا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
وأحدهم لما عوتب لشدة اجتهاده قال لمن عاتبه: إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها، ولا أحب أن أغبن أيامي.
يقول الشاعر:
انفضوا النوم وهبوا للعلا فالعلا وقف على من لم ينم
فالصلاة خير من النوم، والتجلد خير من التبلد، والمنية خير من الدنية، ومن عز بز.
فثب وثبة فيها المنايا أو المنى فكل محب للحياة ذليل
فترى عالي الهمة منطلقاً بثقة وقوة وإقدام نحو غايته التي حددها على بصيرة وعلم، فيقتحم الأهوال، ويستهين بالصعاب، قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: (عليكم بكل أمر مزلقة مهلكة)، يعني: لا تلقي نفسك بنفسك، ولكن عليك بجسام الأمور دون سفاسفها، وعليكم بالمخاطرة والجرأة والإقدام.
وقال أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه: (من طلب عظيماً خاطر بعظيمته)، يعني: بروحه.
وقال كعب بن زهير :
وليس لمن لم يركب الهول بغية وليس لرحل حطه الله حامل
وقال آخر:
ذريني أنل ما لا ينال من العلى فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولابد دون الشهد من إبر النحل
وقال الشريف الرضي :
رمت المعالي فامتنعن ولم يزل أبداً يمانع عاشقاً معشوق
وصبرت حتى نلتهن ولم أقل ضجراً دواء الفارك التطليق
والفرك هو بغض أحد الزوجين للآخر، وفي الحديث: (لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها آخر). فهنا يقول:
(رمت المعالي فامتنعن)، يعني: امتنعنت علي؛ لأنه عشق المعالي فامتنعت منه فظل يصارعها ويطلبها، كدأب العاشق والمعشوق.
وقوله: (ولم أقل ضجراً: دواء الفارك التطليق)، أي: لم أقل: إن الذي يفرك يضرب زوجته ويطلقها، ولم أطلق المعالي، لكنني صبرت حتى نلتها.
وعالي الهمة دائم الترحال في طلب مبتغاه حيث لاح له، كما قال الشاعر:
همم تقاذفت الخطوب بها فهرعن من بلد إلى بلد
ويقول آخر:
إذا لم أجد في بلدة ما أريده فعندي لأخرى عزمة وركاب
وقال: مالك بن الريب :
وفي الأرض عن دار المذلة مذهب وكل بلاد أوطنت كبلادي |
|
|
|
|
|
|
|