|
لقد وعد الله تعالى أن يظل في ظله أناساً قاموا بأعمال جليلة، وهذه الأعمال لا يتحمل مشقتها، ويجاهد نفسه عليها إلا من كان عالي الهمة، عميق الإيمان، وإنه لينبغي للمرء المسلم أن يعلمها، وأن يسعى في تحقيقها؛ لعله يكون من أهل ظل الله يوم لا ظل إلا ظله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الثاني من هؤلاء السبعة: قال رسول الله عليه السلام: (وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل). |
|
|
|
كيف نشأ في عبادة الله؟ لقد تربى هذا الشاب في بيئة صالحة، رعته أبوة وأمومة تعطف عليه، وليست العاطفة هي السهر لمرضه، والبحث عن علاجه وعن قوته فحسب؛ لكنها العاطفة التي ترتبط بروحه، وتربيه تربية صالحة في بيئة طاهرة، ينشأ فيها هذا الشاب.. ليست ملوثةً بالأغاني، واللهو، واللعب، والعبث، والمحرمات.. إنه الشاب الذي ليست له صبوة، كما قال الرسول عليه السلام: (إن الله عز وجل يعجب من شابٍ ليست له صبوة!).
إننا حينما ننظر إلى شباب الصحوة اليوم نتذكر هذا العنصر من عناصر هذا الحديث الصحيح.
لقد مرت الأمة بظروف حرجة حتى كان يقول القائل: سينتهي الإسلام حينما يموت فلان وفلان من الناس، فإذا بها تخيب كل توقعاتهم، وتفسد كل حساباتهم، ويخر عليهم السقف من فوقهم، ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، في فترة كانوا يظنون أن الإسلام وأن الخير سوف يودع هذه الأمة بعد فترة وجيزة، فإذا بالأمور تنقلب رأساً على عقب: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52].
إن كثيراً من شباب الصحوة الإسلامية لم ينشأ حتى في بيت محافظ، ففي بيوتهم كثيرٌ من المحرمات، ولربما يكون سلوك الأب غير سلوك الابن.. لقد كان منذُ مدةٍ ليست بالقريبة يشتكي الآباء من الأبناء، وفي أيامنا الحاضرة نجد أن الأبناء هم الذين يشتكون من الآباء؛ إن هؤلاء الشباب الذين ولدوا على الفطرة هم الآن يعودون إلى الفطرة والحمد لله.
إن هذا الشاب الذي نشأ في عبادة الله لم يتربَّ في المسارح، ولا أمام الأفلام، ولا أمام الغانيات والراقصات، ولا أمام المسرحيات والمسلسلات.. هذه الوسائل المفسدة التي قد غزت جميع بيوت المسلمين؛ فلم تدع بيت شعر ولا مدر -إلا ما شاء الله- إلا ودخلته.
هؤلاء الشباب الذين تربوا على طاعة الله عز وجل، قد أغمضوا أعينهم عن كل هذه الوسائل، وإن كانت تغزوهم في عقر دارهم، وتتابعهم آناء الليل وآناء النهار، ولكن بالرغم من هذا يأبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يظهر هذا النور على الدين كله، وأن يظهر هذا الخير في فترةٍ كانت الحسابات تقول غير ذلك. |
|
|
|
|
هناك نماذج مشرقة من سلفنا الصالح رضي الله عنهم، تبين كيف كان شبابهم، وما هي همومهم وطموحهم.. نعرضها سريعاً:
فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه، يقود جيشاً إلى بلاد الشام وهو في الثامنة عشرة من عمره، وكان في مقدمة هذا الجيش أكابر المهاجرين والأنصار.
لقد كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنه شاباً في مستهل حياته، اشتكته زوجته إلى رسول الله عليه السلام وقالت: (يا رسول الله! إن عبد الله لم يطأ لنا فراشاً!! لأنه كان يقوم الليل ويصوم النهار، فنهاه النبي عليه السلام، وقال له: إن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً).
إلى هؤلاء الشباب الذين يسابقون الفتيات اليوم على الموضات، والذين نستطيع أن نقول: إنهم أنصاف أو أرباع أو أشباه رجال، وأنهم أقرب إلى النساء في كثيرٍ من الأحيان منهم إلى الرجال! نقول لهم: إن محمد بن القاسم قاد جيشاً ليفتح لنا شبه القارة الهندية وعمره لا يتجاوز سبع عشرة سنة!
لقد كان الشباب في عهد النبي عليه السلام، يقف أحدهم على رءوس أقدامه؛ ليراهم النبي عليه السلام كبار الأجسام حتى لا يعفيهم من القتال في سبيل الله!!
كم هو الفرق بين أولئك الشباب وبين شبابنا اليوم؟! إن الفرق كبير والبون شاسع، ولكن لنا أمل في شباب الصحوة الإسلامية المباركة، أن يعز الله بهم الإسلام والمسلمين.
وفي غزوة بدر يأتي الشابان الصغيران، اللذان لم يبلغا الحلم بعد، وهما معاذ و معوذ ابنا عفراء ، فيطلبان أبا جهل ، ويبحثان عنه أشد البحث.. يا ترى لماذا هذا كله؟! من أجل أن يقتلا فرعون هذه الأمة؛ لأنه كان يسب رسول الله عليه السلام.. فوجداه بعد بحث طويل، وعناء كبير، فتسابقا على قتله، حتى قتلاه وأراحا هذه الأمة منه.
أين شبابنا الذين أصبح هم أحدهم كيف يشبع شهوة بطنه وفرجه من أولئك الشباب؟!
إن الشاب الذي ينشأ في عبادة الله عز وجل -إضافةً إلى كونه عضواً فاعلاً ونافعاً في مجتمعه- هو في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
خامس هؤلاء السبعة: قال عليه السلام: (ورجل تصدق بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
لقد مدح الله سبحانه وتعالى صدقة السر فقال: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271]، ولكن قد تكون صدقة العلانية أفضل من صدقة السر؛ وذلك إذا كان هناك حاجة إلى إعلان الصدقة، كالرجل الذي جاء بصرة وقدمها إلى النبي عليه السلام، فجعل الناس يقتدون بهذا الرجل ويقدمون صدقاتهم.
لكن الأصل أن الصدقة تكون سراً؛ لأن الصدقة إنما سميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها؛ لأنه إذا أخرجها سراً فإن هذا دليل على أنه لا يريد ثناءً من الناس؛ فإن هذا الثناء قد يجر إلى الرياء والسمعة.
وقال عليه السلام مادحاً صدقة السر: (صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء)، وهذا الرجل قد تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، وذلك كناية عن شدة إخفائه عند إخراج الصدقة.
إذاً: أفضل أنواع الصدقة هي صدقة السر.
لذلك على المسلم أن يحرص كل الحرص على أن لا يترك صدقة السر، ولو بشيء يسير، فقد كان بعض السلف يتصدق كل يوم، فإذا لم يجد أحياناً تصدق ببصلة يقدمها إلى فقير.
إن أصحاب صدقة السر هم في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
سابع هؤلاء السبعة: قال عليه السلام: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
لقد ذكر الله تعالى في مكان لا يطلع عليه أحد، ولا يراه إلا الله عز وجل، فعظم الله تعالى في قلبه، وتصور كبرياءه وجبروته، وأنه مالك الملك لا إله إلا هو.. خالق السماء ورافعها، وباسط الأرض وداحيها، الذي بيده مقادير الأمور، يعلم كل صغيرة وكبيرة.. تذكر هذا كله فدمعت عيناه خشية من الله، وخوفاً منه سبحانه، وتعظيماً له، وإقراراً بجبروته وملكوته.
لقد قلَّب فكره في ماضي أيامه، فمرت أمام عينيه صفحة سوداء من ذنوبه وآثامه، ومعاصيه وجرائمه؛ تذكر هذا كله وتذكر أن له رباً يغفر السيئات، ويتجاوز عن المعاصي والمهلكات، ويدعو عبده ليستغفر من الذنوب والزلات.. فنزلت على خده دمعة حارة صادقة من قلب خاشع قانت، معترف بذنوبه وآثامه، نادم على تفريطه وإجرامه.. دمعة يرجو بها من الله أن يغفر له ما مضى، وأن يتجاز له عما سلف.
إن هذا الرجل قد بكى من خشية الله وهو في خلوة لا يراه فيها أحد، وقلبه خالٍ من التعلق بالدنيا، وهذا يدل على صدق إخلاصه لله رب العالمين، وتجرده عن الرياء والسمعة، أو مدح الناس وثنائهم، بل إنه يرجو الثواب من الله وكفى، فلما كانت هذه حاله لم يعد يهمه نظر الناس إليه ما دام أن رب الناس ينظر إليه.
إن هذا الرجل لما كان كذلك استحق أن يكون في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
وقد ورد في البكاء من خشية الله أحاديث عن النبي عليه السلام، منها حديث أبي ريحانه رفعه: (صرفت النار عن عين بكت من خشية الله).
وحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله). رواه الترمذي و الحاكم وصححه.
لقد دمعت عين هذا الرجل خشية لله عز وجل، وخوفاً منه سبحانه، وإن هذا السلوك لمن صفات عباد الله المتقين وأوليائه الصالحين، الذين يراقبونه في جميع تحركاتهم وتصرفاتهم، ويعلمون أنه سبحانه مطلع عليهم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يغيب عنه شيء وإن كان مثقال ذرة أتى بها وحاسب عليها.
إنه لما استقر هذا الأمر في قلب هذا العبد المؤمن، وعرف أن الله تعالى مطلع عليه.. دمعت عيناه خشية من ربه ومولاه.
إن الخشية يجب أن تكون لله عز وجل وحده، ومن هنا سوف تنزل هذه الدمعة الصادقة، التي لو كانت كرأس الذباب -كما أخبر الرسول عليه السلام- فإنها سوف يكون لها وزنٌ في ميزان العبد يوم القيامة أكثر من كل أعماله التي يقدم بها على ربه سبحانه وتعالى.
وفي الأخير نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. |
|