|
المستأمن هو الكافر -يهودياً كان أو نصرانياً أو غير ذلك- الذي أخذ الأمان بدخول دار الإسلام من ولي الأمر أو آحاد المسلمين، وهو هذه الأيام يختص بولي الأمر فقط، ومن صوره المنتشرة هذه الأيام التأشيرة على الجواز، وقد حرم الله تعالى دم المستأمن وماله وعرضه، وهذه الحرمة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل وأفعال الخلفاء والصحابة وأهل العلم على مر الزمان، فلا يحل لأحد أن يتعدى عليه في عرضه أو ماله أو دمه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أولاً: الأمان ضد الخوف، تقول: أمنته ضد أخفته، واستأمن أي: طلب الأمان، واستأمنه: طلب منه الأمان، والمستأمن: طالب الأمان، ويمكن أن يقال: المستأمِن ويقال: المستأمَن اسم مفعول، يعني: صار له أو صار آمناً في ديار المسلمين بعد أن قرر ولي الأمر أن يدخل إلى بلاد الإسلام.
إذاً فالأمان أو نقول الاستئمان: هو طلب الأمان.
وأما تعريفه شرعاً أو فقهاً أو اصطلاحاً: فهو عقد يبرمه ولي الأمر مع كافر محارب أو غير محارب ليس له عقد ذمة ليدخل ديار المسلمين.
وقلت: لولي الأمر؛ لأن بعض العلماء يرى أن آحاد المسلمين يمكن أن يعطي هذه الذمة، والجواب: أن المسألة الآن قد آلت إلى ولي الأمر؛ لأنه هو الذي يرى المصلحة في دخوله أو منعه من الدخول.
إذاً فهو عقد يبرمه ولي أمر المسلمين مع كافر، وهذا العقد مؤقت لوقت معين، وفي عصرنا هذا تنوب عنه التأشيرة ، فيطلب الكافر أو المستأمن التأشيرة أو طلب الدخول بأمان إلى دولة المسلمين فيوقع على ذلك، أو يقبل ذلك، أو يرفض ذلك ولي الأمر، فبموجب هذا القبول أو موجب هذا الإقرار من ولي الأمر يدخل الكافر المحارب إلى ديار الإسلام مستأمناً، وهو عقد غير مؤبد، بل هو عقد مؤقت بين ولي الأمر وبين الكافر، وذلك إذا رأى ولي الأمر أن مصلحة المسلمين في دخوله، فهذا راجع إلى ولي الأمر فينظر في المصالح والمفاسد.
|
|
|
|
|
|
|
إن الفرق بين عقد الأمان وبين عقد الذمة يسير وهو: أن عقد الأمان على التوقيت، ولا ضريبة عليه -يعني: لا مال عليه- إلا إذا رأى ولي الأمر أن يضرب عليه في تجارته بعض الضرائب فله ذلك كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وأصالة عقد الأمان أو المستأمن مؤقت.
وأما عقد الذمة فهو على التأبيد، فمثال عقد الذمة أن يعيش رجل معك في قطرك أو في بلدك، ويأكل مما تأكل، ويشرب مما تشرب، ويدفع لك في كل عام مالاً، وهذا المال يسمى الجزية، كما قال تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فبموجب هذه الجزية يجب حفظه، وحفظ عرضه، وحفظ ماله، والدفاع عنه، بل وتأديب من يتعدى عليه، وهذا يرجع لولي الأمر.
إذاً فعقد الذمة وعقد الأمان يستويان، والفرق أن عقد الذمة على التأدبيد بمال محدد، وأما عقد الأمان فليس على التأديب ولكنه على التوقيت، وبعض العلماء والفقهاء وقتوه بسنة، وبعضهم وقته بأقل من ذلك، وبعضهم وقته بأكثر من ذلك، والصحيح الراجح ما رجحه الشوكاني : أنه غير مؤقت؛ إذ الأدلة جاءت على الأمان مطلقة، والقاعدة عند العلماء: أن يبقى المطلق على إطلاقه حتى يأتي المقيد فيقيده، ويبقى العام على عمومه حتى يأتي المخصص فيخصصه، ولا تخصيص ولا مخصص ولا مقيد هنا، إذاً فهو على الإطلاق، فعقد الأمان يستوي مع عقد الذمة.
وإذا قلنا: بأن عقد الأمان يستوي مع عقد الذمة فموجب عقد الأمان هو موجب عقد الذمة، وقد بينه لنا علي بن أبي طالب في قاعدة تكتب بماء الذهب على الصدور، حتى يتبين للأغرار، وحتى يتبين للذين يجهلون دين الله جل في علاه، وحتى يتبين للذين يتسرعون فيأخذهم الحماس في أنهم يتعدون حدود الله جل في علاه، وحدود رسوله صلى الله عليه وسلم.
فـعلي بن أبي طالب يقول: إنهم ما بذلوا الجزية إلا لتصير أموالهم كأموالنا، وأعراضهم كأعراضنا، ودماؤهم كدمائنا.
إذاً فموجب المسألة أن تسوي بين المسلم وبين الذمي وبين المستأمن، والغرض المقصود: أنهما وإن كانا لا يستويان عند الله جل في علاه في الدين، لكن في الحرمة يستويان لقول الخليفة الراشد علي بن أبي طالب السابق، وهو من الخلفاء الراشدين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد) ، فـعلي بن أبي طالب قال: والله! ما بذلوا الجزية إلا لتصير أموالهم كأموالنا، وأعراضهم كأعراضنا، ودماؤهم كدمائنا.
وهما لا يستويان عند الله مثلاً أبداً، فإن المسلم يعلو ولا يعلى عليه، وشتان بين من سجد لله ذلاً وخضوعاً ومسكنة وبين من تكبر على الله جل في علاه وسب الله، لكن يستويان في الحرمة وهذا شرع الله جل في علاه، وهذه من حكمة الله، بل من رحمة الله بهم؛ حتى يوفَّوا حسناتهم في هذه الدنيا. |
|
|
|
|
إذاً نقول: إن موجب عقد الأمان أمور ثلاثة، وهي من أهم الأمور:
أولاً: حرمة المال؛ لقول علي : أموالهم كأموالنا، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليك أن تسرق أو تغصب مال المسلم، كما في الصحيحين: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا) .
فكل نص جاء بحرمة مال المسلم وضعناه في حرمة مال المستأمن؛ لأن علي بن أبي طالب وهو خليفة راشد جعل استواء الحرمة بين مال الذمي وبين المسلم، وبين مال المستأمن وبين المسلم.
فإذا ذهب أحد يرتقي إلى أموال هؤلاء الكفرة، أو ليغصب أموال الكفرة ويستحلها ويقول: أموالهم حلال، فهذا كفر بالله جل في علاه وكفر برسول الله، ونأتيه بالنص القاطع الذي يعرفه بحرمة مال هذا المستأمن؛ لأنه دخل بأمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمنه، وأشار إليك بأنك إذا أمنت المسلم فقد أمنته على ماله، وأن ماله يستوي مع مال المسلم.
الثاني: حرمة عرضه في زوجه وابنته أو أي أحد معه يخصه كأمه أو أخته؛ لقول علي بن أبي طالب السابق، فقد جعل عرضه كبعرض المسلمين، وهذا موافق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الأمان، فأعراضهم كأعراضنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم عليكم حرام).
والموجب الثالث: حرمة الدم، وهذه هي أم الباب، فلا يجوز بحال من الأحوال للإنسان أن يتجرأ على دم مستأمن، ولا أن يستحل دم مستأمن ولو كان أكفر أهل الأرض؛ لأنه ما دخل إلا بأمان، فقتله خفر لذمة المسلمين، بل إن هذا شيء قد حذر الإسلام منه وهو غدر وخيانة، والله جل في علاه قد بين أن من شيم المنافقين الغدر والخيانة، وأما شيم المخلصين المتقين فهي الوفاء بالعهد وعدم الخيانة، ولذلك جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً وذكر منها: وإذا عاهد غدر).
إذاً فحرمة دم المستأمن ثابتة بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تعدى على هذه الحرمة فقد تعدى حدود الله جل في علاه وإن كان يحسب أنه يحسن صنعاً، وهو في الحقيقة يسيء إلى نفسه ويسيء إلى غيره، وكم من مريد للخير لم يبلغه، وهذه مصيبة كبرى، فالشباب الآن يضيعون أنفسهم فترى شاباً يقتل نفسه وهو يحسب أنه بفعله هذا سيدخل الجنان، وهذه مصيبة كبرى، وضلال في الفكر، فلا بد أن يستقيم المرء على الطريق المستقيم حتى يصل إلى ربه سالماً بدلاً من أن تضيع دنياه وآخرته ويحسب أنه يحسن صنعاً، وكما قال ابن مسعود: وكم من مريد للخير لم يبلغه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: يذكرون من شبههم أن ولي الأمر كافر، فكيف الرد على هذه الشبهة؟
الجواب: أول الأصول عندهم هو تكفير الناس، وهناك شريط موجود الآن اسمه: تلخيص التأصيل في قضية التكفير، بينت فيه أن هذه المسألة لا يتجرأ عليها إلا الجهلة، فلا يمكن أن تخرج مسلماً من دائرة الإسلام إلا بدليل أسطع من شمس النهار، ومن فعل ذلك فإنه يعتبر جاهلاً تجرأ على ربه جل في علاه، وترسم لوازم الربوبية، فالكفر والإيمان بيد الله وليس في يدك أنت، أما قال لك: لا إله إلا الله؟ أما رأيته يصلي مرة؟ فكيف تجرؤ على تكفيره؟ وهذه الشبهة قد رددت عليها في الشريط السابق. |
|
|
|
|
السؤال: يستشهد بعض المفجرين لأنفسهم بفتوى شيخ الإسلام في جواز قتل المسلمين عند تترس الكفار بهم، فكيف الرد على ذلك؟
الجواب: فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في التترس بالمسلمين، وما أفتى بذلك إلا للمصلحة العظمى، فإذا كان أهل الإسلام يقاتلون أهل الكفر، وتعسر عليهم فتح الحصن لكون الكفار تترسوا بالمسلمين، ويقيناً أن أهل الإسلام سينتصرون على أهل الكفر لو قتلوا الطائفة الصغيرة معهم من أهل الإسلام، وهنا تدخل مقاصد الشريعة، فإذا كانت المصلحة الأعظم هي الفتح والنصر للمسلمين ولو ماتت طائفة منهم، فهنا يجوز ذلك، وهذه الطائفة التي قتلت تكون فيها الدية، ويغفر الله لهم؛ لمصلحة تمكين الدين.
وأما اليوم فالمفسدة قد سدت عين الشمس، وهي أعظم مما يتصور الإنسان، ففيها قتل أبرياء ومسلمين، وإهدار دماء المسلمين وأموالهم، وهذه أموال العامة فكيف يتجرأ عليها مسلم؟ هذا أولاً.
ثانياً: أن كل الأصول التي يعتمدون عليها زائفة ومتهاوية، وهي تدل على الجهل العميق المتمكن فيهم، ولذلك فالواحد منا يبكي دماً بدلاً من الدموع على هؤلاء؛ لأنهم من أفضل البشر، فقد ألزموا أنفسهم دين الله جل في علاه، وبكوا وسعوا ودعوا الله جل في علاه فلماذا يضيعون أنفسهم؟! ولعنة الله على الجهل، وأسأل ربي ألا أكون قد أخطأت في هذه الكلمة، فالجهل هو الذي فعل بالناس هذا، ولذلك نحن ننادي دائماً، بل نقول: هذه نصيحة لنا ولإخواننا ولأولياء أمورنا أنه لابد أن يمكن لطلبة العلم ولأهل العلم؛ لأن أهل العلم هم الذين يبصرون الناس بما يرضي الله جل في علاه، ويبصرون الناس بالنهج القويم الذي ليس فيه غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، فالوسطية هي أهم شيء، وهي التي تصل بنا إلى الله جل في علاه. |
|
|
|
|
|
|
السؤال: ما حكم من ذهب إلى بلاد الكفر وقتل منهم أناساً؟
الجواب: إن كان دخل بلادهم بأمان فلا يجوز له ذلك في حال من الأحوال؛ لأنه قد غدر بعهده.
|
|
|