|
من أعظم وسائل التربية: التربية بالقدوة الحسنة حين تترجم إلى واقع عملي مشاهد، كما كان حال المعلم الأول والمربي العظيم عليه الصلاة والسلام.
ومن وسائل التربية أيضاً: التربية بالقصص القرآني والنبوي؛ لأنه يتسم في كل فصوله بالواقعية مع الحفاظ على عنصر الطهر والعفاف والأخلاق الحميدة، بخلاف القصص المعاصر الذي يروج للشهوة والدعارة، ويحرك الغرائز الكامنة. |
|
|
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد:
فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً منزلاً من الجنة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أيها الأحبة في الله! إن لقاءنا هذا هو اللقاء الخامس من هذه السلسلة المنهجية التربوية التي عنونا لها بعنوان: التربية لماذا؟ فأعيروني القلوب والأسماع؛ فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة في الله! لقد بدأنا الحديث عن هذه السلسلة بأسباب اختياري لهذا الموضوع، وركزت الحديث في الأسباب التالية:
أولاً: أن الصحوة الإسلامية في أمس الحاجة إلى منهج تربوي أصيل يصحح سيرها ومسراها، حتى لا تقع الصحوة في أي تعامل خاطئ مع النصوص الخاصة أو العامة بوضعها في غير موضعها، أو بالاستشهاد بها في غير محلها، أو بدون تحقيق المناطات الخاصة أو العامة التي لابد منها للربط بين دلالة النصوص وحركة الواقع ربطاً صحيحاً.
السبب الثاني: الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية الدخيلة؛ فإننا نرى كثيراً من المسئولين عن وضع المنهج التربوي لأبنائنا وبناتنا طيلة السنوات الماضية قد ضعفوا أمام المناهج التربوية الغربية الدخيلة، ووجدوا أنفسهم ينسابون في هذه الأطر وفي تلك المناهج، ومن ثمَّ وجب علينا أن نبين أننا نملك -وبكل ثقة- المنهج التربوي الأصيل الذي يصلح لكل زمان، ويصلح لكل مكان، ويصلح لجميع مستويات البشر؛ لأن الذي وضعه هو خالق البشر جل وعلا، الذي قال -وهو أصدق القائلين-: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].
ثالثاً: الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير؛ فإننا نرى انفصاماً كثيراً بين منهجنا المشرق وبين واقع الأمة في جانب العقيدة، وفي جانب العبادة، وفي جانب التشريع، وفي جانب الأخلاق، وفي جانب المعاملات والسلوك، ونرى كثيراً من أخلاق الإسلام قد أعرض كثير من المسلمين عنها في هذه الأيام، ومن ثمَّ وجب على الأمة أن تعود مرة أخرى إلى هذا المنهج التربوي الذي جاء به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم تكلمت عن مصادر التربية وقلت: إن أهم المصادر التي يجب على الأمة أن ترجع إليها مرة أخرى لتستقي منها منهجها التربوي هي:
- القرآن الكريم.
- والسنة.
- ومنهج السلف، باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة.
ثم تكلمت بعد ذلك عن خصائص التربية، وركزت الحديث في الخصائص التالية:
أولاً: التكامل والشمول.
ثانياً: التوازن والاعتدال.
ثالثاً: التميز والمفاصلة، وتحدثت عن هذا بالتفصيل.
ثم تكلمت في اللقاء الماضي عن وسائل التربية، وقلت: إنني سوف أركز الحديث عن الوسائل التالية:
أولاً: التربية بالقدوة.
ثانياً: التربية بالقصص القرآني والنبوي.
ثالثاً: التربية بالمثل القرآني والنبوي.
رابعاً: التربية بالموعظة.
خامساً: التربية بالعادة والأحداث.
سادساً: التربية بالعبادة.
وأخيراً: التربية بالعقوبة. |
|
|
|
|
|
|
تكلمت في اللقاء الماضي عن أعظم وسائل التربية ألا وهو: التربية بالقدوة، وقلت: يا أحبابي! إن شبابنا الآن يعيش صراعاً نفسياً داخلياً رهيباً؛ لأنه قد فقد القدوة الطيبة الصالحة في جانب التربية، وفي جانب الدعوة، وفي جانب الأبوة.
يعيش شبابنا اليوم صراعاً نفسياً رهيباً؛ إذ إنه فقد القدوة الطيبة والمثل الأعلى في هذه الأيام، لاسيما وقد قُدم الفارغون والتافهون ليكونوا القدوة والمثال.
أيها الأحبة! من اليسير جداً أن نقدم منهجاً نظرياً في التربية، أمر ميسور أن يجلس مقنن أو مرب أو مبدع أو مفكر ليضع منهجاً تربوياً نظرياً غاية في الإتقان والإبداع، ولكن هذا المنهج يظل حبراً على ورق -لا قيمة له على الإطلاق- ما لم يتحول في حياة الناس إلى واقع يتحرك.
فالمنهج النظري ليس له قيمة إلا إذا تحول في حياة الناس إلى منهج عملي، فنحن نتغنى بالصدق، ولكن ندر الصادقون! ونتغنى بالأمانة، ولكن قلَّ أهل الأمانة! ونسعد بالوفاء بالعهد والوعد، ولكن ندر الموفون بوعودهم وعهودهم! وهكذا...
فالمنهج النظري حتى وإن كان رائعاً جميلاً يظل حبراً على ورق ما لم يتحول إلى واقع يتحرك في دنيا الناس.
ولذلك لما شرع الله جل وعلا هذا المنهج التربوي المعجز علم -وهو العليم الخبير- أنه لابد لكي يتحول هذا المنهج التربوي في حياة الناس إلى واقع أنه لابد للناس من قدوة تتحرك بهذا المنهج في دنيا الناس، فيعي الناس أن هذا المنهج حق؛ لأنهم رأوه بأعينهم واقعاً يتحرك في دنياهم، ومن ثمَّ بعث الله أعظم قدوة وأطهر مثل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم؛ لتتحرك هذه القدوة وليتحرك هذا المثل بين الناس، فيعلم الناس علم اليقين أن هذا المنهج حق لا مراء فيه؛ لأنهم يرونه يتجسد في هذه القدوة الطيبة والمثل الأعلى؛ في محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد زكى الله هذه القدوة تزكية مطلقة -بأبي هو وأمي- زكاة في عقله.. في علمه.. في صدقه.. في فؤاده.. في قلبه.. في صدره.. في حلمه.. وفي كل شيء؛ لتكون هذه القدوة وليكون هذا المثل مستمراً على مدار الأزمان والأيام؛ لأن الإسلام وهو يقدم هذه القدوة لا يقدمها للإعجاب السالف، ولا لنتغنى بقدوته وأخلاقه وصدقه؛ ثم يتوقف حالنا عند هذا الحد، كلا! وإننا نرى كثيراً من أبناء الأمة الآن يتغنون بأخلاق الحبيب المصطفى، بل ويعلنون على مدى الأزمان والأيام أن قدوتهم الطيبة ومثلهم الأعلى هو رسول الله، في الوقت الذي لا نرى فيه اتباعاً عملياً لهذه القدوة الطيبة، ولهذا المثل الأعلى.
فالإسلام حينما يجعل قدوته الطيبة ومثله الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يقدم هذه القدوة للإعجاب السالف، أو للتفكير النظري التجريدي، كلا! وإنما يقدم الإسلام هذه القدوة الطيبة ليحول الناس أخلاقها إلى منهج حياة، وإلى واقع يتحرك في دنيا الناس.
فالرسول عليه الصلاة والسلام كان آية من آيات الله، وعجيبة من عجائب الكون، ومعجزة من معجزاته، جمع الله في شخصه شخصيات كثيرة؛ فهو رسول من عند الله، يتلقى الوحي من السماء؛ ليربط الأرض بالسماء بأعظم رباط وأشرف صلة.
وهو رجل سياسة من الطراز الأول، يقيم دولة من فتات متناثر، فإذا هي بناء لا يطاوله على الإطلاق بناء.
وهو رجل حرب، وكأنه لا يجيد إلا فن النزال والقتال، كان يضع الخطط والبرامج، ويكون في مقدمة الصفوف، وإذا حمي الوطيس واشتدت المعركة وخاف الناس؛ وقف الحبيب في المقدمة ينادي بأعلى صوته إذا صمتت الألسنة الطويلة، وخطبت السيوف والرماح على منابر الرقاب، وقف الحبيب يعلن بأعلى صوته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) عليه الصلاة والسلام.
وهو رجل إنساني من طراز فريد، امتلأت نفسه من هموم الناس وآلامهم، فأعطاهم -بالرغم من كل هذه المسئوليات- من وقته ومن عطفه ومن حنانه ومن خلقه، بل ومن ماله، وكأنه رجل إنساني لا يعيش إلا لآلام الناس وآمالهم. وهو زوج وأب ورب أسرة كبيرة تحتاج كثيراً من النفقات؛ من نفقات الوقت، ومن نفقات الفكر، ومن نفقات الشعور، ومن نفقات المسئولية، فضلاً عن نفقات المال؛ فكان الحبيب يقوم بهذا الدور الكبير على أعظم وأتم صورة عرفها التاريخ وشهدتها الأرض.
وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك، فهو رجل دعوة، أخذت الدعوة منه وقته وروحه وجهده وعرقه، بل ودمه.
هذه القدوة الطيبة وهذا المثل الأعلى، ما أحبه أصحابه، وما تعلقت به قلوب أبنائه وطلابه إلا لأنه ما أمرهم بأمر إلا وكان أول المؤتمرين به، وما نهاهم عن شيء إلا وكان أول المنتهين عنه، وما حد لهم حداً إلا وكان أول الوقافين عند هذا الحد؛ ومن هنا تعلقت به القلوب صلى الله عليه وسلم! |
|
|
|
كيف يتعلق الطالب بأستاذه وهو يرى أستاذه يأمر بأمر ويخالفه؟!
كيف يتعلم الولد الصدق وهو يرى أباه يكذب؟!
كيف تتعلم البنت الفضيلة وهي ترى أمها مستهترة؟!
إن أعظم وسائل التربية هي القدوة، وهي أن يرى الابن والطالب والشاب هذه القدوة العملية تتحرك أمام عينيه وبين يديه.
عندما رأى الحسن و الحسين رضوان الله عليهما شيخاً كبيراً لا يحسن الوضوء، لم ينتهراه، ولا سخرا منه؛ لأن هؤلاء تربوا في مدرسة النبوة، وتربوا في بستان الأخلاق، وتربوا في حضن المصطفى وكفى!
فماذا فعل الحسن و الحسين؟ قال الحسين: (هلا أتيت لتحكم بيننا، ولترى من لا يحسن الوضوء؛ فإن الحسن يتهمني أني لا أحسنه، وأنا أقول: بل أنت الذي لا تحسن الوضوء؟! فتوضأ الحسن فأتم وأكمل، وتوضأ الحسين فأتم وأكمل).
فهم الرجل هذا الأسلوب التربوي الفريد بالقدوة الطيبة والمثل الأعلى، فنظر إلى الحسن و الحسين وقال: كلاكما على صواب، وأنا المخطئ، فجزاكم الله عني خيراً يا آل بيت رسول الله!
فهذه هي القدوة الطيبة، والمثل الأعلى.
أعظم وسيلة من وسائل التربية: القدوة، أن يرى الشباب قدوته تتحرك أمام عينيه وبين يديه، وتخيل لو أننا في مصلحة من المصالح الحكومية، ورزق الله هذه المصلحة بقائد تقي نقي مؤمن، فإذا ما استمع إلى أذان الظهر قام من مكتبه على الفور ليجدد وضوءه، ثم نزل إلى مكان قد أعده للصلاة ليصلي؛ فماذا ستكون النتيجة؟
بالله عليكم! إذا كان هذا هو رئيس المصلحة فهل سيتخلف عن الصلاة موظف في هذا المكان؟
الجواب: لا يمكن؛ لأن الرجل الأعلى في هذا المكان قام بالقدوة الطيبة؛ ليعلمهم أنه إذا حان وقت الصلاة وجب على الجميع أن يترك كل أعمال الدنيا ليضع أنفه وجبينه في التراب ذلاً لخالقه ورازقه جل وعلا.
الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر الصحابة بالإنفاق كان أجود بالخير من الريح المرسلة، جاءه رجل يسأله فقال له: (خذ الغنم الذي بين الجبلين، فساق الرجل الغنم كلها، وذهب إلى قومه ليقول: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر).
عندما يأتي طالب العلم الصغير فيرى أحد شيوخه يتعامل مع أحد الدعاة بمنتهى التواضع والإجلال والأدب؛ سيتعلم بالقدوة أنه هكذا ينبغي أن يكون التعامل بين أهل العلم وأهل الفضل، وإذا رأى أستاذه وشيخه يجل رجلاً كبيراً ذا لحية بيضاء فسيتعلم بالقدوة كيف يكون الإجلال لأصحاب الشيبة في الإسلام، وهكذا...
وأنا والله! أعلم يقيناً أنه لا ينبغي لمثلي أن يتكلم عن القدوة، ولا أقول هذا تواضعاً؛ فإنه لا ينبغي لمثلي على الإطلاق أن يتكلم عن القدوة إلا إذا توافرت فيه شروط الأهلية والعملية، ولكنني أتكلم من منطلق شعوري بالمسئولية لا من منطق شعوري بالأهلية، والقاعدة الأصولية تقول: (من عدم الماء تيمم بالتراب)، فأسأل الله أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عنا بمنه وكرمه؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أيها الأحبة الكرام! تعمدت أن أطيل بعض الشيء في التربية بالقدوة؛ لأنها أعظم الوسائل في التربية. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وبعد كل ذلك -أيها الأحباب- أقول: إن المربي الناجح -وهذا هو الهدف- هو الذي يعرف كيف يوظف القصة توظيفاً تربوياً؛ فالمربي الناجح هو كالأب في بيته، فإذا كنت تحكي قصة يوسف لابنك فانظر ما هي الدروس التربوية التي يجب عليك أن تقف أمامها لتعزف على وترها، ولتغرس معانيها في قلب ولدك.
أيها الأستاذ في جامعتك، وفي فصل مدرستك! احرص على الدروس التربوية التي يجب عليك أن تقف أمامها لتغرسها في قلوب وعقول طلابك وأبنائك إذا ما وقفت يوماً لتقص عليهم قصة قرآنية؛ لأن هذا هو الهدف، والمربي الناجح هو الذي يعرف كيف يوظف القصة القرآنية توظيفاً تربوياً كريماً ليربي عقول وقلوب طلابه وأبنائه، فتدمع عيونهم، وتخشع قلوبهم، وتخضع جوارحهم، ولن يتسع الوقت للوقوف مع كل الدروس التربوية في القصة، وإنما سأقف عند دروس محددة: |
|
|
|
|
|
|
|