|
بدأ الشيخ حفظه الله تعالى موضوعه هذا ببيان شمولية الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ورد على التوهم بوجود حوادث لم تذكر في الشريعة، وذكر قواعد مهمة في هذا الموضوع، ثم بين مواقف الناس من الشريعة، وتلاها ببعض مظاهر الشرك، وأنه لا يقتصر على عبادة الأصنام كما قد يظن البعض، وبعد ذلك ذكر طائفة من الآيات القرآنية الكريمة حول موضوع تحكيم الشريعة الإسلامية شارحاً إياها، مبيناً بعض أسباب النـزول لها؛ ومستخرجاً أوجه الدلالة منها. |
|
|
|
|
|
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
الحمد لله الذي أنـزل الكتاب تبياناً لكل شيء، وفصّل فيه كل شيء تفصيلاً، فما من فعل من أفعال المكلفين أو أمرٍ يُلِمُّ بهم إلا ولله تعالى فيه حكم، إما أمرٌ أو نهي أو إباحة، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.
وكما أن كل ما يقع في الكون من الأقدار والأحداث فبإذن الله ومشيئته، فلا يقع إلا ما شاءه الله وأراده وقدره وقضاه؛ فكذلك كل ما يقع للمكلف من أمر فإنه لا يَنْفَكُّ عن شرع الله تبارك وتعالى، ولا بد لله فيه من حكمٍ ينبغي للمكلف علمه واتباعه.
هذه القضية وهي قضية شمول الشريعة لكل أفعال المكلفين من القضايا الأساسية المهمة التي يجب أن نفقهها ونعلمها ونعيها حق وعيها.
|
|
|
|
|
|
|
وقد يتساءل بعضهم فيقولون: إن نصوص الشرع متناهية محدودة، أما الحوادث والوقائع فهي كثيرة ومتجددة وغير متناهية، فكيف يمكن لهذه النصوص المحدودة أن تُحيطَ بهذه الأحداث والوقائع المتجددة على مدار العصور غير المتناهية؟
والجواب على هذا الاستشكال يكون من ثلاثة أوجه:
|
|
|
|
الوجه الأول: أن نقول: إن هذه الحوادث والوقائع الفردية المتجددة فيما يراه الناس هي في الحقيقة فروع عن أصولٍ سابقةٍ ثابتةٍ، ويمكن ردها إلى تلك الأصول بحيث لا تصبح متجددة والحالة هذه، فمثلاً: لمّا ننظر إلى أنواع المسكرات التي جَدَّت في هذا العصر نجدها كثيرة جداً، ونجد أن الصحف والكتب المتخصصة تطالعنا في كل يوم بألوان جديدة من المخدرات لم يكن الناس يعلمونها من قبل، فهذه المسكرات والمخدرات التي جدَّت -فيما يراه الناس- نقول وإن كانت هذه الأفراد منها جديدة في اسمها أو في طريقة صنعها أو في تناولها أو في غير ذلك؛ إلا أننا نستطيع أن نقول: إنها فروع للمسكرات التي هي قديمة في الأصل، فهي لا تخرج عن كونها مسكرات، كما كان الناس يعرفون هذه المسكرات في الأزمان الماضية.
هذا هو الوجه الأول أن نقول: إن هذه الأفراد التي يرى الناس أنها جديدة هي في الحقيقة ليست جديدة في أصلها، بل يمكن إرجاعها إلى أصولها التي تتفرع عنها.
|
|
|
|
|
الوجه الثاني: أن نقول: إن الشريعة الإسلامية جاءت بقواعد عامة وقضايا كلية، يدخل فيها أنواعٌ وأفراد كثيرة، وتدل دلالة طردية كما تدل دلالة عكسية، والمثال يوضح هذا فمثلاً: الحديث الذي رواه البخاري، ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} وفي رواية: مسلم: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} هذا الحديث جاء بقاعدة عامة وقضية كلية تشمل أفراداً وأنواعاً لا تتناهى من البدع والمحدثات، فتدخل فيها أنواع البدع القولية والفعلية مما أحدثه الناس على غير شرع الله، وقصدوا فيه التعبد والتقرب إلى الله جل وعلا بفعله، كما تدخل فيه أفراد البدع القولية والفعلية مثل دعاء الله سبحانه وتعالى وذكره، مثل ذكر الله بالاسم المفرد أو بالضمير، كما يفعل الصوفية حين يذكرون الله فيقولون: الله.. الله، أو يكتفون بالضمير فيقولون: هو.. هو، فنقول هذه الصورة من الذكر داخلة تحت عموم الحديث الذي يقول: {مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد}، وإن لم يأت نصٌ نبوي وقرآنيٌ بتحريم الذكر بهذه الصيغة، فإننا نقول: إن هذا الحديث العام دل على تحريمها بعمومه، ولا نحتاج مع ذلك إلى نص خاص في هذه القضية بعينها.
إذاً، دل هذا الحديث بعمومه على منع البدع والمحدثات القولية والفعلية والاعتقادية، ودل على تحريم جميع أفراد هذه البدع، ودلالته على هذه الأشياء هي دلالة طردية؛ لأن هذا هو المعنى المباشر للحديث، ولكن الحديث أيضاً يدل دلالة عكسية على أن العمل المقبول هو ما شرعه الله عز وجل؛ وجاء وِفْقَ القرآن والسنة بعد انضمام الإخلاص والنية الصالحة إلى ذلك.
فما دام كل عمل ليس عليه أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو رد، إذاً فالعمل الذي يقبل هو ما كان عليه أمر الله وأمر رسولـه، وهذه القضيـة التي فهمناها من الحديث فهماً عكسياً -كما قلت من مفهوم العكس- جاءت نصوص كثيرة تدل عليها دلالة طردية صحيحة، لكنني أردت فقط أن أبين ما معنى الدلالة الطردية والدلالة العكسية.
إذاً، فالوجه الثاني الذي يبين شمول الشريعة وكمالها أن نقول: إن الشريعة جاءت بقواعد كلية وقضايا عامة تدخل تحتها أنواع وأفراد كثيرة.
|
|
|
|
|
الوجه الثالث: أن النص الشرعي أحال على مصادر للتشريع كثيرة متجددة، فكما أن الإنسان يأخذ من القرآن والسنة دليلاً شرعياً، فإن القرآن والسنة أيضاً يدلان على أن الإجماع دليلٌ شرعي؛ فما أجمع المسلمون على وجوبه فهو واجب، وما أجمعوا على منعه فهو ممنوع، وما أجمعوا على استحسانه فهو حسن، وما أجمعوا على كراهيته واستقباحه فهو قبيح ومكروه... وهكذا؛ فالإجماع من الأدلة الشرعية المتجددة التي يمكن أن تقع في أي عصر، وإن كان بعض العلماء حصروا الإجماع في إجماع الصحابة أو في إجماع السلف رضوان الله تعالى عليهم.
وأحال النص الشرعي أيضاً على القياس، وإلحاق ما ليس بمعلوم بما هو معلوم إذا اتفقت العلة.
وكذلك من المصادر الشرعية: المصلحة المرسلة، واستصحاب الحال... وغير ذلك من المصادر الشرعية التي دل النص على اعتبارها.
إذاً فالوجه الثالث الدال على شمول الشريعة وكمالها وأنه لا تخلو حادثة من الحوادث المتعلقة بالمكلفين من حكم للشريعة فيها: أن النص الشرعي أحال على مصادر تشريعية ثَرَّة متجددة كالقياس والإجماع والاستصحاب والمصلحة المرسلة وغيرها، وهذه القضية المهمة تحدث عنها عدد كبير من علماء الإسلام، وخاصة علماء الأصول، ومن أجمل ما كتب فيها ما كتبه الشيخ الإمام/ ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) في الجزء الأول حيث تكلم عن هذه المسألة، وبيَّن المذاهب فيها ووجه الحق.
|
|
|
|
|
|
|
|
إذا علمنا جميعاً أن لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم في كل مسالةٍ أمراً أو نهياً أو إباحة؛ فإننا نريد أن نعلم ما هي مواقف الناس من هذا الشرع الكامل الذي لا يخرج عنه شيء، وما هو موقفهم من هذه الشريعة المُحْكَمة.
إن الناس انقسموا إزاء موقفهم من هذا الشرع إلى قسمين لا ثالث لهما:
|
|
|
|
|
|
القسم الأول: هم المسلمون الذين قبلوا هذا الشرع، ومعنى الإسلام: هو أن يعلم الإنسان بقلبه وجوب الإذعان والانقياد لحكم الله عز وجل، فلا يكفي أن يعلم فقط، فهناك من يعلم وجوب الإذعان ولكنه لا يذعن، فلا يكفي أن يعلم وجوب الإذعان؛ حتى يضيف إليه نية الانقياد والاذعان لحكم الله عز وجل متى علمه، فينطوي قلب المسلم على الطواعية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في كل حكم متى استبان له هذا الحكم، فلا يكون بينه وبين تنفيذ الحكم والعمل به إلا العلم، فمتى علمه نَفَّذَه.
إذاً: الإسلام مكون من ركنين: الركن الأول: هو النية وهي عمل القلب. الركن الثاني: هو عمل الجوارح من القول والفعل، فمتى تخلَّف أحد هذين الركنين بالكلية، يكون الإنسان الذي تخلف عنه الركن كافراً بلا شك.
فمثلاً: لو أن إنساناً قال: إنني أعلم وجوب الإذعان لله والانقياد له بالطاعة، ولكنني لا أمتثل لذلك، أو قال: أعلم وسأمتثل؛ ولكنه لم يمتثل أيَّ أمرٍ من الأوامر الفعلية أو القولية على الإطلاق، فلم يقل قولاًَ يرضي الله، ولم يفعل فعلاً يرضي الله البتَّة؛ حينئذٍ نقول: إن هذا الإنسان قد خرج من الإسلام! لماذا؟ لأن الشهادة وهي: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) هي قول اللسان، هي قول، فهي نطق، فهي فعل إذن، وقد تخلفت عن هذا اللسان؛ لأننا قلنا: إنه لم يفعل فعلاً بالكلية مما أراده الله، ثم لم يُصَلِّ، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن تارك الصلاة بالكلية يكفر ولو أقر بوجوبها، إذاً من تخلف عنه العمل بالكلية فهو كافر؛ لأنه تخلف عنده ركن أساس من أركان الدين والإسلام والإيمان.
كذلك لو تخلف عنده الركن الثاني وهو النية وعقد القلب، فهو كافر أيضاً ولو عمل بجوارحه، مثال ذلك: أن يقول إنسان من الناس: أنا لا أرى وجوب طاعة الله، ولا وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا وجوب الإذعان والانقياد لهما، ولكنني أرى أن من المصلحة أن أمتثل الشرع -مثلاً- يرى أن صلاح المجتمعات الإسلامية مرهون باتباع الشرع؛ لأن الناس يمكن أن يذعنوا كلهم للشرع، فمن هذا المنطلق يرى اتباع الشرع، وقد تجد بعض الناس يقول لك: إنني لا أرى وجوب الصلاة -مثلاً- ولكن يصلي، لماذا يصلي وهو لا يرى وجوب الصلاة؟ لا يصلي لله ولا طلباً لما عند الله ولا خوفاً من عقاب الله، لكن يصلي؛ لأنه يقول: إن الصلاة تعطي الإنسان مكانة اجتماعية؛ فأهلك وجيرانك وأقاربك حين يرونك لا تصلي لا يهتمون بك، ولذلك أنا أصلي لهذا السبب فقط، أو يقول: إنني جربت الصلاة ووجدتها تساهم في ضبط وقت الإنسان بصورة جيدة، فيصلي حتى يحصل على هذه المصلحة، أو يصلي من أجل الرياضة، أو من أجل أي هدف آخر؛ المهم أن الباعث على فعل هذه الشعيرة أو غيرها ليس هو الباعث الديني الإيماني، إنما هو باعث آخر لا يمت إلى الإيمان بصلة، فحينئذٍ نقول: إن هذا الإنسان أيضاً غير مسلم؛ لأنه تخلف عنده الركن الآخر، وهو الأساس من أركان الدين والإيمان والإسلام، وهو انقياد القلب وطواعيته وإذعانه.
فالإسلام:
أولاً: العلم بوجوب الانقياد والإذعان والاستسلام لله عز وجل.
وثانياً: نية الانقياد والإذعان لله عز وجل.
وثالثاً: عمل الجوارح الذي هو الترجمة العملية لهذا الإذعان والانقياد المستتر في قلبك، هذا هو الإسلام.
والمسلم وإن كان مذعناً منقاداً قد يقع منه الخطأ، ولكن المسلم وهو يخطئ يعرف أنه عبد وأن الله ربه؛ فلذلك إذا بدرت منه المعصية قال: يارب! إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فيعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، فهو مسلم حتى وهو يعصي، ولذلك روى الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن رجلاً ممن كان قبلكم أذنب ذنباً أو قال أصاب ذنباً فقال: يا رب! إني أذنبت ذنباً أو أصبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله عز وجل: أَعَلِمَ عبدي أن لـه رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟ قد غفرت له! ثم مكث ما شاء الله، فوقع في الذنب مرة أخرى، فقال: يارب! إني أصبت ذنباً أو أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله عز وجل: أَعَلِمَ عبدي أن لـه رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟! قد غفرت له، ثم مكث ما شاء الله، فأذنب مرة ثالثة، فقال: يا رب! إني أصبت ذنباً أو أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله عز وجل: أَعَلِمَ عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب؟! اعمل ما شئت فقد غفرت لك} والحديث في صحيح البخاري كما ذكرتُ.
فالمسلم لا يخرج من الإسلام حتى وهو يخطئ ما دام مقراً مذعناً منقاداً، إذا لم يقع في مُكَفِّرٍ يُخْرِجُه من الإسلام بالكلية، والمكفِّراتُ معروفةٌ، وشأنها معروفٌ، وشروطها معروفة، وهذا هو الموقف الأول من مواقف الناس تجاه هذه الشريعة المحكمة، وهو موقف الإذعان والانقياد والقبول.
|
|
|
|
|
|
|
|
الشرك أو اتخاذ الند يأخذ صوراً شتى.
|
|
|
|
الصورة الثالثة من صور الشرك: أن يزعم الإنسان أن هناك مشرعاً مع الله يُقْبَلُ حكمه وتشريعه، فَيُحِلُّ ما أَحَلَّ، ويُحَرِّمُ ما حَرَّم، وينسخ ما نسخ، ويُحْكِم ما أحكم، وينقُضُ ما نقض، ويبرم ما أبرم؛ إلى غير ذلك، فهذه صورة من صور الشرك بالله عز وجل واتخاذ أنداد مع الله تعالى.
|
|
|
|
|
الصورة الأولى منها: أن يزعم هذا الإنسان أن مع الله شريكاً في إدارة أمور الكون وتدبيرها، كما يزعم بعض الصوفية -مثلاً - إن الأقطاب والأوتاد والأبدال يجتمعون مرات في السنة في مكانٍ معين، ويديرون أمور الكون ويصرفون الأقدار، فمن زعم أن هناك مصرفاً أو مدبراً لشئون الكون والقدر غير الله أو مع الله فهو مشرك؛ لأنه في هذه الحالة قد جعل لله نداً وعدل بربه، فهو من الذين كفروا والذين هم بربهم يعدلون.
|
|
|
|
|
الصورة الثانية: أن يتقرب الإنسان إلى غير الله بشعائر العبادة، مثل أن يتخذ الإنسان صنماً يعبده ويصلي إليه ويتقرب إليه بالذبح والنذر والصلاة والصيام وغير ذلك من الشعائر، كما كان المشركون يفعلون مع آلهتهم المدعاة، فهو في هذه الحالة قد جعل هذا الإله المعبود نداً لله، وعدله بالله، فهو من المشركين، وهو من الذين كفروا، وهو من الذين بربهم يعدلون.
|
|
|
|
|
|
|
|
ورد في هذا النوع الثالث -وهو الشرك في الحكم والتشريع- نصوص كثيرة جداً، أحببت أن أعرض لكم الآن بعض هذه النصوص، وعسى أن يكون هناك فرصة أخرى لاستكمال البحث في هذا الموضوع في جوانب أخرى قد لا يتسع المجال لعرضها الآن.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: أُخْبِرُك أنني أحبك في الله، وأسأله سبحانه أن يجمعني بك في مستقر رحمته؛ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وسؤالي هو: كثيراً ما نسمع أو نقرأ هذه العبارة (عاداتنا وتقاليدنا لا تسمح بذلك) فهل تصح هذه العبارة؟ وهل الشريعة عادةٌ أم تقليد، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب: أحبك الله! وأسأل الله أن يجمعنا جميعاً في مستقر رحمته، وأن يجعلنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً!!
كلمة "العادات والتقاليد" تحتمل معنيين:
المعنى الأول: الأمور والأعراض الاجتماعية مما لم يأت به الشرع ولا يعارضه الشرع، فهذا لا بأس به، ولا مانع من أن يسمى عادة أو تقليداً، وإن كان في نظري أن كلمة "تقليد" فيها نظر من حيث اللغة العربية، لكن لا بأس أن تسمى عادة.
المعنى الثاني: أما إن كانت كلمة "العادات والتقاليد" تطلق على الدين نفسه، فهذا مفهوم غير صحيح؛ بل إن الدين ليس تراثاً بشرياً، وإنما هو دينٌ إلهي سماوي، فلا ينبغي أن يسمى عادات، ولا أن يسمى تقاليد، ويجب أن يُرْبأ به عن هذه المعاني، وأظن أن بعض المهزومين يقفون في بعض المواقف فيستحيون -مع الأسف الشديد- أن يصرحوا بقضية الدين والإسلام، أو يصرحوا أنهم رفضوا هذا -أيَّ مُحَرَّمٍ- من أجل الله، من أجل إرضاء الله، أو لأن الدين يرفضه، يستحيون من هذا المعنى، فيلفون القضية ويقولون: ليس هذا من عاداتنا وتقاليدنا؛ لأنهم متفقون جميعاً على أن عادات المجتمع ينبغي مراعاتها، والعادات والتقاليد الاجتماعية ينبغي مراعاتها، فلا بأس أن يقول: عاداتنا وتقاليدنا في زعمه، لكن يجدون حرجاً أن يصرحوا بهويتهم، وهذه مشكلة خطيرة يا إخواني! إن كثيراً من المسلمين صاروا يستحيون من المجاهرة بالدين وإعلان قضية الإسلام، وهذا بلاء عظيم جداً وخطر ليس بالبسيط!
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: مما أعرف أن الواجب على المسلم إذا تلا القرآن الكريم فإنه يجب عليه أن يتدبَّر معانيه، وقد سبق لي أن سمعت أحاديث دالة على هذا، وأنا لم استطع تدبرها، فما الطريق إلى ذلك؟
الجواب: هذا السؤال يشير إلى أنه لم يستطع تدبر القرآن، فأقول: عدم استطاعته لأسباب لا بد من معرفتها والبحث في إزالتها ودفعها، فقد يكون عدم تدبرك للقرآن ناتجاً عن عدم معرفتك بمعانيه أحياناً، وحينئذٍ عليك أن تقرأ في كتب التفسير أو غيرها، أو تسأل أهل العلم حتى تعرف المعنى الذي دلت عليه الآية.
الأمر الثاني: أن يكون السبب انشغال قلبك في أمورٍ أخرى، وحينئذٍ يكون هذا السؤال مثل سؤال من يسأل فيقول: حاولت أن أخشع في الصلاة فلم أستطع مثلاً، فنقول: سبب عدم الخشوع وسبب عدم التدبر وسبب فعل كثير من العبادات بدون خشوع منا جميعاً -نسأل الله أن يتوب عليّ وعليكم أجمعين- أننا نفعلها بقلوبٍ خاوية، فالخشوع والتدبر والتأمل والتأثر كلها أفعالٌ قلبية من أعمال القلب، فإذا كان القلب مستعداً قام بها، لكن إذا كان القلب مشغولاً بشئونٍ أخرى كثيرة لاهية عن هذه الأشياء، فإنها تضعف بقدر انشغال القلب.
فمشغول القلب يصلي وهو لاهٍ ساهٍ، ويقرأ القرآن وهو لاهٍ ساهٍ، ويدعو وهو لاهٍ ساهٍ، شأن كثير منا في هذا الزمان! فعلى الإنسان أن يحرصَ على تفريغِ قلبه ما استطاع، لا أقول: عليه أن يترك الدنيا كلها! بل عليه أن يحرص على تفريغ قلبه ما استطاع من الشوائب، والإقبال بكليته على الأمر الذي يريده من العبادة، وتوفير أسباب التأثر ما أمكن، وحينئذٍ سيفعل القرآن فعله في النفس؛ فإن القرآن كلام رب العرش العظيم الذي خلق هذه القلوب، ومتى خلينا بين قلوبنا وبين القرآن سنجد من فِعل القرآن في هذه القلوب ما لا يخطر على بال.
وأذكر لكم قصة قرأتها لأحد الشيوخ الموجودين الآن، يقول هذا الشيخ: إنه جمعه مجلس مع بعض المستشرقين الفرنسيين فحانت صلاة العشاء، فقام يصلي بالقوم، فصلى هو والمسلمون، ثم رجعوا إلى مجالسهم، وكان بجواره أحد هؤلاء الفرنسيين وكان كافراً، وكان أيضاً لا يحسن العربية، يقول هذا الشيخ: فلما جلستُ بجواره وجدته قد أخرج منديلاً من جيبه، وهو يمسح دموعاً تتساقط بغزارة من عينه، يقول: فاستحييت من نفسي في هذا الموقف، ولكنني لم أستطع أن أتجاهله، وما حصل أمرٌ غريب، فسألته: ما السر في هذا البكاء؟ فقال: أنا والله لا أدري ما هو السر في هذا البكاء! ولكنني أشعر أن هذا الكلام الذي قلته في الصلاة -يعني القرآن- أشعر أن شيئاً بداخلي يتجاوب ويتحرك مع هذا الكلام، وأنني يجب أن أبكي حين أسمع مثل هذا الكلام؛ مع أنني لا أفقه ما تقول، ولا أدري ما هو، ولكنني أشعر باستجابة في داخلي لهذا الكلام..!
وهناك قصص مشابهة لا يتسع المجال لذكرها، فحتى الذي لم يعلم ما معنى القرآن، وجد في قلبه نوعاً من التأثر، ولا يلزم أن يكون هذا التأثر في كل إنسان، بل قد يوجد نوعٌ من الناس يوجد في قلوبهم هذه الحساسية والرقة والاستعداد للتأثر! والله أعلم..
|
|
|
|
|
السؤال: إن عندي مشكلة طالما عانيت منها، وهي: أنني قد هداني الله -إن شاء الله- إلى الطريق السوي، لكن أخي الأكبر تضايق من ذلك وتغير سلوكه نحوي؛ حيث كان قدوةً ومعلماً لي، وأنا مستغرب من فعله هذا، فتغيَّرت من جراء ذلك أحوال البيت، أرجو الإجابة، وجزاكم الله خيراً...
الجواب: الذي يظهر من هذا السؤال أن الأخ الأكبر رجلٌ مستقيم كان قدوةً لأخيه فتغير سلوكه تجاهك، قد يكون والله أعلم بسبب تصرفات معينة قام بها الأخ الأصغر بعد هدايته، وهذه التصرفات لا أستطيع أن أعرف ما هي الآن، ولكنني أستطيع أن أذكر بعض التصرفات التي يكثر أن تقع من بعض الصالحين، فمن ذلك: التخلي عن أعمال البيت ومشاغله والإلقاء بها على غيره، فإن الإنسان قد يكون مهتدياً صالحاً، فيرغب أن يشغل وقته في أمورٍ نافعة فيما يحسب، وبناءً على ذلك قد يتخلى عن كثيرٍ من المشاغل التي لابد منها، ويُلقي بها على أبويه أو على إخوانه الآخرين أو غير ذلك، ومهما ألحوا عليه فإنه لا يقوم بذلك حق القيام، فهذا سبب من الأسباب التي قد تؤدي إلى وجود شيءٍ من النفرة أو القطيعة.
ومن الأسباب أيضاً: أن يتنكر الإنسان لغيره بعدما يهديه الله عز وجل، وقد يكون لـه دورٌ في هدايته، فربما بدأ يتجاهله ولا يأبه به، وربما أمره ونهاه بأسلوبٍ أيضاً غير مناسب؛ لأنه يقول: هذا حق، ولابد من بيانه مثلاً، ومن هذا المنطلق قد يسلك مع مَن عَلَّمَهُ ورَبَّاهُ أسلوباً منفراً غير صحيح ولا مشروع.
صحيح أن النصيحة من كل أحد لكل أحد، وليس في الإسلام كبيرٌ أو صغير، لكن الاحترام والأدب والتوقير للأكبر مطلوب، وحتى حين تريد أن تأمره أو تنهاه، يجب أن تصحب ذلك بالأسلوب الذي يجعله يستجيب لما تأمر وتنهى، وقد يكون هناك أسبابٌ أخرى يجب عليك البحث فيها، وإن رأيت أن لـه أصدقاء يمكن أن تستعين بهم في حل هذا، فهو أمرٌ طيب.
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ذكرتم أن الإشراك بالله لا يختص بعبادة الأصنام، فلو أعدتم شيئاً من توضيح ذلك، وجزاكم الله خيراً..
الجواب: صُوَر الشرك كثيرة جداً، وأصل الشرك -كما ذكرتُ- عقد في القلب يصبح الإنسان به قد جعل غير الله من المخلوقين نِداً لله عز وجل معادلاً لـه في أمر من الأمور أياً كان هذا الأمر، فحينئذٍ يقع الإنسان في الشرك، أما الصور العملية لهذا الشرك فهي كثيرة جداً ذكرت منها صوراً ثلاثاً:
الأول: الشرك في الربوبية، وهو أن يظن أو يزعم الإنسان أن مع الله مُصَرِّفاً ومدبراً للأكوان.
الثاني: الشرك في الألوهية، وهو أن يصرف شيئاً من ألوان العبادة لغير الله.
الثالث: الشرك بالطاعة والاتباع، وهو أن يعتقد بوجوب طاعة أحدٍ غير الأنبياء والرسل الذين طاعتهم من طاعة الله عز وجل فيما لا يطاع فيه إلا الله، فيعتقد مثلاً بطاعة الأحبار والرهبان أو الرؤساء أو غيرهم من البشر المخلوقين في أمور التحليل والتحريم والحظر والإباحة والمنع والأمر... وهكذا.
|
|
|