|
إن الله سبحانه وتعالى كتب الموت على كل حي فلا يبقى إلا وجهه، وقد أنزل الله كتابه ليحكم الإنسان، وأنزل سنة رسوله لتنظم حياته، فإن زاغ عن طريق الحق اعترته الغفلة حتى يأتيه الموت وهو على أسوأ خاتمة، وشتان بين الوجل الخائف من الموت الذي يوفقه الله لحسن الخاتمة، وبين الغافل الذي يركض وراء الدنيا وملذاتها، فيموت على سوء خاتمة والعياذ بالله. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أما أهل الصلاح فإن لليلِ والنهار معنى آخر عندهم، كان عمر بن عبد العزيز يقول: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل أنت فيهما.
وكان الصديق يوصي عمر قائلاً: إن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله حقاً في النهار لا يقبله بالليل.
فأين نحن من هذه الحقوق والواجبات؟ فما وصلت الأمة إلى الحالة التي وصلت إليها إلا لغفلة الشباب والشيب.
زار أبو ذر مكة بعد طول غياب فرأى من أهلها عجباً، رآهم قد تطاولوا في البنيان، ورآهم توسعوا في المأكل والمشرب، فنادى بهم وهو يطوف حول الكعبة، فقال: يا أيها الناس! أنا جندب بن جنادة، وأنا لكم ناصح مشفق أمين.
فأقبلوا عليه، فقال: أرأيتم لو أن رجلاً أراد السفر، أليس يأخذ من الزاد ما يبلغه في سفره؟ قالوا: بلى، قال: فإن سفر الآخرة أطول ما تريدون فخذوا له ما يبلغكم، قالوا: وما يبلغنا؟! قال: صلوا في ظلمة الليل لظلمة القبور، وحجوا حجة لعظائم الأمور.
واجعل الدنيا مجلسين: مجلساً في طلب الآخرة، ومجلساً في طلب الدنيا، وآخر يضرك لا تَرِدْه، واجعل الدرهم درهمين: درهماً تنفقه في سبيل الله، ودرهما تنفقه على نفسك وعيالك ومن عندك، وآخر يضرك لا ترده، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون فتطيلون، قتلكم حرصٌ على الدنيا لستم ببالغيه.
أقول: إلى الله المشتكى، كيف لو جاء أبو ذر ورأى أحوالنا؟ ورأى القصور الشاهقة لا يسكنها إلا اثنان أو ثلاثة؟
كيف لو جاء أبو ذر ورأى أرصدتنا في البنوك الربوية؟
كيف لو جاء أبو ذر ورأى نساءنا وأطفالنا يتمايلون مع المعازف والألحان؟
كيف لو جاء أبو ذر ورأى ليلنا أمام الشاشات والقنوات؟
كيف لو جاء أبو ذر ورأى الملاعب تغط بالبنين والشباب؟
كيف لو جاء أبو ذر ورأى عباد البقر يهدمون مساجدنا؟
كيف لو جاء أبو ذر ورأى عباد الصليب ينتهكون حرماتنا وأعراضنا؟
كيف لو جاء أبو ذر ورأى أحفاد القردة والخنازير يتلاعبون بنا؟
فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما وصلنا إلى هذه الحال إلا من غفلتنا، وما أوتينا من قبل قوة القوم، ولكن أوتينا من ضعفنا، ومن غفلتنا، أما آن الأوان أن نسمع المواعظ فنتعظ، ونسمع النصائح فنتغير ونتبدل.
أما آن أن نتذكر أن الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، ولا يعرف صيفاً ولا شتاء، ولا ليلاً ولا نهاراً.
أما آن أن نعرف أنه ينتظر كلاً منا شدائد وأهوال، وفي القبر ضمة وسؤال.
إنها ثلاثة أسئلة ستطرح على كل واحد منا: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هو ذلك الرجل الذي بعث فيكم؟ ولا تظن أن قضية الإجابة بالقضية السهلة، فإنه لن يستطيع أهل الغفلة الإجابة، ولن يجيب إلا أصحاب القلوب الحية ثباتاً وتثبيتاً من الله جل في علاه، قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الغفلة تصد عن الحق، وتصد عن اتباع المواعظ، وتصد عن استماع النصيحة، قال جل جلاله: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [الأعراف:146].
فماذا أعددت للموت وسكراته؟ وماذا أعددت للقبر وظلماته؟ وماذا أعددت ليوم مقداره خمسون ألف سنة؟ وماذا أعددت لسؤال وجواب في ذلك اليوم العظيم؟ ستسأل عن الصلوات، وستسأل عن النظرات، وستسأل عن الكلمات، وستسأل عن كل صغيرة وكبيرة.
مر الحسن البصري على مجموعة من الشباب، ومن بينهم شاب يضحك بأعلى صوته، فقال له الحسن : هل مررت على الصراط؟ قال: لا، قال: هل تدري إلى الجنة يؤخذ بك أم إلى النار؟ قال: لا، قال: إذاً: على ماذا هذا الضحك؟
إلى متى أحبتي! ونحن ندفن موتانا ولا نعتبر؟ إلى متى ونحن نودع الصغار والكبار ولا نزدجر؟ ندخل المقابر مرات ومرات وغطاء الغفلة لا زال يخيم على القلوب.
كان السلف يقولون: إذا سرنا في جنازة لا نرى إلا متقنعاً باكياً. وانظر في واقعنا إذا سرنا في الجنازات اليوم، كانوا يقولون: كنا لا ندري من نعزي لكثرة الباكين، واليوم لا ندري من نعزي لكثرة الضاحكين، وعند المصائب والآلام تدخل المقبرة حين توديع الأموات فلا ترى الناس يتأثرون، فإذا لم تؤثر المقابر وأخبار أهل القبور فينا وتغير من أحوالنا فما الذي يؤثر فينا ما الذي يغير الواقع؟
إن مصير الغافلين مصير مظلم لا يعلمه إلا الله، تخونهم الذنوب والمعاصي في ساعة هم أحوج ما يكونون للتثبيت من الله جل في علاه.
|
|
|
|
أحد الذين يعملون في أمن الطرقات يقول: حادث شنيع حدث أمام أعيننا، سيارتان مسرعتان ارتطمتا وجهاً لوجه، فانطلقنا إلى مكان الحادث.
جئنا إلى السيارة الأولى فإذا الذي فيها قد فارق الحياة، وجئنا إلى السيارة الثانية فإذا فيها ثلاثة من الشباب، والذي يظهر أنهم في ساعات احتضار، أنزلناهم من السيارة، ومددناهم على جانب الطريق، أخذ صاحبي يردد عليهم: قولوا لا إله إلا الله، قولوا لا إله إلا الله، وفجأة ارتفعت أصواتهم بالغناء، وصاحبي يردد عليهم: قولوا لا إله إلا الله، وهم يرددون ألحان الشيطان حتى خمدت أنفاسهم والعياذ بالله.
وهكذا خانتهم المعاصي والذنوب، خانتهم الأغاني، وخانتهم المخالفات، وخانهم الشيطان في تلك اللحظات.
ما عمروا القلوب بالطاعة، ما ملئوا الأسماع بالقرآن، فلا عجب حين قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، فانطلقوا يرددون كلام الشيطان، تخونهم المعاصي عند الموت وبعد الموت، والعياذ بالله.
|
|
|
|
|
|
|
يقول الذي شهد مشهد الشباب على الأغاني: بعد حين شهدت مشهداً آخر:
شاب في مقتبل العمر تعطلت سيارته تحت نفق من الأنفاق، فنزل لإصلاح العطل، فجاءت سيارة فارتطمت به من الخلف، وسقط على الأرض، وتكسرت عظامه، وسالت دماؤه!
يقول: أسرعنا إلى مكان الحادث، جئناه فإذا هو في حال لا يعلمها إلا الله، حملناه في السيارة، ويظهر على مظهره الالتزام، فإذا هو يهمهم بأصوات وكلمات لم نميزها حتى وضعناه في الكرسي الخلفي من السيارة، وعندما انطلقنا تبين لنا ذلك الكلام الذي كان يهمهم به، كان يقرأ القرآن بصوت عذب ندي، ما سمعنا أجمل من ذلك الصوت، هو يقرأ ونحن نبكي.
أقول في نفسي: سبحان الله ما كأنه تكسرت عظامه، فقلت في نفسي: ألقنه الشهادة، فأنا صاحب خبرة من المواقف الماضية، يقول: فجأة بدأ صوته يخفت شيئاً فشيئاً، فالتفتُ إلى الخلف فإذا هو رافع إصبعه السبابة يتشهد، ثم سقطت يده على صدره وفارق الحياة.
فهذا لا يحتاج أن تلقنه لا إله إلا الله؛ لأنه عاش على (لا إله إلا الله)، فعرف معنى (لا إله إلا الله)، وبذل حياته من أجل (لا إله إلا الله)، فثبته الله في ساعة احتضاره، لم تتخل عنه الصلوات، ولم يتخلَّ عنه القرآن، ولا تخلى عنه التسبيح والتهليل، بل كان الله معه في تلك الساعة، فغادر الحياة وهو يقول: لا إله إلا الله!
|
|
|
|
|
وآخر من أحد دعاتنا يقول: جيء بشاب من أهل الصلاح والاستقامة، أحسبه والله حسيبه من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ومن الحريصين على حب الخير للناس، جيء به إلينا حتى نغسله، فلما بدأنا بتغسيله، وبدأنا بإعداد المسك والكافور، والله الذي لا إله إلا هو لقد فاحت رائحة المسك منه قبل أن نضع المسك عليه، وامتلأت الغرفة بمسك ما شممنا بمثله من قبل.
قال: قلت لصاحبي: هل تشم ما أشم؟ قال: إي والله، فنظرنا في وجهه فإذا هو كالقراطيس من شدة البياض، غسلناه، وكفناه، وأخذناه إلى المقبرة، وكنت ممن نزل في قبره، فلما أعطونا إياه فإذا هو يؤخذ من بين أيدينا، والله ما حملناه، بل أُخذ من بين أيدينا، قلت لصاحبي: أتشعر؟ قال: إي والله.
ووسد التراب، والله ما وسدناه، ووجه إلى القبلة، ووالله ما وجهناه، وكشفت عن وجهه فإذا هو يضحك، فخفت وظننته حياً، لولا أنني أنا الذي غسلته وكفنته!
هذا الشاب الصالح لم تخنه الطاعات حتى في قبره، ولم تخنه الصلوات حتى في قبره، إذا مات ابن آدم تبعه عمله، أما أهل الغفلة فتتبعهم غفلاتهم، وأما أهل الطاعات فتتبعهم طاعتهم، وتضيء لهم قبورهم، فإلى متى والناس يوماً بعد يوم يرحلون والحال لا يتغير ولا يتبدل؟ إن المرض في القلوب ولابد من علاجها، وعلاج القلوب لا يكون إلا بالمواعظ القرآنية.
قال ابن القيم: وعلاج القلب في خمسة: قراءة القرآن بتدبر، وقيام الليل.
ولكن الناس اليوم يمكثون أمام الشاشات ساعات وساعات، ويضيعون الواجبات والطاعات، وأحوال أمتنا في كل مكان مآسي وجراحات.
ها هو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد
يا ويحنا ماذا أصاب شبابنا أوما لنا سعد ولا مقداد
إنَّ علاج القلب بالتضرع في السحر، والارتماء بين يدي الله جل في علاه، والعلاج يكون بتقليل الأكل والشرب والطعام، فما فسدت القلوب إلا لما أثخنت البطون أكلاً وشرباً ولهواً وغفلة، ثم علاج القلوب بمصاحبة الأخيار، والطيور على أشكالها تقع.
|
|
|
|
|
|
|
|
|