|
قد يفهم كثير من الناس بكافة مستوياتهم الثقافية معنى الأمية التعليمية، لكن الخطأ المشترك بين كل هؤلاء، والذي يقع فيه حتى عِلية القوم من المثقفين، هو جهلهم بمعنى الأمية التربوية، ولذلك يمارسون مع أبنائهم أساليب تربوية خاطئة، سواء كانت تنتهج القسوة أو التدليل، وسواء كانت موروثة أم مستوردة، ولهذا فالواجب على كل أب أن يتعلم أسس التربية، ويلتزم الطريقة الصحيحة في ذلك. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
لا نتصور أن مثل هذه القضية التي هي غاية في الخطورة يمكن أن تناقش وتعطى حقها في هذا الزمن القليل، فليكن كلامنا مجرد مدخل ومقدمة لسلسلة تستمر -إن شاء الله تعالى- فيما بعد عن هذا الموضوع.
بالنسبة لمفهوم الأمية التربوية لابد أن يتداعى الناس بين وقت وآخر للحديث عنها، والإعلان عن مراكز محو الأمية وأهمية محو الأمية، بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، لكننا قل أن نجد من يلتفت إلى نوع آخر من الأمية، وهي الأمية في مجال التربية، فضلاً عن أن يفكر في محوها، وسلوك منهج علمي دقيق في محو هذه الأمية. |
|
|
|
هناك فرق شديد بين أمية القراءة والكتابة وبين أمية التربية؛ إذ أمية القراءة والكتابة من حيث آثارها أخف بكثير جداً من أمية التربية، أما أمية التربية فقد تخرج أجيالاً مشوهة نفسياً تعاني وتتعذب وتنحرف في كل مظاهر الحياة.
الأمية في القراءة والكتابة قد نجدها تتفشى في طائفة معينة من الناس، ولكن الأمية التربوية لا ترحم، فإنها قد تتفشى كالداء الوبيل، وقد نجدها في أعلى الناس من حيث المستوى العلمي، كأستاذ الجامعة، أو حتى خواص الناس وليس عوامهم، فهؤلاء بلا شك أعلى الناس من حيث تنزههم عن أمية القراءة والكتابة، ولكن مما يؤسف له: أن الأمية التربوية متفشية فيهم بصورة مؤلمة جداً على أعلى المستويات، بل على مستوى الوزراء وغيرهم من علية القوم، وهذه الظاهرة نلمسها في مناهج التعليم، أو وسائل الإعلام.. كل هذه تعكس وتشير إلى مدى الأمية التربوية؛ هذا مع حسن الظن بهم!
الأمية بالقراءة والكتابة قد تكون ظاهرة، أما الأخرى فهي تتخفى، ثم تظهر لنا فيما بعد آثارها الخطيرة على الأبناء والأولاد، أي: يمكن أن يكون الرجل خبيراً وقائداً في التربية وهو رجل فقير لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك تجد سلوكه مع أولاده سلوكاً راقياً مهذباً مستنيراً يخرج الأولاد الأصحاء، وقد يكون رجلاً على النقيض من ذلك، ومع ذلك يكون غارقاً في الأمية التربوية.
إذاً: ليس المقصود من محاضرتنا هذه محو الأمية التربوية كما هو العنوان، ولكنه تحت عنوان مضمر: أهمية محو الأموية التربوية؛ فإن المحو لهذه الأمية يحتاج زمناً طويلاً وجهوداً مكثفة، والمقصود هو أن ننقل هذه القضية إلى دائرة الاهتمام ليسلط الضوء عليها، ونعطيها القدر الذي تستحقه. |
|
|
|
|
كان ينبغي معالجة هذه القضايا منذ زمن بعيد، لكن هناك عوائق وعقبات أمام ذلك، وأكبر عقبة أنه كان يفترض في هذه القضايا التربوية أن يقسم الناس فيها إلى شرائح عمرية، ويوجه لكل طائفة كلام غير الكلام الذي يوجه للطائفة الأخرى، إلا أن مشكلاتنا في مجتمع المسجد أنه تتواجد فيه جميع الفئات العمرية من الجنسين، ولا شك أن هذا توجد معه بعض الصعوبة من حيث اختلاف مستويات الناس في فهم الأشياء.
أيضاً الكلام الذي يقال للأطفال غير الذي يقال للشباب المراهقين، وهو غير الذي يقال للناضجين، وهو غير الذي يقال للشيوخ، كذلك ما يقال للبنات غير ما يقال للبنين؛ علاوة على أن هناك قضايا لابد من طرقها لكن لا يناسب طرحها بصورة مكشوفة أمام كل هذه المجموعات العمرية، لأنها تناسب طائفة معينة؛ فهناك من الشباب مثلاً من له بعض المشكلات الخاصة جداً التي لا يناسب أن تذكر أمام الجميع، أو تناقش بانفتاح أمام هذه المجموعات كلها.
أيضاً: يحتاج هذا الموضوع لتوعية نفسية وصحية، ونحن وإن كنا قد أغنانا الله سبحانه وتعالى بنور القرآن ونور السنة وهدي السلف الصالح، لكننا في نفس الوقت نحتاج لتوعية نفسية وصحية في قضايا لا تكون كالقضايا التي نعتاد على دراستها في المسجد، لكننا نرجع فنذكر أنفسنا بأن المسجد طالما كان له دور شامل لجميع مقاصد الحياة، ويشمل كل مجالات الحياة، فلا حرج على الإطلاق إن شاء الله تعالى من تناول هذه الأشياء، من باب تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك)، كما أن هذه الأمور النافعة تفيدنا ديناً ودنيا، فلا حرج إن شاء الله تعالى من ذكرها.
أيضاً مما يتخوف منه الإنسان: أن بعض الناس يسيء أحياناً فهم الكلام، وبالتالي تطبيق الإرشادات، لكن مع التفصيل والإيضاح نأمل تجاوز هذه المخاطر.
ما دمنا نتكلم عن التربية فمحور هذه القضية هو أهم شريحتين في الأمة: الأطفال والشباب؛ لأنهما الطائفتان القابلتان للتربية والتوجيه، وكلما تقدم السن كلما كان الأمر أصعب. |
|
|
|
|
|
|
|
من المناسب أن نبدأ بإظهار بعض مظاهر الخلل، وموقفنا نحن من موضوع التربية. |
|
|
|
إذا قلت لشخص: ما هذا؟ فقال: لا أدري، فهذا جهل، لكن لو قلت لآخر عن كوب: ما هذا؟ فقال: هذا كتاب، فقد أخطأ، فهو لا يعرف الكتاب من الكوب، فالخطأ في العلم نوع من الجهل، وقد يكون أخطر من الجهل العادي الذي يعني انعدام العلم.
أقصد بذلك أن عندنا بعض الناس لا يخطر الموضوع لهم على بال، والبعض الآخر يتبنى مناهج تربوية خاطئة؛ لأنها مصادمة للمنهج الإسلامي الصحيح والسوي، فهذا أيضاً نوع من المرض والانحراف ينبغي أن يعالج، وأن تقتلع المفاهيم المنحرفة؛ لأنها لا تخرج عن حيز الجهل؛ لأنها مناهج خاطئة تصادم المنهج الصحيح.
نحن أقسام: إما أن بعضنا غافل تماماً عن شيء يسمى تربية، فيمارس نوعاً من اللامبالاة، والموضوع لا يخطر له على بال، وكل نظره يتجه إلى نمو الطفل: أنه الآن يحبو.. الآن بدأ يتكلم.. الآن كذا وكذا.. مضغة لحم تنمو وتكبر ويتلهى بها، ويغفل أنواعاً أخرى من النمو ينبغي أن يعتنى بها، وأن يعطى الطفل احتياجاته فيها.
فالوعي التربوي لدى أغلب الناس وعي منخفض جداً حتى عند المثقفين منهم، فالتربية لا تأخذ عندهم مأخذاً جاداً كعلم يكتسب، ومهارة تحتاج إلى تدريس، وإنما ينظر إليها أغلب الناس على أنها شيء تلقائي يدركه الفرد بإحساسه العفوي، فإن أراد الاجتهاد فإنه يضيف شيئاً من خبراته المكتسبة وراثياً عن طريق ما تعلمه من الآباء.
وغالبية الناس يجهلون كيف يتعاملون بالأسلوب السليم مع أولادهم في هذا العصر الذي صعبت فيه التربية جداً؛ لأنه عصر يكتظ بالمتناقضات، وتتزاحم فيه الأضداد، وأصبح الإنسان تتنازعه جوانب عدة واتجاهات مختلفة؛ فلا يجد الفتى أو الفتاة سوى التخبط والضياع عندما لا يكون هناك من هو كفؤ لقيادته إلى الطريق الصحيح في هذا الخضم المتلاطم من الأفكار والنزعات. |
|
|
|
|
بعض الناس يتكلمون كثيراً عن التربية لكنهم يتكلمون من برج عاجي، أو دراسات أكاديمية معقدة لا يفقهها إلا من كان على هذا المستوى الأكاديمي، وكما نلاحظ في الدراسات المتخصصة فإنها لا تعطينا وجبة سهلة قابلة للتطبيق، لأن كل الكلام على مستوى أكاديمي يناسب المتخصصين ويستغلق على الإنسان العادي، وربما عقدت بعض المؤتمرات لمناقشة بعض المشكلات، وقد حضرت مرة مؤتمراً يناقش مشاكل المراهقين، وتطرق أساتذة كبار في كلية الطب إلى هذه المشاكل؛ فوجدت أن الكلام كله يدور في إطار مشاكل طبقة المترفين، وفيه تفاصيل لا تمت للأغلبية من الناس بصلة.
أيضاً بعض الناس افتتن بالمنهج التربوي الغربي وأراد إسقاطه عشوائياً على بيئتنا، وهذا كقصة المثل الذي يحكي أنه كان هناك سمكة جرفها السيل، وأخذ يدفعها أمامه، وهناك قرد أراد أن ينقذ هذه السمكة، فأخرجها من الماء حتى ينقذها، نحن إذا تم التعامل معنا على أساس ثقافة غير ثقافتنا ومذهب غير ديننا فإن هذا لا يناسبنا؛ لأن صلاحنا لا يكون إلا بما صلح به أمر أول هذه الأمة.
وبعض الناس يرون التربية الحسنة، في أن يوفر الأب لأولاده أحسن ملبس وأحسن مأكل، ووسائل الترفيه، والبعض يسلك مسلك التربية القاسية المتسلطة، حتى إن منا من يستحسن ذلك حين يحكي عن شخص أنه حين ينظر لابنه بعينيه فإن الولد يرتجف، فينظر إلى هذا الأب على أنه مرب جيد، وأن هذا الولد متربٍ، وعلى الجهة الأخرى نجد التدليل المفرط الذي يدمر الأطفال ويسيء إليهم. |
|
|
|
|
من مظاهر الخلل في هذه التربية أيضاً: اعتزاز بعض الناس -إلى حد التقديس- بالطريقة التي ربي هو بها منذ صغره ويعتبرها جزءاًً من كيانه لا يستطيع أن يتخلص عنه، وبالتالي يريد أن يحاكي هذه الطريقة ولا يخضعها أبداً للنقد أو التمحيص أو النقاش أو إعادة النظر فيها.
أما مشاكل المترفين: فهم يتركون زمام التربية لغيرهم، كحال الخادمات، فقد أصبحن في هذا الوقت ظاهرة جديدة، حيث يستقدمن من شرق آسيا كافرات لا يعرفن العربية، ويسلطن على الأطفال لتربيتهم، وهذه مصيبة ما بعدها مصيبة؛ لأن لهؤلاء الخادمات دوراً مدمراً لهوية الأطفال الإسلامية. |
|
|
|
|
من هذا أيضاً: تسليم زمام التربية لمعلمات غير تربويات، ولا حظ لهن على الإطلاق في التربية، فنجد بعض المسالك من المعلمة التي لا تعرف شيئاً في التربية؛ لأن هناك فرقاً بين التربية وبين التعليم، فالتعليم جزء من التربية، كما يقول المثل الصيني: إذا أتاك مسكين من أجل أن تتصدق عليه فأن تعطيه شبكة وتعلمه كيف يصطاد السمك أفضل من أن تتصدق عليه بسمكة.
فالمدرس الذي يدرس الرياضيات قد يحل لهم المسألة بسهولة، وهو في هذه الحالة ليس معلماً فقط لكنه يكون مربياً إذا علم التلميذ أو الطالب كيف يفكر ويحلها، وكيف يستقل بالإبداع في هذه المجالات؛ فالتربية أعم من التعليم، فقد يوجد معلم لكنه لا يكون مربياً كما لاحظنا، والأمثلة مؤلمة جداً. |
|
|
|
|
الآن ينتزع زمام التربية ويعطى لوسائل الإعلام التي تدمر الأبناء تدميراً، وفي مقدمتها التلفاز بسلوكه الخطير على نفسية الأطفال بإجماع جميع العقلاء في كل العالم، وفي أمريكا يوجد اقتراح لمنع الفساد عبر أجهزة التلفزيون والفيديو وغيرها، فانضم لهذه الحملة رئيس أمريكا وطالب الناس أن ينضموا ليطالبوا الوسائل التلفزيونية بالحد من النشاط الإجرامي الذي يفسد الأطفال.
هذا وهم كفار غير مسلمين، فما بالك بالمسلمين، فلا نشك أن التربية الموازية والمضادة للتربية الإسلامية التي تسلط على الأطفال صباح مساء تصعب المهمة جداً في واقعنا الذي نعيشه. |
|
|
|
|
|
|
|
من المناسب أن نبدأ بإظهار بعض مظاهر الخلل، وموقفنا نحن من موضوع التربية. |
|
|
|
|
|
يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش؛ أي أنه مثل العجينة الطرية يمكنك أن تشكله كما تشاء بإذن الله، فإذا أحسنت تشكيله خرج لك قرة عين، وخرجت لك ذرية صالحة، أما إذا أهملتها فهذا ما يبينه الغزالي فيقول:
الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعُلِّمَه نشأ عليه؛ فسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم؛ شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فالشر طارئ لكن الفطرة البشرية سليمة وقابلة للخير، وإلى هذا أشار أبو العلاء بقوله:
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
وما دان الفتى بحجىً ولكن يعلمه التدين أقربوه
فالنبي صلى الله عليه وسلم حمل الوالدين مسئولية تربية الأبناء؛ لأن بعض الآباء قد تحصل ظروف معينة في أسرته تجعله يقرر أن يهرب من هذه المسئولية، فيكون مثله كمثل ربان السفينة في وسط البحر إذا غضب من بعض البحارة فترك لهم المركب، وأخذ قارباً ولن يستطيع القيادة إلا هو، وقد يكون الأمر أخطر لو تخيلنا أنه قائد الطائرة وينزل بالمظلة، فهل يخلو مثل هذا من المسئولية بضياع هذه الأسرة وهؤلاء الأولاد؟ لا. بل سوف يحاسبه الله عز وجل، ويكون حسابه أشد إذا كان سلبياً أو فرر من مواجهة هذه المسئولية. |
|
|
|
|
|
|
تربية الأولاد تبدأ مبكرة جداً عما نتخيل؛ لأن أغلب الناس تنظر إلى الطفل من ناحية نموه الجسدي، وكثير من الناس يستصحب موقفه هذا مع الطفل الصغير منذ أن يحبو حتى يكبر وهو ما زال ينظر إليه بهذه النظرة.
والإسلام في الحقيقة نبه إلى موضوع التربية، وبعض الناس لا يلتفت لها إلا بعدما يكبر الولد ويتعدى الثانية عشرة من عمره، وهذه خسارة ما بعدها خسارة؛ لأن نفسية الطفل وشخصيته تتشكل وتوضع البذرة الأولى لها في الخمس السنوات الأولى، فهذه أخطر مرحلة تشكل كل مستقبل الطفل فيما بعد ذلك، والله تعالى أعلم.
وهذه المرحلة حقها أن تحظى بأكبر قدر من العناية، لكنها تحظى بأكبر قدر من اللامبالاة، واللامبالاة لا تساوي عدم التربية، بل تساوي تربية خاطئة، فاللامبالاة في حد ذاتها إساءة.
|
|
|
|
|
لا ينظر للتربية على أنها تبدأ عندما يكلف الطفل، فهذا غير صحيح، ولن أقول: إنها تبدأ من ساعة خروجه من بطن أمه، لكنها تبدأ من حين اختيار الأب لزوجته؛ هذه هي البداية الصحيحة، أي: أن حق الأولاد يتقرر في عنقك منذ اختيار أمهم؛ لأن هذا الاختيار يكون له أعظم الأثر فيما بعد على الأولاد، وهذا موضوع في غاية الأهمية، لكننا سنختزله ونذكر أهم ما فيه، فأقول:
إن من المهم اختيار الأبوين؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نبهنا إلى كلا الأمرين حينما قال في الرجل: (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، وقال في المرأة: (فاظفر بذات الدين تربت يداك).
فإذاً من حق الولد إحسان اختيار أمه حينما يريد أباه أن يتزوج، ولا خير ولا أحسن من المرأة الصالحة كما بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: إن البيت قلعة من قلاع هذه العقيدة، ولابد أن تكون قلعته متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، كل فرد منها يقف على ثغرة لا ينفذ إليها، وإلا تكن كذلك سهل اقتحام العسكر من داخل قلاعه؛ فلا يصعب على طارق، ولا يستعصي على مهاجم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تخيروا لنطفكم؛ فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم).
|
|
|
|
|
حينما امتدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم نساء قريش قال: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش) يعني: الصالحات المتدينات من نساء قريش، ثم ذكر المؤهلات اللاتي استحققن بها هذا الثناء من النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده)، فهن أكثر الناس حناناً على أولادهن، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ لأن الطفل يحتاج إلى الحنان حاجة ماسة، ومع كل وجبة إرضاع ينبغي أن تقدم الأم للطفل وجبة حنان وحب وعطف، وكل هذه الأمور من الاحتياجات الأساسية للطفل.
الطفل ينمو، وكما ينمو في جسمه تنمو روحه وعاطفته وإدراكاته، فمما يحتاج إليه الطفل باستمرار: وجبة الحنان، وإلا سهل جداً الإرضاع. فقد تقوم به الزجاجة، أو الخادمة، لكن المرأة التي ترضع ولدها يشتد الالتصاق بينها وبينه، ووجودها أساسي جداً في الإشباع العاطفي والوجداني الذي ينعكس انعكاساً كبيراً عليه، لذا فإن أخطر السنوات في تشكيل شخصية الطفل هي السنوات الخمس الأولى، ثم يليها الثلاث السنوات التالية، فينبغي أن يهتم بتربيته وقتها أشد الاهتمام.
إن الأم التي إذا أرادت أن ترضع ولدها تصرخ فيه، وترضعه بطريقة ميكانيكية آلية قد حرمته من وجبة الحنان، وهي تظن أنه قطعة لحم لا يحس بشيء، ونحن نقول: إن الطفل يحس بكل شيء، يحس بأمه وهو في بطنها، فيحس بها إذا كانت سعيدة أو كئيبة، ولذلك فإن الأم أثناء فترة الحمل محتاجة إلى توجيهات كثيرة جداً؛ لأنها تختزل فترة من فترات تربية الطفل عن طريق أنها تكلمه وتقوم بعمل حركات معينة على بطنها بحيث يألفها ويحفظ صوتها، وربما سمعتم أن بعض الأمهات الفاضلات كانت دائماً تسمع القرآن الكريم، والطفل في بطنها، فسرعان ما حفظ القرآن مبكراً جداً؛ وذلك لأن الطفل ليس في غفلة، بل يحس بأشياء كثيرة نتغافل عنها، ونحقر من إمكاناته، والحقيقة غير ذلك تماماً.
الشاهد: أن هذا وسام وشرف وضعه النبي عليه الصلاة والسلام على نساء قريش، وكافأهن بهذا المديح العظيم على لسانه صلى الله عليه وسلم وذلك لسببين.
أحدهما: (أحناه على ولد في صغره)، وهذا فيه لفت نظر إلى أهمية الحنان، والأطباء أو الأخصائيون النفسيون حينما يدرسون حالة من حالات الانحراف عند المريض يكون هناك سؤال أساسي جداً: هل الرضاعة تمت في صغرك بطريقة طبيعية أم بطريقة صناعية؟ لأنه لو حرم من الرضاع فسوف ينعكس هذا على نفسه، وهذا نوع من الحرمان.
ثم الفطام: كيف فطمت من الرضاع؟ وأغلب الناس لا يتذكر؛ لكن لو أمكن اجترار هذه المعلومات من الأقارب أو الأم فإنها تكون مفيدة.
فالأزمات النفسية توضع جذورها في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل، ثم بعد ذلك تليها في الأهمية مرحلة أخرى تستمر إلى ثمان سنين، ثم تنتهي تقريباً عند سن الثامنة عشرة، إلى هنا تكون كل مقومات الشخصية قد تكونت لديه، وما يستقبل فهو انعكاس لما مضى في خلال هذه الفترة، والتجارب التي مر بها، والأسلوب الذي ربي به.
هذه لفتة عابرة لخطورة العملية التربوية. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مما يجسد خطورة التربية في المراحل الأولى: أن الله سبحانه وتعالى جعل الحضانة حقاً للأم، ورتب على الإرضاع أن جعل الأم من الرضاع تماماً كالأم الحقيقية: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، وقال عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
فموضوع مراعاة حق الطفل في رعاية أمه أمر في غاية الأهمية، وانفصال الطفل عن أمه، أو تقصيرها في هذا الأمر يجرنا إلى اليتيم، هل اليتيم هو من كان فقيراً أو من ليس معه مال؟ لا. اليتيم يمكن أن يكون غنياً لكنه يتيم؛ لأنه حرم من أبيه أو من أمه؛ فقد ييتم الآباء أبناءهم وهم على قيد الحياة، كما قال الشاعر:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً
إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً
ولا يمكن أن يقوم بديل عن الأم في هذه الوظيفة الخطيرة، فالشارع لما جعل حق الحضانة للأم ما قال: يمكن أن تقوم بها دور الحضانة أو الخادمة أو غير ذلك، فعملية هروب المرأة من وظيفتها المقدسة -تربية الأولاد- إلى العمل مصيبة، وأصل هذه العملية إقحامها في حياة المسلمين بطريقة متكلفة، وأصبحت تسمى المرأة: امرأة عاطلة وامرأة عاملة، فالعاطلة ربة بيت، والأخرى عاملة منتجة، أو نصف المجتمع.. إلى آخره، هذه هي المرأة العاملة التي تمارس هذه الوظيفة المقدسة وهي العاملة بالفعل لأشرف عمل، أما الأخرى فهي هاربة من الوظيفة، وهاربة من العمل إلى الشوارع والمصانع والمحلات ... إلى آخره.
طبيب أمريكي كان كلما جاءته أم بطفل مريض يشتكي، يكتب في كل الإرشادات الخاصة به: العلاج هو العودة إلى الأم الحقيقية، وهذا كاف، فقد كان يرى أن المرض هو نتيجة عن هذا الخروج.
وكما أشرت فإن الأم الحقيقية ليست عاطلة، ووظيفتها أصعب من أي موظف في العالم؛ لأن أي موظف يشتغل ثمان أو عشر أو خمس عشرة ساعة في اليوم أو فترة معينة ثم يستريح بعد ذلك، لكن الأم التي تحضن الأطفال وتراعيهم والزوج والأولاد والصغار والكبار، تشتغل أربعاً وعشرين ساعة، وممكن أن تستدعى بصراخ الرضيع في أي وقت، وقد تسهر معه إلى نصف الليل أو معظم الليل كي ترعاه وتحرسه، فهل هذه تسمى عاطلة؟!
فموضوع إقحام قضية المرأة العاملة كان لغرض يراد بالمسلمين على يد اشتراكية عبد الناصر ، وكان الكلام فيه متكلفاً، وضربوا له مثلاً فقالوا: مثل ذلك كمثل عامل يأتي في الليل بأنقاض بناية متهدمة ويضعها في الشارع فيسد الميدان بالأنقاض، ويرفع عليها مصباحاً، فيأتي من يسأله: لماذا أتيت بهذه الأنقاض؟ فيقول: لأرفع عليها المصباح، فيقال: ولماذا أتيت بالمصباح؟ فيقول: حتى لا يصطدم الناس بالأنقاض، وهذا مثل قضية عمل المرأة، فهي قضية متكلفة زرعت زرعاً وأقحمت إقحاماً لكي يتم إخراج المرأة من قلعتها الحصينة، ولشلها عن هذه الوظيفة المقدسة.
قد يقول بعض الناس: نحن نكثر الكلام عن التربية وأهميتها، فهل درس السلف هذه العلوم؟
فنقول: السلف حققوا النموذج العملي الراقي في كل مجالات الحياة، وليس فقط في مجال التربية، لكن الأمر كما في علم النحو والصرف واللغة والبيان والبديع وغيرها، فهل السلف درسوا النحو والصرف وغيره؟ فنقول: لا، ومع ذلك كانوا أفصح الناس؛ لأن ذلك كان عندهم بالسليقة وبالاستعدادات الفطرية بجانب تهذيب الوحي الشريف لهم، كذلك التربية هم مارسوها بالفعل؛ لكن ضبط هذه الأشياء وتبسيطها وتقنينها لا يمكن أن يتصادم مع هذا. |
|
|
|
|
|
|
هذا مهم جداً ومما ينبغي أن نلتفت إليه، وهو: أن العملية التربوية هي عملية مستمرة ومتجددة، فلا يوجد وقت معين للتربية.. بل كل حياتك مع أولادك تربية.. كل سلوك وكلمة وحركة وسكنة وتعليق وإيماء وتصرف هو تربية، والطفل يقتبس منك ويتمثل كل ما يراه.
فإذاً التربية هي علم له قواعد وأصول وله سنن تحكمه، فكل ما يحصل منك هو نموذج عملي يحتذيه الطفل، ويتأثر به طوال حياته، ولا يوجد وقت معين يقول الأب للأولاد: سنعطيكم حصة تربية أربيكم فيها، لا يحصل هذا، فكل تصرف منك هو تربية، فالتربية عملية تستمر آناء الليل وأطراف النهار، التربية عملية تفاعل وتأثر بالبيئة المحيطة، وسنذكر أمثلة لمدى خطورة التصرفات التي لا نتفطن إليها على الإطلاق. |
|
|
|
الطفل إذا نشأ في بيئة تحتقر المرأة وتزدريها وتستخف بها؛ فيرى أباه يضرب أمه ويشتمها ويسبها ويفعل بها كذا وكذا؛ فإن هذا يزرع في قلبه أن هذا هو الوضع الطبيعي للمرأة، ثم بعد ذلك يتقمص هذا السلوك حينما يصير زوجاً، ويكرر ما تشربه منذ الطفولة.
طفل أمه تضربه بالحذاء، مؤكد أنه سيعيش إنساناً مهدر الكرامة، فكيف يكون عنده كرامة حينما يكبر؟ وكما قلنا: أخطر مرحلة هي السنوات الثمان الأولى، وبخاصة الخمس الأولى منها، ومع ذلك أغلبنا لا يلتفت إليها، ولا ينتبه لها.
الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله تعالى أتاه رجل فقال له: قد رزقت بنتاً، وأريد أن تعلمني كيف أربيها، قال له: كم عمرها؟ قال: سنة، قال: فاتك الخطاب، هو في الحقيقة ما فاته، ولكن هذا تجسيد من رجل بصير بفن التربية؛ لخطورة إهمال التربية التي يجب أن تبذل للطفل في وقت مبكر. |
|
|
|
|
الوقاية من الاضطرابات النفسية أفضل من العلاج؛ لأن العلاج إما ميئوس منه، وإما نسبة النجاح فيه قليلة، وبالتالي فالوقاية تكون بأن ينشأ الطفل سوياً نفسياً من الصغر، وهذا أعظم أسلوب للتعامل مع الاضطرابات النفسية التي قد تحصل إذا حصل خلل في هذا الأمر.
فنحن بدلاً من البحث عن حل للمشاكل عند الأطفال نفر من مواجهة ذلك، فمرة نقول: محسود، ومرة: مصروع عليه جن، أو مسحور؛ وهذا كله هروب.
فنحن بجانب الأذكار الشرعية والرقية، نراجع أنفسنا ونقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في تربيته ومعاملته للأطفال؛ فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي أشار إليه الله سبحانه وتعالى في قوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، أي في كل مجال من مجالات الحياة فهو أب وابن وقائد وزعيم.
وفي قصة الصحابي الذي أدبه النبي عليه الصلاة والسلام في أحد المواقف، فقال: (فوالله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو المعلم الأول، والنموذج الأكمل لكل البشرية.
أكرر: أخطر مراحل التربية هي التي تحظى عندنا بأكبر قدر من اللامبالاة التربوية، وأكرر أيضاً: إن اللامبالاة لا تعني عدم التربية، لأنه لا يمكن أن تتوقف التربية، وسلبيتك في حد ذاتها أو هروبك هو نوع من التربية التي سوف تنعكس على هذا الطفل. |
|
|
|
|
إذاً: اللامبالاة لا تعني عدم تربية، أو توقفاً عن التربية، وإنما تساوي تربية سيئة مدمرة لهذا الطفل.
تألمت جداً حينما كنت أقرأ بعض الأوراق في مقالة بالإنجليزية، وكان يتكلم هذا الرجل التربوي الأمريكي عن معالجة موقف معين من المواقف، فيقول: في هذه الحالة لا يوجد لهذا حل، فقد عملت خطأ جسيماً لا يكفي لحله أن نكتب كلمتين في ورقة، فإما أن تذهب إلى الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، وإما إلى رجل من رجال الكنيسة.
انظر كيف ساوى رجل الكنيسة بالأخصائي النفسي؛ لأن هؤلاء يهتمون جداً بدراسة النواحي النفسية، والثقافة التربوية، ولذلك ساوى بين رجل الدين وبين الأخصائي النفسي؛ لأنه يدرس هذه الأشياء.
ولذلك أقول: إن كل من ينتمي إلى الدعوة.. بل كل أب، يحتاج إلى أن يفقه في الجانب النفسي في التربية أعظم الفقه، ونحن أولى من الكفار بأن نهتم بهذه الأشياء، بل أحياناً تحدث بعض التصرفات التي تلفت النظر في الأطفال، وكلما انتبهنا إليها مبكراً سهل علاجها.
نحن ننكر الحقيقة كي لا نواجهها، كشخص عنده أعراض مرض السكر، والدكتور يقول له: أنا أشعر أن عندك سكراً، فعليك بإجراء تحليل للدم، فلم يجر التحليل، ويقول: أنا خائف أن يكون عندي سكر، وهل هذا سيقطع عنك البلاء؟ لماذا لا تأخذ بالأسباب، وتحرص على ما ينفعك؟ ومفهومه: اجتنب ما يضرك.
فالشاهد أنا عندنا مفهوماً في غاية الخطورة، وهو النظر إلى الطب النفسي على أنه وصمة عار، فمن ذهب للأخصائي النفسي لابد أن يختفي عن الأنظار، ويظن من يراه هناك بأنه مجنون. ومن علامات تخلف المجتمعات في هذا العصر، ينظر أن الإنسان هذه النظرة لأناس أفنوا أعمارهم في دراسة هذه الأشياء، والتعامل معها بأساليب علمية لا تتصادم مع ديننا على الإطلاق.
لكن ينبغي أن يذهب الإنسان إلى من هو متدين من هؤلاء الأخصائيين لأننا نظل نتهرب ونتهرب، ونضطر بعد ذلك مرغمين إلى اللجوء للطبيب النفسي بعد استفحال الاضطراب في الأطفال، فأي شيء يلفت النظر، ونحن لسنا بغنى عن الاسترشاد بكلام الأخصائيين في هذه الأبواب.
في الحقيقة إذا كان هذا الكلام يعم جميع الناس، فإن المسئولية على الملتزمين مضاعفة، فموضوع التكيف مع الواقع أو مع البيئة من حولنا مهم جداً، والناس الذين لا تهمهم معاناة أبنائهم لا يعانون كثيراً، ولكن الإخوة الذين يريدون أن يحافظوا على دينهم وعلى ذريتهم في عصر الغربة الثانية تتضاعف عليهم المسئولية؛ لأنك ستحارب بمجرد خروجك من البيت إلى الشارع، وفي كل مكان تذهب إليه، فما بالك بالطفل أو الصبي أو الشاب الغض الطري الذي يواجه المتناقضات حيثما حل، ويواجه الغربة، فأنت مع الوقت أصبح عندك مناعة من التأثر بالنقد والألفاظ المؤثرة كالمتطرفين والإرهابيين وكذا وكذا، أما هذا الطفل فيحتاج بلا شك إلى عناية خاصة كي يمر بسلام إلى شاطئ الالتزام الحقيقي بالدين، فنحن نواجه كما قلت: صعوبات كثيرة في الواقع، أما الدارسات التربوية والمنهج التربوي فإن الكلام كله أكاديمي لأناس متخصصين، فلا نستطيع أن نتعامل معه. |
|
|
|
|
هذه مشكلة أخرى، وهي أن الآباء يشتغلون بالكسب الحلال للقمة العيش، وبالتالي لا يؤدون أي واجب تربوي، والأم قد تعمل وتهمل أولادها، وكلا الأبوين أو أحدهما جاهل تماماً بأصول التربية، وفاقد الشيء لا يعطيه.
وأخطر هذه العقبات وجود اتجاهات شتى تتنازع تربية الطفل وتربيه تربية مباينة، وكل ما تبنيه أنت يهدمه الآلاف، ثم نعاتب أنفسنا حينما يشب الأولاد غير ملتزمين، ونريد أن نقهرهم قهراً على الالتزام، ونحن لم نلتفت للخطورة من البداية.
ولو أنك بدأت بداية صحيحة، وكنت يقظاً وراعياً، فإن هذا إن شاء الله تعالى يكون سبباً لسلامة ابنك من الافتتان بهذه الفتن من حوله، لكن أنت لا تؤدي أي دور، بل ربما تحطم هذا الولد بمسالك خاطئة، ثم بعد ذلك تريد منه أن يصمد! كيف يصمد وأنت لم تبذل له ما يقيه ويحميه من هذه التربية الموازية التي هي أشد تأثيراً فيه من تأثيرك أنت؟ سواء الإعلام الفاسد، أو الأقارب وغير ذلك مما يوجد تعارضاً بين تربية الأبوين وتربية الإعلام مثلاً. |
|
|
|
|
الصراع الذي يحس به هذا الإنسان؛ صراع في البيت، مع أن المفروض أن جميع المؤسسات التربوية في الدول المحترمة تكون وحدة متكاملة، كالمدرسة مع البيت، وفي البيت نفسه لابد من سياسة تربوية موحدة بين الأبوين، فلا يظهران الخلاف أمام الأولاد، ولا التناقض في التربية.
فالواقع أننا نرى كل محضن يسير في طريق معاكس للآخر؛ فالمدرسة بمناهجها الفاسدة المدمرة في طريق، والعلوم الإسلامية في طريق، والإعلام في طريق الشهوات، والتعليم في طريق الشبهات، والأبوان لا توجد عندهما سياسة تربوية متفق عليها، بل قد نجد أن الأب يتعارض مع الأم، الأم تقول: افعل، والأب يقول: لا تفعل، ويتشاجران أمام الولد، ويصير محتاراً في هذه الرسائل المزدوجة، ثم إن الأم نفسها قد تقول له عن شيء: هذا غلط، ثم في وقت آخر تمارسه هي، فأصبح نفس المربي يعطي رسائل متضادة وقدوة متناقضة تحير هذا الابن.
في المدرسة أيضاً ما بين المناهج المدمرة والفاسدة، وما بين هيئة التدريس؛ فيوجد تقصير شديد عند كثير من المدرسين من ناحية الاهتمام بالنواحي التربوية، ويكفي أن أذكر مثلاً عابراً لذلك: مراقب في لجنة امتحان الثانوية العامة يغشش الأولاد ويقول لهم: أنا سأقفل لكم الباب، لتتعاونوا مع بعض، وسوف أنبهكم عند حضور أحد، فهذا في حد ذاته نموذج مدمر للسلوك.
ثم أيضاً التناقض بين ما توجهه أنت إن كنت توجهه وبين الأصدقاء في الشارع أو النادي أو المدرسة، وهؤلاء يكونون أشد تأثيراً عليه منك، ويتلقن منهم أكثر مما يتلقن منك أنت والمجتمع ككل، فلا شك أن الصراع الذي نعيش فيه يولد كثيراً من الإحباط إذا لم نتخذ معه نوعاً من التوعية والفهم، وكيف نتكيف تكيفاً صحيحاً يحفظ لنا ديننا، ويجعل الأولاد يقتنعون بالرسالة التي نحملها كي يحملوها هم من بعدنا؟
إن لم ندرس هذا الأمر ونتعامل معه بطريقة علمية، فبلا شك أن هذا الصبي أو هذا الشاب يكون أضعف بكثير من أن يصمد أمام هذه التيارات كلها. |
|
|
|
|
|
|
|
البيت هو أخطر مؤسسة تربوية على الإطلاق، صحيح أن الكل يدمر، لكن تربية البيت هي أخطر ما تكون؛ للأسباب التي أشرنا إليها من قبل.
أكبر الأخطاء التي نرتكبها مع أولادنا وأطفالنا تنشأ عن شيء مهم جداً، وهو أننا ننظر إلى الأولاد ونعاملهم ونحاكمهم بعقليتنا نحن.
وهذا التصور ينتج عنه كثير من الأخطار، منها أننا نكلفه بشيء فوق طاقته، والصواب أن نعامل ونحاسب هذا الطفل على تصرفاته بعقليته هو، ونراعي أنه ينمو كما كنت أنت تماماً في سنه.
مثلاً: الولد في سن معينة يكون له خيال واسع جداً، فيقول لك: أخي رقبته طارت، وطلعت الرأس ونزلت، والتحمت ثانية في الجسم.
هذه عبارة عن خيال واسع وليست كذباً، فلا تقل: إنه يكذب، وهو لا يتعمد هذا؛ بل هو نوع من الخيال الواسع، كما سنفصل إن شاء الله تعالى فيما بعد.
مثلاً: طفل نشاطه زائد عن المعتاد بصورة ملفتة للنظر، لا تقل: هذا الطفل قليل الأدب، أو أهله لم يربوه، بل عليك أن تعلم أن هذا يلفت النظر إلى أنه يحتاج إلى إرشاد وتوجيه للأبوين للبحث وراء أسباب هذه الظاهرة، أما الولد فليس له ذنب، وإنما هو ضحية لمسالك غير صحيحة من الأبوين، فلا تعاتب الأبوين ولا تعاتب الطفل، واحمد الله على أن عافاك، لأن هذا البلاء قد يأتيك أنت، ففي هذه الحالة لا تقل: هذا قليل أدب.. بل هو يتفاعل مع ظروف معينة تواجد فيها بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب.
من هذه الأشياء: كل كلمة تتكلم بها مع الطفل، فأنت تطبع فيه انطباعاً معيناً، سواء شعرت أم لم تشعر، فأحياناً نكون نحن من نمسك الفئوس ونحطم بها أولادنا، وكما قلت: السنوات الأولى بالذات يكتسب فيها الانطباع الذي يبقى معه -والله تعالى أعلم- إلى ما شاء الله، وإلى أن يكبر ويصير رجلاً. |
|
|
|
|
|
|
ذكر بعض الباحثين في هذا المجال مثالاً فقال: ولد تصطحبه أمه في سوبر ماركت أو محل البقالة، ويسلك سلوكاً غير صحيح بطريقة معينة، أو يصرخ أو يعمل أي نوع من السلوك الغير مرضي، فتقول له أمه: إذا لم تتوقف عن ذلك سوف أتركك.
وفي موقف آخر: ولد أمه عملت له شيئاً أعجبه (كيكة)، ثم أكلها كلها، فتقول له: من المفروض أن تخجل من نفسك لهذه الفعلة!
في الحالة الأولى أو الثانية كلاهما تريد السيطرة على سلوك الولد وتقويمه وتهذيبه، وهي تظن أنها تؤدي رسالة التوجيه والتربية، لكنهما قد أحدثا جرحاً نفسياً لم تكن آلته السكين ولا الموس، وإنما كانت الكلمات.
الكلمات التي نتواصل ونتعامل بها مع الأولاد حرجة إلى أقصى حد، وذات تأثير بالغ على نظرته إلى نفسه وثقته بها، وعلى صحته العاطفية، وقوته الشخصية، فهناك رابطة لا يمكن أن ننكرها بين الكلمات التي نستعملها مع الأولاد وبين المواقف والنواتج التي تحدثها تلك الكلمات في حياتهم، فالكلمة قد تدعمه وتقويه، وقد تحطمه وتجرحه.. قد تربيه، وقد تشعره بالعار.. قد تشجعه، وقد تثبطه.. قد ترفعه، وقد تضعه.. فلا يوجد أب على الإطلاق يستيقظ الصباح، ثم يفكر كيف يتآمر على أولاده: كيف أستطيع أن أحطم نفسية ابني، وأطيح بثقته أرضاً، وأجعله يشعر بالتبعية لي والاعتماد علي، وأفقده القدرة على ضبط نفسه. لا يمكن أن يقصد ذلك أب أو يسعى له مسبقاً، وإنما يفعله بعض الآباء غالباً وبدون قصد؛ لأنهم لا يفهمون الانطباع الكلي الذي تطبعه كلماتهم في أبنائهم. |
|
|
|
المثال الأول: إذا لم تتوقف عن هذا الضجيج سوف أمضي وأتركك هنا. هذه كلمة عابرة جداً. أما التخويف بالغيلان والجن فهذا كلام الآباء الإرهابيين.
والطفل الصغير أخوف ما يخافه، وأسوأ شيء يؤثر على نفسيته: أن يترك وحيداً غير آمن، وإحساس الطفل بالأمان ليس محل نقاش، فالمصيبة التي يفعلها بعض الآباء الجهلة: أنه يطرد الولد من البيت، وهذا شيء عجيب جداً، والمصيبة الأكبر: أنه لم يطرده بسبب سرقة أو كذا أو كذا، وإنما يهدد ابنه بالطرد من البيت، أو بأنه سوف يطلق أمه أو غير هذه المسالك المدمرة؛ من أجل أن يفرض رأيه عليه، ولما كان فاسداً وغير ملتزم ما كان يبالي بما يفعل من صلاح أو فساد، لكن لما التزم بدين الله سبحانه وتعالى إذا به تأتيه هذه الأشياء.
الشاهد: أن تهديد الطفل بالعزف على وتر: سوف أتركك وأذهب، يعتبر وسيلة للتلاعب بهذا الطفل، ودفعه إلى السلوك الذي نحن نريده بهذه الطريقة نية حسنة، لكن الوسيلة التي وصلنا إليها تدل على أن هذا الأب في غاية الجهل والأذية لابنه.
ما البديل؟ نحن نريد أن يقوم سلوكه، لا تقل له: يا فلان إذا أصررت على هذا السلوك فسأتركك، ولكن قل له: إذا أصررت فسوف نعود إلى البيت، لكن إذا اخترت أنك تتكلم بصورة سليمة وطبيعية سنبقى هنا، ونكمل الشراء، وأنت الذي تقرر! هذا هو المسلك الصحيح.
والفرق بينهما: أن الطريقة الأولى تدمره؛ لأنها تشعره بعدم الأمان، لكن السلوك الصحيح هو أن تناديه باسمه: يا فلان! إذا أصررت على هذا التصرف سنرجع إلى البيت كلنا، ولكن إن تراجعت عن هذا فلن نرجع، وسنكمل شراء الحاجيات. فبهذه الطريقة أنت تقوده إلى الاختيار، ولأنه يريد الشوكلاته واللعبة سوف ينصاع لكلامك.
بديل آخر: أن تتوقف وتستريح؛ لأن ربما كل واحد منكم يحتاج إلى هذه الراحة. |
|
|
|
|
المثال الثاني: الولد أخطأ وأتى ليعترف، فتقول له: أنت المفروض تخجل من نفسك، وأيضاً أتيت لتخبرني. فهذه النوعية من الكلام تخلق فيه الشعور بالذنب؛ لأنك تظن أنه لم يشعر بالذنب وسيخجل ويتوقف عن هذا السلوك.
صحيح هذا المسلك قد ينفذ لنا الغاية التي نريدها، وهي إشعاره بالذنب حتى لا يكرر هذا السلوك، ولكن الذي يدفع الثمن هو أنه تترسخ فيه اعتقادات جوهرية تزرع في نفسه عن طريق هذه الكلمة: (المفروض تخجل من نفسك!) فأنت تزرع فيه أن يقول: أنا مخطئ، وغير كفؤ، وعاجز، ولا أقدر أن أقوم بأي شيء بنجاح، وكل من تربى بهذه الطريقة يقول لك: لا أقدر أن أعمل، ودائماً يهرب من أن يتحمل المسئولية، ويحكم على نفسه مسبقاً بالفشل؛ لأنه تعود على أن يعامل بأنه غير كفؤ، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً؛ لأننا عاملناه بالسلوك الذي يشعره بالذنب؛ فإذا شعر بالخجل فسوف يجلب له ذلك مزيداً من الخجل، فإذا حصل له مزيد من الخجل فمعناه أنه فاشل أكثر، ويعجز عن أداء المهام، فيظل في دائرة مضطربة لا تتوقف. |
|
|
|
|
المثال الثالث: كلمة عادية جداً ممكن أن تقولها الأم الجاهلة أمام الصديقات أو القريبات في المجالس النسائية المعروفة: هذا الولد حاولت جهدي أن لا يأتي ولكن قدر الله له أن يولد!
هي تتلكم بهذا في مجلس دردشة، ولا تدري مدى خطر هذه الكلمة على نفسية طفلها؛ فهو يظن أنه زيادة غير مرغوبة، وأن أمه حاولت بكل وسيلة أن تتخلص من إنجابه، ولكن فشلت كل المحاولات في التخلص منه.
الأم لا تعلم أنها تزرع فيه مفاهيم خطيرة، مثلاً: أنت بالذات كنا غير راغبين فيك على الإطلاق، ما كنا نريدك بصورة أو بأخرى، وكأنها تقول لهذا الولد: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما أنجبتك!
هذه الجمل لا يمكن أن تغتفر في العملية التربوية، حتى لو كان الطفل ما عمل أي شيء، أو رفع صوته، أو تكلم بطريقة غير صحيحة؛ فإن هذه ردود الأفعال الأبوية غير مناسبة بالكلية؛ لأن من المهم جداً بالنسبة للطفل أن نتقبله كما هو، لا تقل له: كنا نريد بنتاً بدلاً عنك، معنى هذا: أن مجيئه كان ضد رغبتكم، وأنكم كارهون لوجوده. وهذا التصرف في غاية الخطورة على نفسية الطفل، ولابد من الرضا بقضاء الله، والرضا باختيار الله سبحانه وتعالى، ولا يخفى ما بين الاثنين من البعد.
عبارة أخرى من ضمن هذه العبارات: أن تخاطب الأم الولد: إننا سوف ننفصل وأنت السبب في ذلك! أي: إن أباه سوف يطلق أمه بسببه، وفي الواقع أن الطفل لن يكون هو السبب، ولا يمكن أن نتوقع أن الطفل يتحمل مثل هذه الكلمة، وحتى لو نفينا عنه تماماً أنه السبب فإنه قد يشك في ذلك! |
|
|
|
|
المثال الرابع: المقارنة بين الأطفال: يا ابني أخوك جيد، وأنت لا تريد أن تكون مثله، لم لا تعمل مثل أخوك، أو مثل أختك؟
فعملية: (لماذا لا تكون مثل أخيك؟ لماذا لا تكوني مثل أختك؟) هذه المقارنة خطيرة جداً، فحينما يعقد الوالدان مقارنة لفظية بين الأشقاء معنى ذلك أن هناك أفعال تفضيل، وأنه يوجد مفضل ومفضل عليه، فالمفضل عليه لا شك أنه سيبدو أنه ناقص، وأنه دون أخيه!
فهذه كلمات نقولها لكنها رسالة تترسخ في أعماقه، رسالة ترسلها إليه مضمونها: أنت مهمل. وذلك إن كنت تمدح الثاني بأنه منظم. أخوك ذكي وأنت غبي. أخوك أدق منك أو غير ذلك من الصفات، فهذه الرسائل تستقر داخل نفسه كعقيدة أساسية، وتساهم في إنشاء سلوك غير مرغوب به في المستقبل.
وبعض الناس الجهلة يعقدون مقارنة بين الأخوة مواجهة: أنت ما لك شكلك هكذا وأختك هكذا، أوليست أمكم واحدة؟
وأنا أعتذر من النساء الجاهلات؛ لأن هذه الكلمة ستسمعها الطفلة أو سيسمعها الولد عشرات المرات ما دام الجاهلات كثيرات، والأطفال سوف يشعرون بعدها بالضعف والنقص.
فإذاً: ينبغي أن يكون عندنا وعي، وألا نقع في هذه المقارنات، خاصة وأن الأطفال يكون بينهم تنافس، فلا شك أن هذا الكلام سوف يزيد روح التنافس والخصام بين الأشقاء، وسيزيد نسبة التشاحن بالنسبة للوالدين، فالمقارنة تدمر العلاقة بين الأشقاء عن طريق تغذية مشاعر الانتقام بين هؤلاء الأولاد، وهذه فيما بعد قد تولد قطيعة الرحم وغير ذلك من هذه الأشياء.
إذاً: ما البديل؟
البديل أن تقبل كل واحد بشخصيته، والله سبحانه وتعالى يميزه بميزة غير موجودة في الثاني، فأنت تسلط الضوء على الميزة التي أعطاه الله إياها: فلان صوته جميل في القرآن، فلان خطه حسن، فلان شكله كذا. وهكذا، فتركز على الصفة الإيجابية في هذا الابن وتقبل شخصيته كما هي، فإن كل شخص له مواضع قوة خاصة به، وله إمكانات واحتياجات، فلابد أن نساعد الأبناء على أن يشاهدوا جمال تلك الصفات التي ميزهم الله سبحانه وتعالى بها، عن طريق التركيز على كل واحدة على حدة بدون عقد مقارنات بينهم. |
|
|
|
|
المثال الخامس: الأهل سيذهبون في نزهة، والولد يلبس حذاءه ويتعارك هو والرباط، ويقعد في الأرض، ويأخذ وقتاً كبيراً وهم مستعجلون، فيقول له أحد الأبوين: تعال أنا سأربطها لك هذه المرة.
هذه عبارات نقولها دون أن نشعر بأنها تزرع العجز في نفسية الأولاد، فلا تحاول ذلك في شيء يستطيع الطفل فعله، ستأتي فترة من الفترات يزرع الله سبحانه وتعالى فيها في هذا الطفل محاولة أن يستقل بعمله، وذلك يبدأ في أواخر السنة الثانية، فهو يحاول أن ينمو، ولابد أن يتمرن ويخطئ، فمثلاً يريد أن يأكل بالملعقة بنفسه، أو يشرب من الكوب بنفسه، وأنت تقول له: ستتسخ ثيابك، أو سيقع الكوب على الأرض. وهذا إحباط له؛ لأن الفطرة تكلفه أن يتمرن على الاعتماد على نفسه في أداء بعض الوظائف، فيتحمل الخسارة بأن تتقذر ثيابه، أو يقع على الأرض بعض الرز أو العصير؛ لأن هذا له فائدة كبيرة ستحصل بأن ينمو، ولابد له لكي ينجز هذه المهام أن يتمرن عليها بنفسه في الأول بالمساعدة، ثم بعد ذلك يستقل بها، فتنمي فيه هذه النزعة الاستقلالية ولا تشعره بالعجز، واتركه ما دام يحرص على هذه الاستقلالية، ولا تعطه ما يكون سبباً في تخاذله، وفي أن ينظر إلى نفسه دائماً على أنه عاجز وغير قادر وضعيف.
فإذا قلت: بأنك سوف تعمل له الوظيفة التي من المفروض أن يعملها هو مثل لبس الحذاء مرة أو مرتين، فقد اتبعت نموذج التعجيز، ولو ساعدته مرة ثالثة فقد أوجبت هذه الكوابيس الجديدة؛ لأنه سيتعود الاعتماد عليك في هذا الموضوع إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى.
من هذه العبارات الخطيرة: أنه عندما يتناقش مع أمه أو أبيه، قد يسأل عن السبب فيكون الرد: لأن هذا ما قلته لك!
فهذه ألفاظ تقال ببساطة لكنها رسالة للطفل، مضمونها: أنا كبير وأنت صغير، أنا ذكي وأنت بليد، أنا قوي وأنت عاجز، وظيفتي أن آمرك ووظيفتك أن تطيع وتنفذ، وهذا ينشئ عند الطفل استياء وصراعاً داخلياً.
وبدلاً عن هذا عامله بطريقة فيها نوع احترام لشخصيته؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان جالساً وبجواره طفل صغير، فشرب وكان الطفل على يمينه، وكان في المجلس أشياخ كبار من أصحابه، فاحترم الرسول صلى الله عليه وسلم حق هذا الطفل وعامله باحترام، وقال: (لو تأذن لي أن أعطي الكبار؟ فقال له: لا أوثر بحظي منك أحداً)؛ لأن الصحابة كانوا يتبركون بشرب سؤر النبي عليه الصلاة والسلام.
وكذلك كانت معاملته بالاحترام عندما كان يقابل الأطفال ويسلم عليهم، وكان الطفل يأخذه ويمشي به حتى يقضي حاجته.
فالشاهد: عامل طفلك باحترام، ولا تعوده على أن يهان، وأن تهدر كرامته.
خلاصة الكلام: أن اللغة لها تأثير كبير جداً، والكلمات التي ننتقيها في التعامل مع الابن لابد أن تكون بناءة لا هدامة، مثلاً: موضوع ثقته بنفسه لا تقل له: طول عمرك خائف. أنت لا فائدة منك. ولن تتغير. لأن هذا كله تحطيم، وليست هذه وظيفة الأب؛ لأن هذا يدمر ابنه ويفقده ثقته بنفسه، ويزرع فيه الفشل والعجز والهوان. |
|
|
|
|
|
|
|
نمر مروراً سريعاً على بعض الأخطاء التي تشيع لنختم بها الكلام.
الإرضاع: الأم التي تتعامل بآلية وميكانيكية مع عملية الإرضاع، فلا تضم الطفل إليها ولا تربت عليه ولا كذا وكذا، والله سبحانه وتعالى قد فطر الأم على أن تعطي وجبة الحب والحنان مع وجبة الطعام للطفل. |
|
|
|
|
|
أمر مهم جداً ينبغي الحذر منه في التعامل مع الأطفال، يقول: لو عملت كذا لن أحبك. وهذا أخطر ما يكون، لأن موضوع الحب مما ينبغي أن يكون فيه تأمين؛ لأن الطفل يصبح عنده شعور بالأمان عندما يشعر أن أباه وأمه يحبانه لا لشيء إلا لأنه ابنهما، فلابد من تأمين الشعور بالحب، ولا تستعمل الحب أبداً للتهديد.
لذلك نجد أن الطفل يخاف جداً على موضوع الحب، فإذا وجدك غضبان -حتى ولو من أمر آخر- يقول لك: هل تحبني؟ لأنه ينزعج عندما يرى غضبك ويخاف ويشفق أن يؤثر ذلك على حبك له؛ لأن الحب كالأمان بالضبط، والإحساس بالأمان شيء أساسي في الأسرة.
ومن ذلك طرد الولد من البيت، أو تهديده بالطرد من البيت، طفل صغير يبلغ من العمر سنوات معدودات يطرد من البيت، فيلتقطه في الشارع أصحاب المخدرات، أو يتعرض لحادثة مثلاً. فهذا أمر في غاية الخطورة، والطرد غير وارد على الإطلاق، ولا ينبغي أن يذكر أبداً.
كذلك موضوع الحب يقول عنه الدكتور محمد كمال الشريف : لاحظ العلماء أن بعض الأطفال يعيشون في قلق دائم، نتيجة إحساسهم أن والديهم لا يحبونهم إلا إذا كانوا متفوقين في دراستهم ومطيعين ومهذبين، فصار الطفل يحرص على المثابرة في المدرسة، وعلى تنفيذ أوامر والديه، خشية أن يفقد حبهما، وهما بالنسبة له كل شيء، وكيف له أن يعيش دون حبهما؟
الوضع الصحيح المتوازن هو: أن نفصل بين الحب وبين التأديب للأطفال، فلا نعاقبهم إن أخطئوا بتهديدهم بأننا لن نحبهم بعد الآن، أو بسحب حبنا لهم فعلاً، بل نعاقبهم إن هم أخطئوا، ونطمئنهم في الوقت نفسه إلى أننا ما زلنا نحبهم، وإن كنا سنحبهم أكثر لو كانوا مستقيمين مهذبين، وأننا لا نكرههم الآن إنما نحن غير راضين عما فعلوا.
فلابد أن نشعر الأطفال أن التأديب هو مظهر من مظاهر الاهتمام بهم، وليس مظهراً للكراهية، أو لأنهم خيبوا آمالنا، وتسببوا لنا في الإحباط.
فهذا أيضاً أمر مهم جداً، وهو عدم استعمال سلاح الحب لتهديد الأطفال، يعني: لا تقل له: أنا لن أحبك إذا عملت كذا، لكن قل: أنا أحبك لكن لا أحب هذا التصرف. |
|
|
|
|
من هذه المظاهر والسلوكيات التي نعملها ولا نلتفت إلى أنها تصنع المشاكل: موضوع الخوف أو الرعب: فالأم مثلاً رأت صرصوراً فقامت تصرخ وتصعد فوق السرير أو فوق الكراسي وتجمع الناس؛ لأنها رأته! هذا نموذج عملي، والطفل إنما يتعلم منها الخوف مما تخاف هي منه.
مثلاً أول ما يقترب من النار ننادي عليه بسرعة: انتبه سوف تحرقك، فإذاً: يتعلم أن يخاف من النار، لكن أن يرى الحشرة ويرى أمه تفزع منها هذا الفزع، فهذه حالة غير مرضية -والله المستعان- فموضوع الخوف من الحشرات بهذه الطريقة الفظيعة ستنتقل تلقائياً إلى الطفل، ويقلد نفس هذا المسلك، فالمفروض أن هذه الأم تحتاج إلى علاج.
ومن الخوف المبالغ فيه: الظلام، أو التخويف من الظلمة، سوف أتركك في الغرفة، سأحبسك في الغرفة المظلمة التي فيها الفئران، والتي فيها كذا، كما يصنع في بعض المدارس أحياناً للأسف، أو الغول، أو أن الأم تحكي للطفل قبل النوم قصة مرعبة لكي تخوفه وينام، أو تهدده بالوحوش أو الغول، فهذا أمر مهم جداً، موضوع الخوف يجب أن تعالج الأم منه لكي لا ينعكس على الأطفال. |
|
|
|
|
أيضاً هذه مشكلة شائعة، وعندما تبدأ تدرس حالة نفسية لرجل كبير تقول له: كيف تم الفطام؟ لأن موضوع الفطام الشائع الآن في مجتمعنا للأسف الشديد يجري بطريقة مؤلمة.
الفطام باختصار شديد لا يبدأ بعد سنة أو سنتين، لكن يبدأ منذ الشهور الأولى من الإرضاع، بمعنى أنه لابد أن يكون بطريقة متدرجة، فتبدأ الأم تعطيه بجانب الرضاع الطبيعي وجبات معينة معروفة بطريقة معينة تدريجية، بحيث إنه وقت الفطام يكون قد قل عدد مرات الرضاع، وفي نفس الوقت يستغني عن الرضاع الطبيعي، ولا تشكل له مشكلة حياته، لكن المصيبة كلها في الفطام المفاجئ، وهذه تسبب أزمة نفسية حادة بالنسبة للطفل، وتعتبر إساءة بالغة للطفل، والأشد إساءة من ذلك: الطريقة الوحشية التي يستعملها البعض حينما يضعون نبات الصبار البالغ المرارة في الموضع الذي يرضع منه، لكي يصطدم الصبي صدمة نفسية قاسية تمنعه من أن يرضع لأنه سيكره هذا الفعل، وهذا تصرف بدائي ومتخلف وفي غاية الأذية للطفل، يسبب له صدمة شديدة، والطفل ينفعل بهذه الأشياء، ولا أريد أن أطيل في هذه القضية حتى لا نخرج عن الموضوع.
الفطام النفسي من المفروض أن يحصل للكبار؛ وهذه أيضاً من المشاكل، فالأب والأم لابد أن يحذرا من النظرة الدائمة إلى الطفل على أنه صغير، وهذه نظرة خطيرة كنا نستخدمها في المجتمع من غير أن نلتفت إلى ضررها؛ فمن رأى طفلاً في الابتدائي أو قبل الابتدائي تظل تلك الصورة مرتسمة في ذهنه فلا يريد أن يعترف بأنه الآن قد صار رجلاً، ودائماً يصطحب هذه الصورة ولا يريد أن يلغيها من مخيلته، فلابد من الحذر من هذا الطفل، كان رضيعاً ثم ها هو شاب قوي يافع، فلا ينبغي أن تعامله على أنه طفل، وهذه مشكلة توجد في كثير من التعاملات الخاصة بين الوالدين، وبالتالي هذه أذية له؛ لأنهم لا يساعدونه على النمو الطبيعي حيث الشعور بالمسئولية والاستقلال.
فالفطام النفسي بمعنى: أنه لا يحصل له الاستقلال الوجداني عن الآخرين، ويشعر أنه أسير لإرادة الأبوين، فلا يستطيع أن يوجه عواطفه، أو يأخذ قراراته، أو يستقل عن الآخرين، وهذه قد تكون أكثر ظهوراً مع الأم، حيث تحدث عملية اندماج وجداني وعاطفي يؤثر على الأولاد.
فعملية التعلق الشديد بالأولاد خاصة من جهة الأمهات، وكأنهم في سنة أولى في المدرسة، فتذهب معهم إلى لجنة الثانوية العامة، وتتابع الخطوات معهم، وتصحبهم من البيت إلى باب المدرسة، وتقف أمام باب المدرسة تبكي وكأن ابنها مازال طفلاً لا يمكنه أن يذهب بنفسه إلى الامتحان ويصمد في اللجنة. ما هذه الطفولة؟ ما هذه الحماية الزائدة؟
أصبح رجلاً ويدرس في الجامعة ولا زالت تمشي معه لكي توصله إلى اللجنة، ثم تقف حتى ينتهي. هذا سيؤثر على نفسية الشاب الذي دخل الامتحان.
أو مثلاً يريد أن يعبر الشارع فيأخذ بيده لكي يعبره، ويكون ابنه قد بلغ عشرين سنة أو أكثر. هذه حماية زائدة، وهذا خطأ في التربية، وهذا مما يعكس عدم الثقة به، ويمدد فترة الطفولة بالنسبة لهذا الشاب.
فالأم تظل علاقتها بالابن أو البنت وكأنه يرضع، هذا معنى الفطام النفسي، لا تريد أن تنفطم عنه وتعترف بأنه قد أصبح له كيان مستقل، وهذه تأخذ تفاصيل كثيرة، بالذات بعد ما يتزوج الابن وتحصل بعدها عملية الفطام النفسي، وتسبب له مشاكل كثيرة، مثلاً: التدخل في تفاصيل الحياة، وطلب تقرير مفصل عن كل تصرفات هذا الرضيع الذي لم يفطم حتى الآن فطاماً نفسياً، فالتدخل في أخص الخصوصيات، والتقارير مستمرة عن كل تصرفاته، ولا يزال التصرف هو نفسه جارياً وحتى الآن منذ كان طفلاً رضيعاً.
صورة أخرى من مظاهر انعدام الفطام النفسي: الإغداق على الابن بالأموال الطائلة في سبيل أن يرضيه، فهذا أيضاً من مظاهر التعلق المرضي.
ومن مظاهر عدم التمتع بالفطام النفسي عند الوالدين: أن هذا الحب الشديد لو انقلب لكراهية يأتي بأمور لا تحمد عقباها.
عدم الفطام النفسي بالنسبة للوالدين أو بالنسبة للولد نفسه يجعله يمشي بشخصية اعتمادية على الآخرين، ودائماً لا يقدر أن يتحمل مسئولية نفسه، وهذا غالباً ينتج عنه الفشل في الزواج؛ لأنه لم يصعد إلى مستوى الفطام النفسي، فهو لا يشعر أنه انفصل عن البيت الذي خرج منه، ويولد أيضاً مشاكل أخرى في العلاقة الزوجية تحصل نتيجة عدم الفطام النفسي.
ومن المظاهر: التوقف عن اتخاذ أي قرار لانعدامية الاستقلال الذهني أو الوجداني، لابد أن تكون نتيجة هذه التربية الخاطئة هكذا.
أيضاً: سهل جداً عليه أن ينخدع بالكبار؛ لأنه دائماً تعود الاعتماد عليهم، وألا يأخذ القرارات بدونهم؛ فالبتالي ممكن أن يسرق بسهولة من قبل النصابين والمحتالين وغيرهم.
خلاصة الكلام: أنه حتى يحرز الوالدان الفطام النفسي لابد أن يقفا على الفروق لمراحل العمر المختلفة، وكل مرحلة لها خصائصها، فينبغي أن يخف هذا التعلق كلما تقدم الابن في النمو، ويبدأ الأب والأم بنفسيهما فإذا انفطموا هم عن هذا الولد، فلابد أن يفهم هو أيضاً أن الحب الحقيقي للولد هو أن يصنع منه رجلاً يستطيع أن يأخذ قراراته ويتمتع بحرية الاختيار. |
|
|
|
|
|
|
|
هناك العديد من مظاهر الخلل في التربية لذا سنذكر بعضها فيما يتعلق بمعاملة الآباء للأبناء. |
|
|
|
|
|
اللعب بالنسبة لك أنت لعب، لكنه بالنسبة للطفل عمل، وهو أمر مهم جداً، وقد أصبح الآن علماً وفناً ووسيلة علاجية وتشخيصية.
فاللعب بالنسبة للطفل أمر مهم جداً، ويجب أن يتم بطريقة علمية مدروسة، إذ كل سن له أشياء تعلمه خبرات في الحياة والفكر والتفكير، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يأتي إلى عائشة وهي تلعب بالعرائس فيتركها تلعب بها؛ لأن هذه تربية مبكرة على فطرة الأمومة، ومن أجل ذلك رخص لهن في لعب البنات، وهذا موضوع سنفصله إن شاء الله فيما بعد. |
|
|
|
|
من الخلل أن تكلم الطفل الصغير، ويدور كل الكلام على أن الله إن عصيته سينتقم منك، ويقطع يديك، ويدخلك النار، والنار فيها ملائكة تعذب بكذا، وفيها كذا .. إلخ.
فهذا هو الإلحاح على الترهيب: أنت إذا كذبت ستدخل النار. وهذا غير صحيح؛ لأنه غير مكلف أصلاً: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم-: وعن الصبي حتى يحتلم).
إذاً: أنت تكذب عليه؛ فلا داعي للإلحاح على موضوع الترهيب بهذه الطريقة، وهو سيستوعبها بطرق أخرى، فإذا حضر معك في مجلس العلم أو الدرس أو قراءة كتاب، فسيعرف أن الذي يكذب عاقبته كذا وكذا، فلا تقل له: أنت ستدخل النار أو ربنا سيعذبك، بل اجعل التركيز على حب الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى جدير بأن يحب لاتصافه بصفات الكمال والجلال والجمال ولما يغدقه علينا من النعم، وهكذا؛ لأن الطفل لو عمل عملاً صالحاً بنية فإنه يثاب عليه، لكن إذا عمل المخالفات لا يعاقب عليها. |
|
|
|
|
يقسو بعض الآباء قسوة صارمة وشديدة، ومن الأمهات من تسخن ملعقة وتعاقب الطفل بالإحراق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو يضرب الأب مثلاً ابنه حتى يصيبه العمى، فيكون هذا الطفل حاقداً عنيداً طول عمره، لأنه تسبب في عماه، أو يضرب ابنه حتى يبتر يديه بعد أن يربطهما بحبل شديد. كل مشاكلنا تبدأ حينما نجعل عقولنا مثل عقول الأطفال.
عليك أن تعلم أنه طفل وأنت رجل عاقل، وما أحسن العبارة التي عنون بها أحد الأخصائيين الصينيين في كتاب اسمه: (طفلك ليس أنت)، فلابد أن تراعي التفاوت في العقل بينك وبين هذا الطفل.
والراجح أن الضرب عقوبة للتأديب؛ فهو دواء، ولهذا الدواء شروط؛ إذ معنى الدواء: ما كان سيأتي بالنتيجة المطلوبة.
وأكثر الآباء ينظر للضرب على أنه وسيلة لتفريغ شحنة الغضب المتراكمة في قلبه، فيستمر في الضرب حتى يخرج كل ما بداخله من شحنة الغضب، وهذا عدوان صارخ على حرمة الطفل.
إن قيام الأب القوي المتين بأن يضرب طفلاً غضاً طرياً حتى يكسر عظمه، ثم يذهب به إلى المستشفى للعلاج، يعد من الوحشية؟ ثم يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اضربوهم لكذا وكذا.
والضرب حتى وإن كان مشروعاً؛ لكن لابد أن نفهم أن الضرب ليس مقصوداً به الانتقام من الطفل، بل تأديبه والإحسان إليه، وليس المقصود منه تفريغ شحنة الغضب حتى لا يتوقف الضرب إلا بعد فراغها، فالأب الذي يفعل هذا ظالم معتدٍ، مخالف للشرع الشريف.
فالضرب وسيلة تأديبية بشروطها. |
|
|
|
|
|
|
هناك التربية بالثواب والتربية بالعقاب، أو التأديب بالعقاب، ولكي نختصر ذلك نقول:
إن الإنسان عندما يكافئ الولد على شيء حسن لابد أن تكون المكافأة في الحال وليست مؤجلة.
كذلك العقوبة: إذا أخطأ فلابد أن تكون هناك عقوبة فورية ولا تكون مؤجلة. |
|
|
|
|
|
|
|
أمر آخر من الأمور التي نريد أن نلفت النظر إليها: تشاجر الوالدين أمام الأطفال، لا يجوز أبداً ولا ينبغي أن يختصم الأب والأم أمام الأولاد مهما كان الداعي، فلا من التوفيق وتوحيد السياسة التربوية بين الأب والأم، لأن الأطفال قد يفسدون بسبب التصادم التربوي.
بعض الآباء يحزبون الأولاد في البيت، فهذا تبع الأم وهذا تبع الأب، والولد يلعب على الحبلين. هذا تدمير للأولاد، ولو أن هذين الأبوين عاقلان لما أظهرا أي اختلاف أمام الأبناء، فعلى الأم أن تعطي الأب مكانة لها احترام، وتحافظ على هيبة الأب، ولا تعمل أي تصرف فيه خدش لهذه الهيبة، وتخوفهم بأبيهم: إذا فعلت كذا سأخبر أباك بما صنعت.
والكثير من المشكلات والأمراض النفسية تنشأ بسبب الأم المسترجلة التي تريد أن تفرض كلمتها، ولا تريد أن تخضع لزوجها أبداً، فهذه الأم المسترجلة تشقى ويشقى أولادها.
ويعتبر الغرب تشاجر الأبوين أمام الطفل نوعاً من الإساءة تستدعي القبض عليهما، وإيداعهما في المصحة النفسية للتأديب والتهذيب والإصلاح الحقيقي، وإذا تكرر هذا السلوك أخذ منهما الطفل ليربى في مؤسسة تابعة للدولة ليصبح ابن الدولة.
انظر كيف انتبهوا إلى هذا الموضوع، حتى وصل بهم الأمر إلى اعتبار أن رفع صوت الأبوين أمام الطفل يعتبر انتهاكاً لحق الطفل في الاستقرار النفسي.
الصراع بين الأبوين في غاية الخطورة على الطفل، وإياكم أن تظنوا أن الطفل لا يدرك، بل هو يدرك جيداً كل ما يحصل ويترجمه ويختزنه، ويهدد شعوره بالاستقرار، ولذلك يقول علماء النفس: إن الطفل الذي تطلق أمه وتنفصل عن أبيه حالته أقل تعرضاً للخطر من الطفل الذي يعيش مع الأبوين وهما في حالة شجار دائم؛ لأنه في حالة الطلاق سيصطدم مرة واحدة، ويتكيف بعد ذلك مع الحياة الجديدة، لكنه في الحالة الأخرى لن يشعر بوجود الاستقرار ولا بسلام نفسي.
يقول الدكتور محمد خليل موضحاً لهذه الجزئية: والطفل يترجم ما يدور حوله ترجمة صادقة دون تحريف أو تزييف، وقد يخطئ الآباء والأمهات في تقدير سلوكيات الطفل لصغر سنه، فلا يتورعون عن النقاش الحاد والجدل ورفع الصوت أثناء مناقشة مشاكلهم، وغاب عنهم أن هذا كله يصل إلى الطفل بمفهوم عاطفي، ويترجم النقاش والجدل والحدة عندما تصل إلى سمعه على أنها رياح قطيعة أو بذور خلاف، ويتأكد ذلك لو أحس ببرود العلاقة بين أبيه وأمه.
أي أن هذه المشاعر تصل إلى الطفل بشفرتها العاطفية النفسية، خصوصاً إذا صاحب ذلك اختلاف واضح في معاملة الأم، أو قلة اهتمامها بالأب، أو انصرافها عنه، حتى لو كان ذلك بتغير في نبرات صوتها أو في حرارة حديثها، فهذه التغيرات قد لا تشعر بها الأم، ولكن الطفل يقيسها بترمومتر عاطفي حساس لا يخطئ، فيطوي نفسه على الألم والحسرة، وتقل اهتماماته، ويفقد شهيته، وقد يلفظ ما في جوفه تعبيراً عن رفضه لما حدث.
فإذا تكررت المواقف فإن الأعراض تنتهي إلى الأسوأ، فربما تصل إلى الانطواء والخجل والتردد والتلعثم أو التبول اللاإداري؛ إنها رموز مرضية توضح تأثر الطفل بالخلافات لو استمرت بين الأزواج، وكأن الطفل بما يحدث له من أعراض يقول بمفهومه العاطفي النفسي: لا للخصام بين الأزواج.. لا للقطيعة بينهم.
فإذاً لابد أن يكون هناك اتفاق على سياسية تربوية بين الأبوين، فإن كانوا سيختلفون فبصوت منخفض لا يسمعه الأطفال، أو في مكان منعزل، ولا يوجد تعارض في الأوامر بين الأب والأم.
وكما أشرت إلى موضوع تحزيب الأولاد إذا كبروا قليلاً، حيث تبدأ الأم بذلك، فهذا لا ينبغي حتى لو انفصل الأبوان، لأن من المفروض ألا تحدث إثارة حقد في نفس الطفل على أبيه، ولا ينبغي إدخال الطفل في صراعات بين الأبوين، ولا أن تتعمد الأم هدم احترام الأب أمام الأولاد، ففي غيابه مثلاً تسخر منه، أو تجرئهم عليه. هذا كله تحطيم للأولاد أنفسهم قبل أن يكون تحطيماً لغيرهم. |
|
|
|
|
|
|
الجهل بصحة الطفل، والمحافظة عليه من الأخطار التي تنشأ نتيجة الجهل، وقد تمس العقيدة أحياناً.
أعني أن الطفل عندما يصاب بالتهاب الغدد يأتون بصليب، ويضعون عليه الرماد الأسود حتى يشفى والعياذ بالله.
وهذا التصرف في غاية الخطورة، وهي مسألة تمس العقيدة، فهم يظنون أن الكفر يكون شفاء، وليس مناسباً نحن نخوض في مثل هذا.
كما أن الأم بعدما تلد تفرز من صدرها شيئاً يسمى في العربية: اللبأ، وهو سائل شفاف، وهو هدية من الله سبحانه وتعالى إلى هذا الطفل يحتوي على كمية من المضادات الحيوية وأجسام المناعة وفيتمينات وبروتينات عالية جداً لحماية الطفل، فالأم الجاهلة تهدره أو ترميه، وهذا حرمان للطفل من سلاح طبيعي يعطيه الله إياه وقد منَّ الله علينا الآن بالعلوم الحديثة والتطعيمات واللقاح لحماية الطفل، والأم الجاهلة تغير تاريخ الميلاد أسبوعين أو ثلاثة خوفاً من أن يشرحوا جلده بالحقن أو نحو هذا، فشفقة عليه تمنع التطعيم، والتطعيم من مصلحته، وممكن أن يحصل له مرض شديد في هذه الفترة نتيجة عدم المناعة، أي: نتيجة الجهل.
فهو الوالد يفهم أحسن من الأطباء، وسيمنعه من الأطباء الوحوش حتى لا يوخز من قبلهم بالمشرط والإبرة.
ومن ذلك: إذا أصيب الطفل بالتهاب في اللوز، يقال له: ابلع بيضة مسلوقة! وكأنه ثعبان سيبلع بيضة! ومنذ مدة قريبة وجد شاب صغير كان عنده التهاب في اللوز، فقال له جاهل من أمثال هؤلاء الأمهات الجاهلات: ابلع بيضة مسلوقة فبلعها، فوقفت في صدره حتى اختنق ومات! وهذه جريمة قتل بسبب الجهل.
هذه الأشياء ليس هذا وقت الكلام عنها، لكن الموضوع صعب، ونحن نتناوله بصورة شاملة، وحتى لم ندخل بصورة منهجية في قضية واحدة، فكل قضية مما ذكرنا تحتاج لتأصيل علمي في ضوء علوم الشرع الشريف، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو خير معلم وخير مرب على الإطلاق، وفي ضوء العلوم الحديثة التي هي مبنية على ملاحظات حسية ودراسات علمية، لا شك أنها في كثير من الأحيان تكون مصيبة.
أرجو أن أكون قد أفلحت في إيصال رسالتي إليكم، وهي: أن نلتفت إلى أهمية محو الأمية التربوية، هذا هو كل ما أريد أن أوصله بهذا الحديث الطويل، فهناك تربية، وهناك منهجية في التربية، وهناك أمية نعاني منها كلنا، وندفع ثمنها باهظاً. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: لي زوج يضايقني ويعتدي على حقوقي... إلخ، فأرجو أن تجد لي حلاً لذلك؟
الجواب: يبدو أنها صرخة استغاثة من إحدى الأخوات، خلاصتها: يظهر أنها في مشكلة مع زوجها الذي يضايقها، ويجازي الحسنة بالقهر والإذلال وبالقوة والإجبار.
وهذه من المشاكل الاجتماعية؛ لأنها أمور واقعية كلها، وتحتاج إلى توجيه، وأنا لا أحب أن أتناول هذه المشاكل بصورة جزئية؛ لأنها تحتاج إلى شيء من التفصيل، لكن عليها بدعاء الله سبحانه وتعالى أن يصلح حاله.
وأيضاً: هذه الشكوى من هذه الزوجة التي تعاني من زوجها، لابد أن يعترف الزوج رغماً عنه بها؛ لأنها ليست أمة عنده، بل هي آدمي له حقوقه وله حرمته، فإذا كان الزوج يقوم بحق الزوجة، صائناً لها، مراعياً لواجباته نحوها، فليس للأب أو للولي أن يتدخل، لكن إذا حصل خلل ولم يفلح الزوج في حل مشاكله، فمن حقها أن تشتكي إلى ولي أمرها ليتدخل في رفع عنها الظلم.
وبعض الناس يتعامل مع الزوجة على أنها أمة، وبعض الناس يتصور أنه بالزواج أصبحت المرأة شجرة يقتلعها من جذرها من بيت أهلها، ولابد أن تقطع الصلة تماماً بأهلها.
بعض الإخوة عندهم قابلية للتطرف، ولديهم غلو شديد في التعامل، وأنا تكلمت مراراً وتكراراً أن العلاقة بين الزوجين لا تحكمها المعادلات الرياضية؛ إذ ليس الموضوع أن هذه حقوقي وواجباتي وتلك حقوقك وواجباتك، بل التعامل أساساً يبنى على التراحم: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، فمن المعروف الإحسان، ومن أفضل نساء العالمين فاطمة عليها السلام، فلما تزوجت قسمت الأعمال بينها وبين أم علي رضي الله تعالى عنه، فكان عليها وظائف البيت، وأمه لها وظائف خارج البيت، وهي بنت أشرف خلق الله عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك هل قالت: أنا بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يليق بي هذا؟ فالمفروض أن الأساس في التعامل بين الزوجين هو التسامح والتراحم والتغافر والإحسان.
والرسول الذي هو أشرف خلق الله كان في خدمة أهله، وكان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويخدمهم في البيت، فإذا جاءت الصلاة كأنه لا يعرفهم ولا يعرفونه، تعظيماً لأمر الله!
البيت ليس محكمة، ولا قسم شرطة، ولا ثكنة عسكرية يجتمع فيها جندي وضابط وعسكري، بل التراحم والتسامح والتساهل في التعامل، هو الأصل عند التنازع في الحقوق والواجبات.
فنوصي الإخوة بأن يرحموا الأخوات، ويتقوا الله سبحانه وتعالى فيهن، ويراعوا أن المرأة لها تركيباتها العاطفية والنفسية والعقلية المخالفة للرجل، ولها خصائص ينبغي أن تراعى، وأن يرحمها حتى تكون العاقبة إن شاء الله أن يرى ذلك في أولاده فيما بعد. |
|
|
|
|
السؤال: كيف يمكن معاملة الأطفال وهم صغار، وفي المراحل المختلفة من أعمارهم، ونأمرهم بالصلاة؟
الجواب: إذا فهمنا طبيعة كل مرحلة من مراحل نمو الطفل نستطيع أن نفهم كيف نوصل له الرسالة التي نريد أن نوصلها إليه بما يطيقه، فالطفل في السنوات الأولى يكون تفكيره متحجراً، فهو تفكير مادي حسي لا يدرك إلا الأمور المحسوسة، وإذا نظرنا إلى الدراسات التربوية الحديثة ونتائجها التي يفرح بها الغرب جداً، ثم تأملنا في هدي النبي عليه الصلاة السلام، فإننا سنجد مظهراً جديداً من مظاهر الإعجاز وصدق النبوة.
فالطفل في المراحل الأولى إلى سن سبع سنين أو قبل ذلك يدرك الأمور بالطريقة الحسية، ولو حدثته عن الجمال والعدل والنزاهة وغيرها من المعاني المجردة التي لم يدركها، لكن يدرك الأمور التي يراها بعينه، يراك تصلي فتجده راكعاً أو ساجداً على الأرض يعمل مثلك من غير أن تكلمه، فهو يتقمص شخصية الأب ويقلده؛ لأنه يتأثر بالأمور الحسية، البنت ترى أمها تستتر من الرجال فتعمل مثلها تماماً، ثم حينما تصلي تضع الحجاب وهكذا.
فالأمور الحسية التي يراها أو يسمعها يدركها، لكن أمور المعاني لا يدركها، فلذلك الصلاة في المراحل الأولى ستلاحظ الطفل إذا كنت تحافظ على الصلاة أمامه سيحاول يقلدك، وبعد سبع سنين يبدأ الإنسان في أمره بالصلاة، حتى يتعود عليها، وبعد ذلك تتابع عليه الأوامر، لكن يربطه بالمسجد من غير قهر أو عقاب، بل نجعل له الصلاة مكافأة، فنقول له: إذا عملت الشيء الفلاني فسوف آخذك معي إلى المسجد، أعني: أن تحببه إلى المسجد.
موضوع الضرب أيضاً يفهمه الناس خطأ: (واضربوهم عليها لعشر) فلنفرض أنه أمره إلى العاشرة، فهل يبدأ بالضرب؟ لا يبدأ بالضرب، وكما قلت: الضرب له شروط سنناقشها بالتفصيل إن شاء الله. |
|
|
|
|
السؤال: أب غير ملتزم يصل به العنف إلى حد الطرد من المنزل بالأسابيع، وعدم قبوله في المنزل مع عدم الكلام، ولا يأكل معه، ويصرح له دائماً بأنه يكرهه، والابن أحياناً يحاول التقرب إلى أبيه فيزيد ذلك من حدة المعاملة، ولسوء معاملته فالابن يفر دائماً من الالتزام؟
الجواب: المفروض أن يذهب هذا الأب لأخصائي نفسي ويأخذ استشارة منه، ولا أريد أن أقول: علاجاً؛ لأن ليس معنى الذهاب والتعامل مع أخصائي نفسي أنه سيعمل لك العلاج مباشرة، وليس معناه أنك مجنون، فهذا من الفهم المتخلف لموضوع الخبرة النفسية.
والمفروض أن أولى من يمارس العلاج النفسي هم الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم أكفأ الناس وأقدرهم عليه، خاصة أنهم يعملون في ضوء الوحي الإلهي بجانب هذه العلوم المرتبة والمنسقة، لكن الواقع أن معظمنا عنده تقصير في هذا الجانب.
أو يذهب إلى طبيب نفسي ملتزم ومتدين، وأضع عشرة خطوط تحت متدين أو ملتزم؛ لأنه يكون ذا خبرة حقيقية في هذه المجالات.
المشكلة في هذا الأب وليس أولاده، فهو محتاج إلى استشارة نفسية، وإلى أن يعترف بأخطائه؛ لأن أول علاج أن نعترف بالخطأ، ومشكلتنا أننا ننكر ذلك دائماً، يظل الأب يضرب ويطرد ثم يتصور أن هذه هي التربية، وأن التربية أن يضرب وتهدر كرامته، وتحطم نفسيته حتى يكون رجلاً.
وهذا تفكير عجيب جداً، فمثل هذه المشاكل الأب محتاج فيها إلى العلاج، ويحتاج إلى أن يذهب إلى أخصائي نفسي للاستشارة النفسية، ويعترف بكل سلوكياته مع أولاده.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
|