|
إن مما يحسن ويجدر بالمؤمن الصادق أن يعلم حقيقة هذه الحياة الدنيا وأنها دار عمل، وحينئذٍ سيقوم باستغلال الأوقات بالطاعات وما أكثرها! فما من عبادة إلا وحض الشرع عليها، وبيّن ما يكون بين يديها؛ حتى يستعد العبد لها استعداداً كاملاً لائقاً بها، ومن هذه العبادات صيام شهر رمضان، وشهر رمضان من أعظم مواسم الطاعات والقربات، ففيه تجتمع أغلب العبادات من صلاة وصيام وزكاة وذكر لله وقراءة قرآن واعتكاف وغير ذلك. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إن المستثقلين شهر رمضان هم أهل الغفلة الذين يعدونه إذا نزل بهم كالضيف الثقيل، يعدون أيامه ولياليه وساعاته منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم مضى منه، حتى إذا قرب العيد فرحوا بدنو خروج هذا الشهر، وليس فرحهم من أجل العيد وإنما فرحهم لأنهم تخلصوا من هذا الشهر، وهذا الشعور السيئ عندهم يرجع إلى أسباب عدة:
أولها: أنهم اعتادوا على التوسع في الملذات والشهوات المحرمة فضلاً عن التوسع في الشهوات المباحة، فهم يعلمون أن هذا الشهر سيقيدهم ويحجزهم عن الاسترسال فيها، فاستثقلوه حتى قال بعضهم أقوالاً تقشعر منها الجلود وتشمئز منها النفوس، كقول الشاعر ابن الرومي :
ألا ليت الليل فيه شهر ومر نهاره مر السحاب
ويقول الآخر:
رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق
حكي أنه كان لـهارون الرشيد رحمه الله غلام سفيه، فلما أقبل رمضان ضاق الغلام به ذرعاً وأخذ ينشد:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة على الشهر لاستعديت قومي على الشهر
فأصيب بمرض الصرع فكان يصرع في اليوم عدة مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر.
كذلك من هؤلاء المتضجرين المستثقلين لهذا الضيف العزيز من يستقبل رمضان بالسفر أو بالهروب من بلاد المسلمين.
ومنهم من يستقبله بإعداد خطط خاصة للطعام وألوان الشراب وغير ذلك.
ومنهم من يستقبله فرحاً مسروراً لما يجده فيه من فرص اللهو والعبث أمام (التلفزيون) أو (الراديو)، أو مع أصدقائه وأترابه في اللعب واللهو.
فهؤلاء جميعاً يستثقلون الشهر، وإذا فرحوا فلا يفرحون بمواسم الطاعات التي فيه، وإنما يبتهجون بمواسم اللهو والعبث التي تزيدهم عن الله عز وجل بعداً.
نقل عن ابن حجر رحمه الله تعالى أنه قال: إن تمني زوال رمضان من الكبائر.
إذاً: المؤمن المملوء بالصبر واليقين في بداية الشهر أو قبل بدايته قلبه يكاد يطير فرحاً بقدومه، ويتمنى أن يكون شعبان يوماً واحداً.
كذلك إذا دخل رمضان فإنه يحزن جداً لكل ساعة أو لكل ليلة تمر منه؛ لأنه يعلم أن تمني زوال رمضان من كبائر الذنوب.
وقال بعض العلماء معلقاً على كلام ابن حجر : ولعله إذا كان بغضاً للعبادة فربما يخشى منه الكفر.
ومما يخالف تعظيم شعائر الله قول العوام: رمضان مريض، أو يخرج الروح، ونحو ذلك.
وذكرنا آنفاً أن أحد أسباب استثقال رمضان عند من يستثقله توسع بعض الناس في الملذات والشهوات المحرمة فضلاً عن المباحة، ولا شك أن التعلق بهذه الشهوات يثقل على القلب العبادة المرتبطة بها، فمن تعلق مثلاً بالمال ثقل عليه عبادة الزكاة والصدقة، ومن تعلق بالأهل والأولاد ثقل عليه الجهاد في سبيل الله عز وجل، ومن تعلق بالطعام والشراب والشهوات ثقل عليه الصيام.
واستثقال الأعمال الصالحة ناتج عن ضعف الإيمان وضعف محبة الله عز وجل في القلب.
فقارن بين قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أرحنا بها يا بلال) بقول من يقول بلسان حاله أو حتى مقاله: أرحنا منها!
قارن حال هذا بحال أولئك الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وقوله: (إيماناً واحتساباً) أي: تصديقاً بفرضيته، ورغبة في ثوابه، طيبة به نفسه، غير كاره ولا مستثقل لقيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه لتعظيم الثواب فيه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
لقد هيأ الصالحون أنفسهم ووطنوها على تحمل مشقة الصيام، فصاموا التطوع خلال الشهور الأخرى، خاصة في شهر شعبان، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم أكثر شعبان؛ استعداداً لشهر رمضان، فمن ألف الصيام في شعبان، واجتهد في تعمير شعبان بطاعة الله ودرب نفسه على عدم الالتفات إلى ما حرم الله مثل قول الزور والغيبة والنميمة فهذا يأتي عليه موسم رمضان وقد سهل عليه أمر الصيام وأمر سائر الطاعات من القيام وغيرها، فيستطيع أن يغتنمه في أحسن صورة ممكنة.
وكان هذا شأن السلف، كانوا يحافظون على نوافل العبادات، ويحافظون على صيام التطوع، ويحافظون على الاجتهاد في الإكثار من صيام شهر شعبان استعداداً للقاء رمضان.
باع أحد السلف جارية له لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان، كما يصنع كثير من الناس اليوم، أهم استعداد عندهم لرمضان هو الأطعمة والأشربة، وكيف سيصنعون بكذا وكذا، وإعداد المخللات والفواتح الشهية، فمنذ زمن بعيد يستعدون للقاء هذا الشهر لتعميره بهذه الأشياء، وكأن شهر رمضان هو شهر إثخان المعدة بالطعام، والتلذذ بالطعام والشراب، وإرهاق الميزانيات، حتى يقول بعض الناس في وصف حال الكثير من المسلمين -للأسف- في هذا الأمر: إنكم تأكلون الأرطال، وتشربون الأثقال، وتنامون الليل ولو طال، وتزعمون أنكم أبطال.
فقالت هذه الجارية لما وجدت سيدها يستعد بهذه الطريقة في استقباله شهر رمضان، قالت: لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان، والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كلها رمضان، لا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم. ورجعت إلى سيدها الأول. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
يقول تبارك وتعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4] ونذكر حديثاً شريفاً مناسباً لمعنى الآية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه انقسام الناس إلى قسمين بسبب دخول رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، -أي: أقسم أبو هريرة بما حلف به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر).
وعنه رضي الله عنه من طريق آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله؛ وذاك لأن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر)، وفي رواية البيهقي : (فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر)، وهذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن، و الطبراني في الأوسط، و ابن خزيمة ، وسكت عنه المنذري ، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة) يعني: يعد المؤمنون لرمضان ما يقويهم على العبادة، فهم يدخرون ما ينفقونه على العيال قبل أن يدخل رمضان، وأيضاً كثير من الناس يخرجون زكواتهم في رمضان، وكثير من الناس يتهيئون لأداء العمرة في رمضان وغير ذلك، فتجدهم يخصصون ويتأهبون لقدوم رمضان قبل دخوله، فهم يعدون قبل دخول رمضان ما يحتاجونه حتى يتفرغوا لطاعة الله إذا دخل عليهم رمضان.
أما قوله: (وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة) فيعني أن المؤمنين بسبب اشتغالهم بالعبادة في رمضان يمنعهم ذلك من تحصيل المعاش أو التقليل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يجمعون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله ليتفرغوا فيه للعبادة وللإقبال على الله عز وجل ولاجتناء ثمرة هذا الموسم، فهو خير لهم مما أنفقوه؛ لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.
قوله عليه الصلاة والسلام: (وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم) يعني أن هذا هو السبب في أن شهر رمضان شر على المنافقين، وما أكثر هؤلاء المنافقين من أعداء الله من قطاع الطريق إلى الله الذين يغتنمون فرصة التوبة والإنابة واستقامة الناس على طاعة الله وانفتاح أبواب الخيرات حتى يصدوا الناس عن ذلك الخير! وتراهم يجلبون بخيلهم ورجلهم ليل نهار، في النهار يريدون أن يفسدوا صيام الناس بالمعاصي بالأفلام وباللهو والعبث والفجور، وفي الليل بالسهر والعكوف أمام العجل الفضي (التلفزيون) وأمثاله.
فهو شر لهم؛ لأنهم يحرمون أنفسهم من هذا الخير العظيم، ويخسرون هذه الفضائل الجليلة، ولأنهم بدلاً من أن تكون هذه الأوقات الفاضلة عامرة بالطاعات إذا بهم يعكسون مقاصد دين الله ويحولونه إلى موسم للهو والعبث والفجور، وتتكاثر شياطين الإنس من الممثلين والفنانين وأمثالهم، وتراهم يفكرون كيف يلهون الناس عن الطاعة، وكيف يصدونهم عن طريق الله، وكيف يضيعون عليهم هذه الفرصة، ولا شك في أن هؤلاء وزرهم مضاعف؛ لأنهم ضلوا أنفسهم وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وقطعوا الطريق إلى الله عز وجل على عباده التائبين.
إذاً: المنافقون يستعدون قبل شهر رمضان لإيذاء المسلمين في دينهم ودنياهم؛ لأن المسلمين في هذا الوقت طائعون لله غافلون عن الدنيا منقطعون إلى الله عز وجل، فيأتي هؤلاء المنافقون فيستغلون فرصة انشغال الطائعين بطاعة الله فيتتبعون عوراتهم، والمنافقون عندما يتتبعون عورات المؤمنين يعتبرون ذلك غنيمة حاضرة وفوزاً عظيماً، فهم يتوهمون أن هذه غنيمة اغتنموها في نظرهم، ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم وحرمانهم من فضله العميم، نعوذ بالله عز وجل من ذلك.
قال عليه الصلاة والسلام في نهاية الحديث: (هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر) وفي رواية البيهقي : (فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر) والمعنى أن الله عز وجل ينتقم من الفاجر ويذيقه العذاب الأليم لسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم، فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه.
وقوله: (أظلكم شهركم هذا) يعني: أشرف عليكم وقرب منكم (بمحلوف رسول الله صلى عليه وسلم) يعني: إني أحلف بما حلف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه -والإصر هنا الإثم والعقوبة- من قبل أن يدخله) أي: الله عز وجل يعلم ما كان وما سيكون، ولا حدود لعلمه سبحانه وتعالى.
فالله عز وجل يكتب قبل دخول الشهر أن فلاناً سيجني من هذا الشهر كذا وكذا من الطاعات والعبادات، وفلاناً سوف يجني كذا وكذا من الشقاء والإثم والإصر والعقاب.
فقوله: (إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله) معناه أن المؤمن يستعد ويتهيأ لاستقبال رمضان قبل دخوله -كما ذكرنا في إعداد النفقة وإعداد القوت وغير ذلك- حتى يتفرغ ويجتهد في طاعة الله عز وجل في رمضان، فإن الله عز وجل يكتب له أجره ونوافله، وما سيترتب على أعماله هذه من الثواب قبل أن يدخل عليه شهر رمضان.
وقوله عليه الصلاة والسلام (ويعد المنافق اتباع غفلة الناس واتباع عوراتهم) معناه أن المنافق يعلم أن الناس مزدحمون في المساجد، فيستغل هذا المنافق اجتهاد عباد الله بالطاعات كالصلاة وغيرها فيسرق -مثلاً- أحذيتهم أو يسرق شيئاً من المسجد.
فانشغال المؤمنين بطاعة الله هو مكسب وغنيمة للمؤمن، يغتنمه المنافق، أي: يغتنم المنافق وقت انشغال الصالحين بالعبادة، وذلك بتتبع عوراتهم واغتنام غفلتهم.
فهذا الحديث ينبغي أن نستحضره، وذلك لأنه مهم جداً، وكم فرحت حين رأيت الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى قد صححه؛ لأن هذا الحديث هو عين ما نقصده الآن من التذكير به. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
نقف وقفة مع هذا المنادي الذي ينادي في الناس، ونحن لا نسمعه، ولكن الصادق المصدوق أخبرنا فكأننا سمعناه بأنفسنا، بل أبلغنا بقوله: (يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر) فهذا النداء يحض على التوبة وهي أعظم الخير، ولذلك سنتوقف عندها قليلاً. |
|
|
|
إن من الخير الذي يجنيه الصالحون في هذا الشهر، والذي من أجله يقول له الملك: يا باغي الخير! أقبل -أي: هلم إلى موسم الخير كله- من ذلك الخير العمرة في رمضان، فمن استطاع أداء العمرة في رمضان فلا يفرط في ذلك.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان : ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: أبو فلان -تعني زوجها- له ناضحان حج على أحدهما والآخر نسقي عليه.
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم -على سبيل المواساة لها-: فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة -وفي لفظ: تعدل حجة معي-) وهذا الحديث متفق عليه.
فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) يعني: إذا اعتمرت في رمضان فكأنك وقفت في عرفات مع الرسول صلى الله عليه وسلم وطفت بالبيت. |
|
|
|
|
إن من صور الخير تعمير المساجد والحرص على ذلك، جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق) فمن حرص على تطبيق هذا الحديث تغير حاله، واستقام شأنه، وزاد إيمانه، واقترب من الله عز وجل، وتضاعفت أعماله الصالحة.
فالشرط الأول: (من صلى لله) أي: من صلى مخلصاً لله بأن يحافظ على صفة الإخلاص وعدم الرياء.
الثاني: قوله: (أربعين يوماً) يعني: يحافظ على الصلوات الخمس لمدة أربعين يوماً متصلة.
الثالث: (في جماعة) أي: يحضر صلاة الجماعة.
الرابع: (يدرك التكبيرة الأولى) فلابد من أن يدرك تكبيرة الإحرام ولا يتخلف عنها.
قوله: (كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق) براءة من النار باجتهاده في طاعة الله تبارك وتعالى وإقامة الصلاة في جماعة، وبراءة من النفاق لأنه تبرأ من سلوك المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، أما هذا فيستعد ويتأهب ويحرص على حضور تكبيرة الإحرام. |
|
|
|
|
نقول: لا بد من التوبة والندم على ما فات من التفريط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الندم توبة)، والخير الذي يبتغيه عباد الله الصالحون على رأسه الصيام والقيام وقراءة القرآن، والاعتناء بالعشر الأواخر وذلك بتعميرها بالطاعات، والاجتهاد في تحري ليلة القدر، وكذلك الصلاة في جماعة، والانشغال بذكر الله وبدعائه تبارك وتعالى، والعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والاعتكاف في بيوت الله، وتفطير الصائم، وأداء زكاة الفطر وزكاة المال -أيضاً- كما يفعل كثير من الناس، فهم يجعلون رمضان وقت إخراج الزكاة توسعة على إخوانهم المسلمون، وكذلك الجهاد في سبيل الله، فإن رمضان هو شهر الجهاد، كان فيه غزوة بدر، وكان فيه فتح مكة، وكان فيه موقعة عين جالوت وغير ذلك من المعارك التي انتصر فيها المسلمون في شهر رمضان المبارك.
وكذلك هو شهر الإنفاق والسخاء والجود وإكرام عباد الله تبارك وتعالى، وهو شهر الكف عن أذى الخَلْق، بل هو شهر حسن الخُلُق مع الناس، حيث إن الصائم لا يرفث ولا يفسق ولا يسخط، وهو شهر التوبة من كل معصية، ورمضان هو شهر التربية الجماعية للأمة جمعاء، وهذه في الحقيقة ما زالت غصة في حلوق أعداء الإسلام لا يستطيعون القضاء عليها، حتى الشخص الذي أغراه الشيطان بالإفطار إذا خرج إلى الشارع يجد فيه الصائمين، وإذا ركب وسائل النقل يجد الصائمين، وفي الكلية وفي المتجر وفي المصنع يجد الصائمين، فهذه التربية الجماعية تجعله يعود إلى عقله ويثوب إلى رشده، فعلى الأقل يستحيي من المجاهرة، إلا أن يكون قد فقد الحياء بالكلية من الله ومن الناس.
إذاً رمضان مدرسة وفرصة ليصلح كل إنسان حاله مع الله تبارك وتعالى.
وإذا كان التدخين عادة سيئة فرمضان أعظم فرصة للتوبة من هذه الخصلة القبيحة وغيرها مما ينبغي أن نتجنبه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أما الفريق الآخر بغاة الشر والسوء والصد عن سبيل الله فتجد الملك ينادي عليهم ويقول: (يا باغي الشر! أقصر) كما يقول العوام للشخص حينما يتمادى في الإساءة: أقصر. يعني: انته وكف عما تنويه من السوء في هذا الشهر العظيم. |
|
|
|
من صفات بغاة الشر في رمضان -وهي من أقبح المظاهر في الحقيقة- تعمد الإفطار بغير عذر.
وهذه ظاهرة تجسد غربة الإسلام في هذا الزمان، فكثير من الناس انعدم عندهم الحياء من الله والحياء من المخلوقين، مع أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (استح من الله كما تستحي رجلاً من صالح قومك) ونجد كثيراً من المستهترين يجهرون بالتدخين ويجهرون بالإفطار ولا يبالون، ونجد أصحاب المطاعم يفتحون المطاعم في رمضان.
ولو أن كل واحد منا عد نفسه مسئولاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود علمه لأغلق هؤلاء متاجرهم، لو أن هذا الفاسق الفاجر الذي يجهر بمبارزة الله سبحانه وتعالى بالطعام أو الشراب في نهار رمضان كلما قابل مسلماً قال له: اتق الله، إذا بليتم فاستتروا. أو ذكر له هذا الحديث الذي نذكره في وعيد متعمد الإفطار فلا شك أنه في المرة الأولى إذا لم يستجب فقد يستجيب في الثانية.
فهذا العاصي لو قابله مسلم طائع لله وحذره وأنكر عليه فلا شك في أنه ستنتهي هذه الظاهرة، إذا دخلت إلى صاحب العصير أو المطعم وقلت له: اتق الله وارع حرمة هذا الشهر ونصحته فلعله ينزجر ويكف عن فسقه ومعاصيه، فلماذا نقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى هذا الحد؟ لو أن كل امرأة متبرجة وجدت من يقول لها: اتقي الله واستري نفسك وأنقذيها من النار أو غير ذلك لانكف الناس عن كثير من المنكرات.
وبعض الناس يتسترون وراء فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقولون: لابد من أن يكون الإنسان عالماً وأن يكون كذا وكذا، ويذكرون عدة شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ونقول: هناك قدر من المنكرات لا يجهلها أحد ولا تحتاج إلى فقه، مثل شرب الخمر وتضييع الصلاة والتبرج والربا، كل هذه المعاصي ظاهرة وواضحة، فيجب علينا متى ما استطعنا وفي كل فرصة أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، ولا نتخذ فقه وآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداة نعلق عليها كسلنا وتراخينا في أداء واجبنا نحو ربنا ونحو ديننا.
فكل إنسان مسئول ينبغي أن يبلغ بقدر استطاعته، وينكر على من يجهر بالمعاصي سواء في رمضان أو في غير رمضان.
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواد الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم).
فإذا تأملنا هذا الحديث فإن فيه وعيداً شديداً لمن يتعمد الإفطار في شهر رمضان.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (بينما أنا نائم أتاني رجلان) معلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، فهذا صورة من صور الوحي.
قوله: (فأخذا بضبعي) يعني: أخذا بعضدي.
قال: (فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواد الجبل إذا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات؟ قالا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً -وهي جوانب الفم- قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم).
تأمل جيداً قوله: (قبل تحلة صومهم) فمعناه أن هؤلاء يصومون لكنهم يفطرون قبل غروب الشمس، فإذا كان هذا عذاب من يتعجل الإفطار قبل أوانه قبل تحلة الصوم فكيف بمن لا يصومه كله؟! كيف بمن يفطر اليوم بل الشهر كله ولا حظ له في الصيام؟!
أما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لا يجزئه صيام شهر وإن صامه) فهذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأيضاً ثبت في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث أحلف عليهن) وذكر منهن قوله: (لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أفطر عامداً بغير عذر كان تفويته له من الكبائر.
وحكي عن الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى أنه قال: وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والإخلال.
وأحسن بعض إخواننا حيث كانوا يضمون هذه العبارة إلى عبارة الحافظ ابن القيم ويكتبونها بخط جميل على أوراق كبيرة مكبرة ويلصقونها ويعلقونها في المداخل والمخارج والأسواق وعند المحلات زجراً للناس عن هاتين المعصيتين: تعمد الإفطار، وترك الصلاة المكتوبة.
فيا حبذا لو أحيا الإخوة هذه السنة وأعادوا تذكير الناس بهذه العبارات، ولا تعلق داخل المساجد؛ لأن هذا تحصيل حاصل، فالذي يأتي للمسجد يصوم ويصلي؛ لأن الذي يصلي لا يمكن أن يتصور أنه لا يصوم؛ لأن من حافظ على الصلاة سهلت عليه كل العبادات الأخرى، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.
فيصعب أن تجد شخصاً يحافظ على الصلاة ثم لا يصوم، لكن قد تجد من يحرص على الصيام ولكنه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- لا يصلي. |
|
|
|
|
إن بغاة الشر في رمضان للأسف الشديد كثيرون، ومن أسوئهم وأقبحهم هؤلاء الذين يضيعون أعظم فريضة في الإسلام، ألا وهي فريضة الصلاة التي هي عمود هذا الدين وثانية العبادات وناهية عن السيئات، يقول عز وجل إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] فنجد من يترك الصلاة بالكلية ويحسب أنه على شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر).
ودعنا من الخلاف بين العلماء هل تارك الصلاة كافر كفراً أكبر يخرج من الملة وأنه إذا مات مصراً على تركها فإنه لا يورث ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يجوز الدعاء له بالمغفرة، أو أنه مسلم عاص فاسق بفعله؟ وإنما أهمس فقط في أذن هذا الذي يترك الصلاة ويستأنس بقول من يقول له: إنك مسلم عاص. فهل تقبل أن يكون انتسابك إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى دين محمد صلى الله عليه وسلم موضع خلاف بين العلماء؟! فعالم يقول عنك: أنت مسلم فاسق شر من الزاني والسارق وشارب الخمر وآكل الربا وقاتل النفس التي حرم الله، أنت شر من هؤلاء كلهم ومعرض لسخط الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وآخر يقول: بل أنت مثل أبي جهل و أبي لهب و فرعون و هامان و قارون وإخوانهم من أعداء الله! فهل تقبل أن يكون انتسابك إلى الإسلام محل خلاف العلماء؟! ومن يقبل لنفسه هذا الوضع؟!
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم (الصلاة وحكم تاركها) في تحقيق هذه المسألة -وقد انتهى إلى تكفير تارك الصلاة كفراً أكبر- يقول رحمه الله تعالى: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.
فهذا متفق عليه بين جميع علماء المسلمين، ولا خلاف في ذلك أبداً.
وقد تجد تارك الصلاة يتمدح بأنه يتعفف عن الزنا، أو أنه إذا اتهم بأنه سارق يشمخ بأنفه ويقول: كيف أكون سارقاً؟! ويغضب بسبب ذلك، أو غير ذلك من الذنوب كقتل النفس أو شرب الخمر أو غير ذلك، وهو لا يدري أن المصيبة التي ابتلي بها أشد من كل هذه المعاصي مجتمعة.
نعجب لتارك الصلاة كيف يتمتع بنعم الله وبعافية الله وبرزق الله سبحانه وتعالى! فخير الله إليه نازل وشره إليه صاعد.
فالإنسان من غير صلاة لا خير فيه، ولا خير في دين لا صلاة فيه.
قال أمير المؤمنين: (ألا وإن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر).
إذاً فشهر رمضان فرصة عظيمة جداً لبغاة الخير أن يأمروا بغاة الشر ممن يصرون على ترك الصلاة أن يفتحوا صفحة جديدة، وأن يتوبوا إلى الله عز ويؤدوا الصلاة لله تبارك وتعالى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مما يؤسف له أن في رمضان الذي هو موسم الطاعات نجد ظاهرة مؤسفة جداً، وهي أن الأذان لم يصبح اسمه أذاناً، بل صار بدله المدفع، كأن هذا المدفع هو ساعة الصفر لكي يبدأ الهجوم لاكتساح ما لذ وطاب من الطعام والشراب، مما جعلهم لا يلتفتون إلى الأذان، فالمؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، هلموا إلى طاعة الله وإلى تعمير بيت الله وإذا بهم في صلاة المغرب في كثير من المساجد لا يصلي إلا عدد أو نفر قليل جداً منهم، وذلك بسبب أنهم يجلسون على الموائد ويأكلون ويشربون ثم يضيعون صلاة الجماعة.
فإذا كان رمضان وهو موسم الخير ومضاعفة الأعمال الصالحة يحصل منا فيه هذا الأمر السيئ والقبيح، وربما يكون سبب هذه الفتنة عند كثير من الناس أن شياطين الإنس عبر (التلفزيون) يجتذبون الناس مباشرة عقب ما يسمى بالمدفع ويفتنوهم عن دينهم بالفوازير وباللهو وبالعبث والفجور، حتى إن بعضهم قد يجمع المغرب مع العشاء جمع تأخير، أو يسهر إلى ما قبل صلاة الفجر أمام (التلفزيون) فإذا كان الأمر كذلك فأين ستكون صلاة الفجر في جدوله إذا كان يمكث من المغرب حتى الساعة السادسة صباحاً؟! هذا إن كان يصلي صلاة الفجر.
فهذا إتلاف وإفساد للدين، فطهروا بيوتكم من هذا الجهاز الخبيث الذي يصدكم عن طاعة ربكم تبارك وتعالى ويفسد أخلاقكم وأديانكم، فهو شؤم في شؤم.
وإذا أذن لصلاة المغرب فيحبذ أن يفطر الصائم على شيء خفيف جداً، على تمر أو شيء يسير، ويا حبذا لو كان الإفطار في المسجد حتى ينال الذين يحضرون الإفطار أجر تفطير الصائم، ومن يفطر في بيته ينبغي أن يكون أمامه مهلة عشر دقائق بين الأذان والإقامة، ثم تقام الصلاة بتمهل بعد إذهاب سورة الجوع التي قد تذهب بألباب بعض الناس حتى يصلوا صلاة المغرب باطمئنان؛ لأن أكثر الناس يصلون صلاة المغرب بسرعة ينقرونها نقراً ولا يقيمونها.
وكون وقت الإفطار لمدة عشر دقائق بين الأذان والإقامة ثم تقام الصلاة بالميكرفونات حتى يحضر الناس من البيوت الذين لم يأتوا بعد أمر طيب.
كذلك علينا أن نقوم بحملة كبيرة من أجل دعوة الناس إلى تعمير المسجد بصلاة المغرب وغيرها من الصلوات، قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] فظاهرة تضييع صلاة الجماعة في المغرب خصوصاً منتشرة، فعلى الإخوة أن يتعاونوا في ذلك.
والإفراط في السهر يؤدي إلى تضييع صلاة الفجر، وهذا -أيضاً- من الشر، وكذلك قول الزور والعمل به مما يفعله بغاة الشر، والمجاهرة بالفطر وقد ذكرناها، وأكل الربا، واللهو، والنميمة، والكذب إلى غير ذلك مما حرم الله تبارك وتعالى، فكل ذلك ينبغي الحث على تركه. |
|
|
|
|
|
|
إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما دخل رمضان خطب في أصحابه رضي الله عنه منبهاً إياهم إلى هذا الموسم المبارك، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم) وإنما كان ذلك في أول ليلة من شهر رمضان.
أي: إذا ظهرت الرؤية وبان لنا أن هذه ليلة هي أول ليلة من شهر رمضان فينبغي لمن كان من بغاة الخير ويريد أن يصوم رمضان كله إيماناً واحتساباً حتى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تقدم أن يحذر من أن يفوته قيام الليلة الأولى من رمضان، إذ أغلب الناس يعمرون المساجد بصلاة القيام غالباً في اليوم الثاني من رمضان.
والغالب أن الرؤية لهلال رمضان تكون متأخرة، وربما تكون أحياناً بعد صلاة العشاء، فبعض الناس لا يسرعون إلى المساجد لصلاة القيام ولا يصلونها -أيضاً- في البيوت في الغالب، فيفوتون على أنفسهم هذا الثواب العظيم.
فعلى الإخوة -أيضاً- أن ينبهوا الناس إذا ظهرت الرؤية وثبت هلال رمضان حتى يفزعوا إلى المسجد ويدركوا صلاة القيام حتى لا يفوتهم هذا الفضل العظيم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
إن وظيفة العمر كله هي وظيفة التوبة والإنابة إلى الله تبارك وتعالى، ولن يعزم العبد على التوبة والاستقامة إلا إذا كان يحسن الظن بربه تبارك وتعالى، فيجب أن نقبل على هذا الشهر ونحن نحسن الظن بالله عز وجل في أن من عاد إليه وتاب إليه تاب الله عليه، ومن استغفره غفر له تبارك وتعالى.
فمهما بلغ الإنسان من التقصير في طاعة الله عز وجل فلابد له من أن يغتنم هذا الموسم العظيم، وأن يطمع في رحمة الله طمعاً لا مزيد عليه، فإن خزائنه لا تنفد.
يقول عز وجل إِِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].
وضرب بعض العلماء مثلاً في حسن الظن بالله تبارك وتعالى وفي رحمة الله عز وجل بعباده فقال: أرأيت لو أن ولداً كان يعيش في كنف أبيه يغذيه بأطيب الطعام والشراب، ويلبسه أحسن الثياب، ويربيه أحسن التربية، ويعطيه النفقة، وهو القائم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه يوماً في حاجة، فخرج عليه عدو في الطريق فأسره وشد وثاقه، ثم ذهب به هذا العدو إلى بلاد الأعداء، وصار يعامله بعكس ما كان يعامله به أبوه، فكان كلما تذكر تربية أبيه وإحسانه إليه المرة بعد المرة تهيجت من قلبه لوعة الحسرات، وتذكر ما كان فيه من النعيم، فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد ذبحه في نهاية المطاف إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريباً، فسعى إليه وألقى بنفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه، يا أبتاه، يا أبتاه!
انظر إلى الولد وما هو فيه، والدموع تسيل على خديه، وهو قد اعتنق أباه والتزمه، وعدوه يشتد في طلبه، حتى وقف على رأسه وهو ملتزم بوالده ممسك به، هل تقول: إن والده سيسلمه في هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه؟!
فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها إذا فر عبد إليه سبحانه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحاً ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه، باكياً بين يديه، يقول: يا رب! ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا معين له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك، أنت معاذه وبك ملاذه، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك!
كان أحد الصالحين يسير في بعض الطرقات، فرأى باباً قد فتح، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً أين يذهب؟ فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولم يجد من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مغلقاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام ودموعه على خديه، فخرجت أمه بعد حين فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت بنفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي أين ذهبت عني؟! من يؤويك سواي؟! ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني على عقوبتك بخلاف ما جبلني الله عليه من الرحمة بك والشفقة عليك؟! ثم أخذته ودخلت.
بل نتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أظلت امرأة من السبي ولداً لها، فلما رأته ألقت بنفسها عليه وأخذت تضمه إليها وتبكي، ثم قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقالوا: لا، فقال عليه الصلاة والسلام: لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
فالله تبارك وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويرحب بالعائدين إليه، فمن تاب إليه تاب عليه.
فعلينا أن نستحضر هذا المعنى جيداً ونحن نستقبل هذا الشهر، ولا تصرفنا المعاصي والشهوات عن الطمع في رحمة الله تبارك وتعالى؛ فإن خزائنه لا تنفد.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن) ومعنى هذا أن يكون عندنا علو في الهمة، فإذا طلبت فلا تستعظم على الله شيئاً، بل اطلب ما شئت من الله، فإذا سألت الله فاسأل الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأعظم وأشرف مقام في الجنة. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|