|
من نعمة الله على عبده أن يشرح صدره للطاعة، ويكمل ذلك عليه بنعمة مكارم الأخلاق، فيصير للخيرات سباقاً، ولطاعة ربه ورحمته تواقاً ومشتاقاً، حتى يصير مفتاحاً من مفاتيح الخيرات، وسبباً من أسباب الرحمات، مستجمعاً لصنائع المعروف التي تفرج هموم المسلمين، وتعين الفقراء والمساكين. |
|
|
|
|
|
الحمد لله الذي اصطفى لمحبته الأخيار، فصرف قلوبهم في طاعته ومرضاته آناء الليل وأطراف النهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وعلى جميع أصحابه الأخيار، ومن سار على نهجهم ما أظلم الليل وأضاء النهار.
أما بعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني في الله! إن الله إذا أحب عبداً من عباده شرح صدره لطاعته، فإذا أراد أن يتمم عليه نعمته وأن يكمل عليه منته تممها وكملها بمكارم الأخلاق، يوم يصير للخيرات سباقاً، ولطاعة ربه ورحمته توَّاقاً ومشتاقاً، يوم يصير مفتاحاً من مفاتيح الخيرات، وسبباً من أسباب الرحمات، يوم يفرج الله به هموم المسلمين وغمومهم يوم يفرج الله به كربات المكروبين، ويرحم به المعذبين، ويغني به الفقراء والبائسين، يوم يجعله الله جل وعلا رحمة من رحماته، حين يملأ قلبه عطفاً على المسلمين، ورحمةً بهم ومواساة للمحتاجين.
إنها صنائع المعروف التي اصطفى الله لها رجالاً واختار لها على مر العصور والدهور أجيالاً، يوم جعلهم مفاتيح الخيرات والرحمات، فعاشوا في هذه الحياة بالذكر الجميل والعمل الصالح الجليل، وخرجوا من الدنيا والله راضٍ عنهم غير غضبان، يوم أصبحوا نعمة على العباد لا نقمة عليهم، أصبح الواحد منهم مسلماً لله منقاداً مطيعاً مستسلماً ما إن يسمع رحمة من الرحمات ولا باباً من أبواب الخيرات إلا كان إليه سباقاً طالباً لـه ومشتاقاً، إنها الرحمة التي أسكنها الله قلوب الرحماء ولم تدخل الرحمة إلى قلب عبد من عباد الله، إلا أهله الله لرحمته، فالله يرحم من عباده الرحماء والله يحلم على الحلماء، وييسر على الذين ييسرون على عباده، ويرفق بمن رفق بخلقه وعبيده.
إنها أبواب الخيرات، وأبواب الطاعات والرحمات التي يحقق بها المسلم إسلامه، التي يحقق بها المؤمن طاعته لربه والتزامه، إنها الاستقامة الصالحة، إنها الاستقامة الصادقة، يوم يتفطر قلب العبد شوقاً وحنيناً إلى رحمة من رحمات الله، وما يدريك فلعل دمعة اليتيم التي كفكفتها يكفكف الله بها دموعك في الحشر، وما يدريك عن هذه الكربة من أرملة من أرامل المسلمين فرجتها عنها فلعل الله أن يفرج عنك بها كربة من كرب يوم الدين، في يوم شديد الأهوال، في يوم تشيب منه ذوائب الأطفال، في يوم تضع فيه الأثقال ذوات الأحمال.
أيها الأحبة في الله: ما شرح الله صدر عبدٍ من عباده لهذه الخيرات إلا جعله من أحب الخلق إليه، ومن أكرمهم وأعظمهم زلفى لديه، لذلك كان من أجلِّ نعم الله بعد الهداية أن يشرح صدر الإنسان لصنع المعروف.
صنائع المعروف وما أدراك ما صنائع المعروف؟ التي يخط بها العبد الصالح في دواوين الصالحات تلك الحسنات العظيمة.
صنائع المعروف وما أدراك ما صنائع المعروف؟ التي غفر الله بها الذنوب، وستر بها العيوب وفرج بها الهموم والغموم والكروب، فيا لله من أقوام عاملوا الله جل وعلا بهذه الأعمال الصالحة، خرجوا وقد ملئت دواوين أعمالهم بالحسنات الباقية، إنه الأجر الذي يتقدم الإنسان إلى الدار الآخرة، إنها مزارع الآخرة التي يحصدها الإنسان في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
لذلك أيها الأحبة في الله! كل مؤمن صالح ينظر في كتاب الله أو يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد تلك الأبواب أمام عينيه مفتحة، يجد أمام عينيه الخيرات مؤهلة، تلك الخيرات وتلك الرحمات التي ندب الله إليها الصالحين والصالحات، فقال في كتابه: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148].
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أول قاعدة في صنائع المعروف وأساسها وأعظمها والتي يبارك الله بها: إخلاص العمل لله جل جلاله، فأول ما ينبغي على العبد الذي يريد أن يجعله الله جل وعلا صانعاً للمعروف المقبول أن يخلص لله جل جلاله، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، أن ينفق الإنسان وتسح يمينه بالخيرات آناء الليل وأطراف النهار، يشتري بذلك رحمة الله جل جلاله، لا ينفق رياءً ولا سمعةً ولا ثناءً، ولكن يريد رحمة الله، يريد ما عند الله، كما قال الله جل جلاله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [الإنسان:9-11] اللهم إنا نسألك أن تجعلنا منهم.
أن تنفق يوم تنفق والآخرة أمام عينيك، أن تنفق يوم تنفق ومزارع الجنة كأنها أمام ناظريك، أن تشتري رحمة الله بكل مالٍ تُعطيه ولكل فقير تواسيه، أن تشتري رحمة الله بقلب لا يريد إلا ما عند الله جل جلاله، ما كان لله دام وبقي .. ما كان لله نفع العبد في الدنيا وفي الآخرة.
فينبغي على الإنسان إذا فتح أبواباً من أبواب الخير، أو أوقفه الله جل وعلا أمام باب من أبواب الخير أن يفكر أول ما يفكر في المتاجرة مع الله.
إن المتاجرة مع الله باقية، وهي الصدقة الطيبة الخالدة التي يثيب الله صاحبها عليها في الدنيا والآخرة إخلاص العمل لله.
وكم من عامل أحبط الله عمله بالرياء! وكم من عامل أحبط الله عمله بالثناء! فاشترِ ما عند الله جل وعلا، فإن الثناء كل الثناء من الله، وإن أعظم ما ينتظره العبد رضوان الله جل جلاله، ولذلك ورد في الحديث وإن كان قد تكلم بعض العلماء على إسناده ولكنه عبرة وعظة ومعناه صحيح: (أن العبد إذا أقامه الله يوم القيامة وذكره أعماله الصالحة، قيل له: قرِّب، فيقرب أعماله، فيقول الله: ما تقبلت منها شيئاً) نسأل الله السلامة والعافية.
وجاء في رواية أن الله تعالى يقول لـه: (اذهب فخذ أجرك ممن رائيته) اذهب وخذ الحسنات والأجور من ثناء الناس، خذ ما تريد من مدح الناس، خذ ما تريد من ذكر الناس، فاليوم لمن أراد الله والدار الآخرة، اشتر رحمة الله فإنها باقية خالدة تالدة.
|
|
|
|
|
القاعدة الثانية والتي لا يمكن للإنسان أن يكون من أهل المعروف إلا بها: أن يرزق الله العبد قلباً رقيقاً، القلب الرقيق الذي يفتحه العبد الصالح لهموم المسلمين وغمومهم، لن تستطيع أن تدخل تلك الأبواب التي فيها الرحمات وفيها عظيم الأجور والحسنات إلا بقلب رحيم بعباد الله المسلمين، إنها الرحمة التي قال الله جل وعلا يخاطب بها نبيه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].
أن يكون عند الإنسان قلب رقيق، قلب إذا جاءه المهموم بهمه لا يتحمل أن تفيض عيناه، وكأنه صاحب شكواه.
أن يكون عند الإنسان قلب يعيش أشجان المسلمين وأحزانهم، فإذا جاءه المكروب بكربه أو جاءه المهموم بهمه أو المغموم بغمه فتح له ذلك القلب الرقيق الرحيم؛ حتى تهون على صاحبه الدنيا فيشتري بها رحمه الله جل جلاله.
أن يكون عند الإنسان قلب يعطف على المسلمين ويرحم المسلمين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الله) الراحمون أي: الذين أكرمهم الله جل وعلا بلين القلوب، والعطف على عباد الله، والشفقة على خلق الله جل جلاله، فليكن الإنسان رحيماً بعباد الله.
إذا أتاك المهموم أو صاحب الحاجة أو المغموم فاعلم أن له فضلاً عليك يوم اختارك من بين الناس لهمه وغمه.
ولذلك قال ابن عباس : [ما سألني صاحب حاجة حاجته إلا اعتقدت الفضل لـه أن اختارني من بين الناس] اختارك من بين الناس لحزنه، واختارك من بين الناس لهمه وغمه، فأعطه من الحنان وأعطه من الرحمة والإحسان فوق ما يرجوه منك.
فإذا رزق الله الإنسان إخلاص العمل ورزقه قلباً رقيقاً بعباد الله رحيماً رفيقاً؛ تهيأت له أبواب الخيرات وتيسرت له سبل المكرمات جعلنا الله وإياكم منهم.
|
|
|
|
|
|
|
|
أما صنائع المعروف فهي أبواب عظيمة وكثيرة، ولذلك قال الله في كتابه: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148] فليست باباً واحداً، ولكنها أبواب كثيرة يعيشها المسلم مع هموم وغموم المسلمين لا يعلمها إلا الله جل جلاله، فلا تقتصر على إنفاق الأموال ولا تقتصر على ستر العورات وتفريج الكربات، ولكنها تعيش مع المسلم في كل خير وطاعة أمر الله بها ورسوله صلى الله عليه وسلم، كل خير يحبه الله ويحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو نفعٍ متعدٍ فإنه من صنائع المعروف.
|
|
|
|
إن أعظم معروف تبذله إلى الناس وأعظم خير تبذله إلى خلق الله الدعوة إلى الله جل جلاله، تقريب القلوب إلى الله وتحبيب عباد الله في الله أعظم ما يكون من الخير والمعروف، يوم ينقذ الله بك حائراً.. يوم يهدي الله بك ضالاً تائهاً.. يوم تأخذ إنساناً غريباً عن ربه بعيداً عن طاعته، فتأخذ بمجامع ذلك القلب إلى الله، فما ركع ركعة بين يدي الله إلا كان لك مثل أجره، ولا صنع خصلة من خصال الخير إلا أجرت على تلك الخصلة أياً كانت.
ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه يقام للرجل يوم القيامة ديوانه فتأتي أعمال كالغمامات فيقول: يا رب ما هذا؟ فيقال: سنن هديت إليها كان لك أجر من عمل بها) أي: سنن وخيرات دللت عليها وصنعت بها المعروف أجرت مثلما أجر أصحابها.
|
|
|
|
|
ومن صنائع المعروف بعد الدعوة إلى الله المعونة على الدعوة إلى الله، وذلك بحب العلماء ونشر فتاويهم وذكرهم بالجميل، وتحبيبهم إلى الناس وتقريبهم إلى قلوب الناس، فذلك من المعروف بالعلماء، وذلك من رد الجميل لهم ذكرهم بالجميل ونشر خيرهم بين الناس من أعظم الحسنات وأعظم الأجور المقربة إلى الله، فوالله لا يحب العلماء إلا الصالحون ولا يسعى لنشر خيرهم بين عباد الله إلا عباد الله المتقون، جعلنا الله وإياكم منهم.
|
|
|
|
|
ومن صنائع المعروف التي يحبها الله جل جلاله: السعي على الأرامل والأيتام التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فضلها كالصيام والقيام، يوم تسعى على الأرملة التي لا تجد من يعولها فتكفيها بإذن الله همها وغمها.. يوم تذكر تلك المهمومة المغمومة حزنها وشجاها بفقد ولدها فتجد من عباد الله المسلمين من يفرج همها وغمها بإذن الله رب العالمين.
والسعي على الأرامل والأيتام قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة واليتيم كالصائم النهار الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر) قال بعض العلماء: إنما فضل النبي صلى الله عليه وسلم السعي على الأرامل والأيتام بهذا الفضل لأن النفع متعدٍ، ومثل اليتيم والأرملة لا يجد من يعينه إلا الله جل جلاله، فإذا أهَّل الإنسان نفسه للسعي عليهم وتفريج كرباتهم والإحسان إليهم كان ذلك من أعظم الخير والبر.
|
|
|
|
|
ومن صنائع المعروف إعانة المكروب عند كربه، وذلك يكون بأمور كثيرة تختلف باختلاف الناس، باختلاف الأزمنة والأمكنة، فكل ذي حاجة جاءك في حاجته فأعنه على تلك الحاجة التي لا تغضب الله، فذلك من صنيع المعروف الذي يحبه الله جل جلاله، ويشمل ذلك ما كان بالأموال، وما كان بالجاه من الشفاعة الحسنة التي لا تحول بين حد من حدود الله، يوم يأتيك عبدٌ ضعيف يريد من جاهك أن تشفع شفاعة لا يؤثر بها على ذي حق، ولا يتوصل بها إلى مظلمة فتلك من الشفاعات المباركة.
وقال بعض العلماء: من زكاة الجاه والذكر الجميل، أن يسعى الإنسان في تفريج كربات الناس بذلك الجاه، من شكر نعمة الله بالجاه أن تبذله في تفريج الهموم وتفريج الغموم بالشفاعة الحسنة قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا [النساء:85] الشفاعة الحسنة التي تعين على إيصال الخير للناس وتفريج الهموم والغموم عن عباد الله من صنائع المعروف.
|
|
|
|
|
ومن صنائع المعروف التي يحبها الله جل علا: مواساة المصابين والمكلومين، فإن الإنسان إذا سمع عن أخيه أنه أصيب بمصيبة في نفسه أو أهله أو ولده؛ فعليه أن يؤهل نفسه لكي يقترب منه، فيذكره بحسن الثواب، وحسن العاقبة عند الله والمآب، علَّ ذلك يكون سبباً في صبره وسلوانه وعظم أجره عند ربه، فتثبيت القلوب عند الكربات وتثبيت القلوب عند المصائب من صنائع المعروف.
فالمسلم يحتاج من أخيه إذا نزلت به ضائقة أن يواسيه ويسليه، يحتاج من أخيه إذا نزل به همٌّ وغمٌّ أن يثبته، فإن القلوب إذا نزلت بها المصائب تزلزلت، إلا أن يثبتها الله جل وعلا من عنده، فإذا جاء العبد الصالح وذكّر أخاه بما عند الله من الأجر والمثوبة كان ذلك من أعظم المعروف الذي يسديه إليه.
|
|
|
|
|
ومن صنائع المعروف: الصلح بين الناس إذا تقاطعوا، والصلح بين الناس إذا تهاجروا، وقطع أسباب الضغائن والشحناء، وقطع أسباب الفتن والبغضاء، فإنها من أعظم الأمور المقربة إلى الله جل وعلا، والتي شهد الله من فوق سبع سماوات أنها خير النجوى، قال سبحانه وتعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء:114].
إنها لخطوات عزيزة عند الله يوم تسعى في لمِّ شملٍ قد تفرق .. يوم تسعى لجمع قلوب المؤمنين، فما أحوج الناس إذا وقعت بينهم الخصومات والنـزاعات إلى من يجمع شملهم .. إلى من يؤلف بين قلوبهم .. إلى من يقطع سبيل الشياطين عنهم .. إلى من يقف معهم لكي يذكرهم بما في العفو من الأجر عند الله جل جلاله!
فلذلك كان من أحب الأعمال إلى الله: السعي بالصلح بين الناس .. الصلح بين الزوجين .. الصلح بين المتخاصمين، فلا تعلم بقطيعة بين مسلم ومسلم إلا أهّلت نفسك للصلح بينهم، فإن الله يشكر خطوات الصلح ويحب أهلها ويثني عليهم كما أخبر الله جل وعلا بحسن الأجر لهم، وأن من احتسب أجره وثوابه عند الله أن الله يؤتيه أجراً عظيماً.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم مفاتيح للخيرات، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وتفريج الكربات، اللهم فرج عنا همومنا، وفرج عنا غمومنا، اللهم أصلح لنا أحوالنا إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على البشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: ذكرت في صنائع المعروف التصدق على الآخرين والمحتاجين، فهل يجوز للإنسان أن يتصدق وعليه ديون كثيرة، وقد خصص لها من راتبه الشهري، ولا يبقى منه إلا النفقة فقط، فهل يحل لـه الصدقة وهو في مثل هذه الحال؟
الجواب: الله أكبر! تسألوني وعندكم عالم العلماء وإمام الأئمة الشيخ محمد حفظه الله، أنا لا أفتي في الأحكام، ولن أفتي إن شاء الله بعد هذا السؤال في الأحكام، نسأل الله أن يحفظ الشيخ وأن يرعاه وأن يبقي خيره للإسلام والمسلمين، والله إني لأذوب خجلاً ووجلاً في بلد فيه مثل هذا العالم، أسأل الله أن يحفظه وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين كل خير.
أما الأحكام فجنبوني، فعندكم الشيخ حفظه الله، ولكن سلوني عن أمور القلوب، ومع ذلك والله إني لأعده من الخطأ أن أفتي في هذا المكان المبارك الذي فيه الشيخ، أسأل الله أن يحفظه، وأن يرعاه وأن يعلي قدره، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. فاعذروني رحمكم الله.
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: تكلمت وفقك الله عن صنائع المعروف، فهل القيام بهذه الصنائع أفضل من بعض القربات الخاصة بالإنسان التي يعملها الإنسان لنفسه، كطلبه للعلم وحفظه للقرآن وتدبره، وغير ذلك مما يعود أثره على الإنسان نفسه لا على الآخرين؟
الجواب: أخي في الله: ورد في السؤال أن طلب العلم منفعة للنفس وهذا محل نظر، فإن طلب العلم جمع الله فيه بين الفضلين: فضله على النفس وفضله للغير، ولذلك فإن طلب العلم أفضل من صنائع المعروف لأنه أشرفها وأعظمها وأعلاها وأجزلها ثواباً عند الله جل وعلا؛ لأنه أعظم المعروف.
فأعظم المعروف أن تأخذ بحجز القلوب عن النار، وأعظم المعروف أن تقرب العباد إلى رحمة الله الكريم الغفار، فأبشر بخير ما أنت فيه من طلب العلم، ففيه خير كثير.
ولكن كما قال العلماء: ينبغي على طالب العلم أن يمزج طلب علمه بشيء من الصالحات؛ مثل تفريج كربات المكروبين، والإحسان إلى الضعفاء والمحتاجين؛ فإن هذا يعينه على طلب العلم، ولذلك كانوا يستحبون لطلاب العلم أن يجمعوا بين الحسنيين لكن شريطة ألا يؤثر على طلب العلم، فاجعل لك صدقة في الشهر جارية .. ابحث عن بيت من بيوت الأيتام والأرامل تعطيه كل يوم طعاماً فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد:11-17].
فلذلك أوصيك أن تجمع بين الحسنيين توصي بالصبر والمرحمة عن علم حينما تتعلم العلم، وتقتحم العقبة فتفك الرقبة وتطعم في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة.
فيا أخي في الله: اجمع بين الحسنيين، والغالب في طالب العلم أنه إذا انشغل بطلب العلم وترك الأعمال الصالحة أن يكون علمه جافاً، ولذلك تجد بين طلاب العلم تفاوتاً كبيراً؛ فمن طلاب العلم من جمع الله لـه بين العلم وبين الإحسان، وهذا أعلى المراتب وأفضلها وأحبها، ومن طلاب العلم من عود نفسه من البداية على الاقتصار على نفسه، والاقتصار على تعليم الناس دون تفريج كرباتهم وقضاء حوائجهم، ودون السعي في مصالحهم وهو على خير، ولكن يفوته من الخير ما هو أعظم، فهذا حسن وهذا أحسن، وهذا فاضل وهذا أفضل.
فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين الحسنيين، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: أنا شاب أرغب في صيام يوم الإثنين والخميس، ولكن أكون مرتبطاً في المدرسة بإفطار جماعي مع الطلاب، وكذلك في يوم الخميس أرتبط مع عائلتي وأخشى إن انقطعت عنهم على نفسي من النفاق وأن يعلموا عني أني صائم، وكثيراً من الطاعات أتركها وأصرف نفسي عنها خشية من النفاق، فماذا علي وما العلاج في مثل هذا؟
الجواب: أوصيك بهذا الصيام الذي ندب إليه النبي صلى الله عليه وسلم واحتسب الأجر عند الله، وما تجده في نفسك من هذا الحديث فلعله وسوسة من الشيطان، احتسب عند الله الأجر وصم الإثنين والخميس واحتسب الثواب عند الله جل وعلا في صيامها، فإن وجدت شيئاً من الرياء أو شيئاً من العجب فاستغفر الله وتب إليه، فإن الله غفار لمن تاب ويصفح عمن ندم وأناب، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: كثير من الشباب ابتلي بالعادة السرية وأصبحت مزعجة لهم إزعاجاً شديداً، يقول: وأنا شاب ابتليت بهذه العادة ولم أستطع ترك هذه العادة، فما توجيهك لي ولإخواني جزاك الله خيراً، وكيف العلاج في تركها؟
الجواب: أولاً أحب أن أنبه على أمر مهم وهو الوصف لقولك: كثير من الشباب، لقد اتهمت الشباب والله سائلك عن هذه التهمة، عليك نفسك وقل: إني أجد هذا البلاء في نفسي فلا تقل: كثير من الناس، فإن الأخيار إن شاء الله هم أقرب إلى الخير، فلعل سامعاً أن يسمع هذا السؤال فيظن بالأخيار سوءاً، وأرجو من الله أنهم خير من ذلك وأرفع، ولا يحكم الإنسان إلا على نفسه.
أما الأمر الثاني: فإن الذنب إذا بلي به العبد ينبغي عليه أن يتفقد نفسه، فإن الله لا يخذل الإنسان بذنب إلا بسبب بينه وبين الله، فتفقد نفسك وحالك مع الله جل وعلا، واقترب من الله جل وعلا حتى يعينك على التخلص من هذا البلاء، وخذ بالأسباب:
أولاً: ألا تخلو بنفسك قدر المستطاع، فإنه قد حكى بعض الإخوان ممن بلي بهذا البلاء أنه ما وجد شيئاً مثل إشغال نفسه بأكثر الوقت، وأنه لا يقدم إلى بيته إلا في ساعة متأخرة منهكاً متعباً حتى يرتاح وينام، فهذه من الأسباب التي تعين على ترك هذه المعصية.
ثانياً: ذكر الآخرة وخشية الله جل جلاله، وهي من أعظم الأسباب، أن تذكر أنه تمر عليك مثل هذه الساعة وأنت ضجيع اللحد والبلاء، هل يسرك أنك فعلت هذا الفعل؟ وأنه قد تمر عليك هذه الساعة وأنت في سكرات الموت وشدة الموت وآخر نظرتك إلى الدنيا، هل تتمنى أنك فعلت هذا الفعل؟ الآخرة هي التي تهذب سلوك المؤمن .. كثرة ذكر الآخرة .. ذكر الموت وسكرته، والقبر وضغطته، والحساب وشدته، والصراط وزلته، والجبار وسؤاله وهيبته، كل ذلك يعين على كبح جماح النفس على معصية الله.
والناس في خوف الله وذكر الآخرة مراتب:
فإن كمل خوفك وأصبحت كثير الذكر للآخرة كمل ردع الآخرة لك عن الأمور التي لا ترضي الله جل وعلا، كلما كمل خوف الإنسان من الآخرة كلما كان ذلك أحصن لفرجه وأعف لنفسه، فلا زال ذكر الآخرة بأهله حتى أخرجهم من الدنيا أعفة عن الحرام .. أعفة عن الفواحش والآثام، أكثر من ذكر الموت وذكر سكرته، وذكر القبر وضغطته، وكذلك الحساب وفجعته وشدته، فإن ذلك من أعظم الأسباب التي تحول بين هذا الإنسان وبين الخطايا، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يمن علينا وعلى المسلمين جميعاً بصلاح الأحوال، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: ما معنى هذا الحديث إن كان حديثاً: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) أرجو شرح هذا الحديث شرحاً وافياً؟
الجواب: أما هذا الحديث فقد تكلم العلماء رحمهم الله على سنده، فهو حديث ضعيف ولكن معناه صحيح، فهو صحيح المعنى لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار) فأخبر أن الصدقة تطفئ غضب الرب، والصدقة من صنائع المعروف.
وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها -في صلاة الكسوف- (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس إذا كسفت الشمس أن يدعوا وأن يصلوا وأن يتصدقوا)، فدل هذا -كما يقول العلماء- على أن أعظم أسباب الخير الصدقة وفعل المعروف.
وأذكر حادثة قصها رجل من أصدقاء الوالد غريبة جداً، وسمعته بأذني يحكيها للوالد رحمة الله عليهما -فقد توفيا- يقول هذا الرجل -أحسبه من الأخيار والصالحين وهو رجل كان أميراً في قومه- أنه كان نازلاً من الطائف إلى مكة في يوم الجمعة وكان معه ابنه، فأراد الله عز وجل أنه رأى رجلاً ضعيفاً، فقال لابنه: قف لهذا الضعيف، فكأن الابن رأى إلى رثاثة حال هذا الضعيف وما هو عليه من الملبس الرث، فكره أن يركب معه في هذه السيارة الفارهة.
يقول الوالد: فعلمت ما في نفس ابني، فلما ركب الرجل ذكرت ابني بصنائع المعروف، وأن الله يقي بها مصارع السوء، وأن الله يحفظ بها، وأن الله يلطف بها، فلما دخلنا إلى مكة ونحن في أشد ما تكون السيارة في السرعة لندرك الجمعة، وإذا بطفل أمام السيارة تماماً لا نستطيع أن نفر عنه، فمرت عليه السيارة، فأصابه شيء من الرعب، فتوقفنا على أن الابن قد قضى ومات، وإذا به قائم على رجليه ليس به أي بأس.
يقول: فلما ركبت السيارة انكفأت على وجهي وأنا في حالة لا يعلمها إلا الله، قلت: يا بني والله ما أعرف لك إلا هذا المعروف الذي فعلته فحفظنا الله وإياك به.
وهذا عاجل ما يكون في الدنيا، فالله يلطف، وغالباً إذا رحم الإنسان عباد الله لطف به الله عز وجل، والقصص في ذلك كثيرة جداً في لطف الله، وأن صنائع المعروف يحفظ الله جل وعلا بها، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: أنا شاب قليل الانتباه لصلاة الفجر، مع أني أفرح لصلاة الفجر، فبماذا تنصح الذين يقصرون في صلاة الفجر، حتى إنه في بعض المساجد لا يصلي إلا ثلاثة في صلاة الفجر، مع أن حول المسجد ما يقارب الثلاثين منـزلاً، وما هي الأسباب المعينة على مجاهدة النفس في أدائها؟
الجواب: بكل اختصار أولاً: لا يمكن للإنسان أن يشهد الصلوات ويحافظ عليها إلا بكمال الإيمان، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن المنافقين: (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) فالإيمان هو الذي يحرك القلوب لشهود الصلوات مع الجماعة.
ثانياً: احتساب الأجر والثواب، ولذلك قال العلماء: إن الإنسان يحافظ على الخير إما رغبة أو رهبة، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر رغبتهم في الدنيا، فقال: (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً) فإذا استشعرت ما في الصلاة مع الجماعة من عظيم الأجر والرحمة والرضا من الله جل وعلا أعانك ذلك على ترك الفراش والمبادرة إلى الصلاة.
ثالثاً: كثرة الخطا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ وذكر منها: كثرة الخطا إلى المساجد)، فخروجك إلى الصلاة مع الجماعة، واحتسابك للأجر في كثرة الخطا وشهود الصلاة، فإن شهدتها من أول ما تكون من تكبيرة الإحرام والتأمين مع الإمام وغير ذلك من الفضائل كان ذلك أعظم حظاً لصاحبها.
إن استشعار هذا الثواب من الله جل وعلا هو الذي يحرك الإنسان لما عند الله، لكنه لم يكن إلا بإيمان، فإذا كان عند الإنسان إيمان وشعور بالثواب من الله عز وجل حركه إلى المبادرة والمسارعة إلى مثل هذه الصلوات.
رابعاً: الأخذ بالأسباب، فمن أعظم الأسباب النوم مبكراً، فقد قرر العلماء أنه إذا كان سهر الإنسان ولو في النوافل يؤدي إلى ضياع صلاة الفرض أنه لا يجوز له أن يسهر، لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فإذا كان سهر الإنسان يؤدي إلى ضياع صلاة الفجر فلا يجوز له السهر إلا من ضرورة ملحة، فإن سهر وضع بجواره منبهاً أو يوصي أحداً أن يوقظه، أو يوصي جاره، أو يوصي إمام المسجد أو مؤذن المسجد أو نحو ذلك، أو من يتصل عليه، يأخذ بالأسباب، فإذا أخذ بذلك فإن الله يعينه.
والأصل في هذا حديث أبي حذيفة في الصحيحين : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرس في مقدمه من غزوة، قال: يا بلال اكلأ لنا الليل) قال العلماء: في هذا دليل على أنه يجب على الإنسان إذا تأخر نومه أن يهيئ الأسباب لاستيقاظه بتوصية من يوقظه، ومن هذه ما تيسر الآن من وجود المنبهات ونحوها، وهذه من الأمور المهمة التي يجب على الإنسان أن يحافظ عليها حتى تعينه على صلاة الفجر.
خامساً: يقول بعض العقلاء والحكماء: إن من الأمور التي تعين على الاستيقاظ أن الإنسان يجعل في نفسه الرغبة في القيام، فإنه إذا جعل في نفسه ذلك دعاه إلى القيام، وهذا مجرب فإنك إذا نمت وفي نفسك أن تقوم آخر الليل أعانك الله على قيام آخر الليل، وإذا جعلت في نفسك أن تقوم لصلاة الفجر أعانك الله على قيام صلاة الفجر، ولذلك تجد الكثير إذا وضع في نفسه أنه يقوم لاختباره أو لامتحانه قام بكل سهولة ويسر، نسأل الله السلامة والعافية.
فلذلك ينبغي على الإنسان أن يأخذ بالأسباب، وإذا أخذ الإنسان بالأسباب أعانه الله جل وعلا، وأجر عليها وكفي المئونة والذنب، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|
السؤال: نحن هاهنا قد اجتمعنا في بيت من بيوت الله، ونتفرق إلى بيوتنا وأولادنا وأطعمتنا وأمننا وأماننا، ولنا إخوة في شتى بقاع المسلمين كـالبوسنة والهرسك و إريتريا و فلسطين وغيرها من بلدان المسلمين لا يجدون مثل هذا، فهل من دعاء وتوجيه للإخوة في إرخاء أيديهم في دعمهم؟ وهل من دعاء في هذا الجمع المبارك لإخواننا خصوصاً في البوسنة والهرسك، فنحن في فصل الشتاء نعلم أنه قد مات منهم الكثير بسبب الجوع والبرد، رقق قلوبنا رقق الله قلب الحاضرين وقلبك، ونفعنا بدعائك وتقبل من الجميع؟
الجواب: اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، يا من عز جاهك! وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله غيرك.
يا ذا الحبل الشديد! يا مبدئ يا معيد! يا جبار يا قهار! يا واحد يا أحد! يا فرد يا صمد! يا من عجت ببابك الأصوات! وفرجت منك الهموم والغموم والكربات، يا من أنت السند والعضد! وأنت الملجأ والمنجى والمهرب، أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى وجلالك العظيم، اللهم مُنَّ على إخواننا في البوسنة والهرسك بالصبر والثبات، اللهم ارحم موتاهم، اللهم تقبل شهدائهم، اللهم استر عوراتهم، اللهم آمن روعاتهم، اللهم إنهم خائفون فأمنهم، اللهم إنهم متفرقون فاجمعهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم داو جرحاهم، وارحم موتاهم، والطف بنا وبهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم عليك بالصرب ومن شايعهم، اللهم أحصهم عددا، اللهم اقتلهم بدداً، اللهم لا تغادر منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك في الدنيا قبل الآخرة، اللهم شتت شملهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم ألق الرعب في قلوبهم، اللهم انتقم منهم فإنك عزيز ذو انتقام، اللهم أنزل بهم بأسك الشديد، وعذابك الأكيد، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل الرعب في قلوبهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: فضيلة الشيخ! قد كنا بانتظارك من بعد صلاة المغرب ونرجو منك زيادة الكلمة وإعطاءنا وقتاً وإن كان فيه شيء عليك من التعب، ولكن قد اجتمعنا لنسمع منك، وأصحاب المباريات لا يقبلون أن ينقص زمن اللعب، فنحن والله أولى بذلك، لا سيما وأننا في ليل الشتاء، وليل الشتاء طويل فنرجو من فضيلة الشيخ أن يكرمنا من وقته جزاه الله خير الجزاء؟
باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فلا أحب في المحاضرة أن يكون الحديث لي وحدي، بل يكون هناك طرف للأسئلة، علَّ أن يكون الأجر للجميع، فمن سأل لـه أجر مثل أجرنا، وهذا من صنائع المعروف، أسأل الله العظيم أن يكتب خطاكم وأن يقرن بطيب الجنة مسعاكم، لا خيبكم الله، وأسأل الله بعزته وجلاله أن يجعل كل خطوة خطوتموها درجة في الجنان، موجبة للروح والريحان والحب منه والرضوان.
أما أنا فبين أيديكم، وما جئت إلا شوقاً إليكم، فأسأل الله أن يدخلنا بهذا الشوق والحب فيه إلى الجنان، وأن يمتعنا بها وإياكم في الرضوان، وما يمنعني أن يكون هناك مشاركة في الأسئلة، وهذا أفضل من أن يكون الحديث مني وحدي.
|
|
|
|
|
السؤال: من صنائع المعروف تلذذ العبد بالخلوة مع الله تعالى، وأنا عبدٌ قد حُرمت قيام الليل وصيام النهار، رغم أن الشتاء ربيع المؤمن فما توجيهك لي ولإخواني المسلمين؟
الجواب: أخي في الله: ما ألذ العبودية لله، فلقد ذهبت من الدنيا حلاوتها ومضت طلاوتها ولم يبق إلا مناجاة الله، لقد تغير الزمان وكثرت الفتن، ولم يبق إلا الأُنس بالله الواحد الديان، إن مناجاة الله خاصة إذا هدأت العيون وسكنت الجفون ولم يبق إلا الحي القيوم، إنها ساعة وأي ساعة هي الساعة التي دمع عليها الأخيار آخر الدموع من الدنيا، فقال قائلهم: والله لا أبكي على فراق الدنيا فما غرست فيها الأشجار، ولا أحبها لغرس الأشجار ولا لجري الأنهار ولكن لمكابدة الأسحار وظمأ الهواجر.
ما ألذ الساعة التي يقوم فيها ولي الله من حبه وزوجه؛ لكي يناجي الله جل جلاله، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن العبد إذا قام في الليل من عند زوجه لكي يتعبد ويتذلل لله ويناديه ويناجيه، يقول الله: يا ملائكتي عبدي ما الذي أقامه من حبه وزوجه وفراشه؟ قالوا: يرجو رحمتك ويخشى عذابك، قال: أشهدكم أني أمنته من عذابي وأصبته برحمتي).
ما ألذها من ساعة حين يقف العبد بين يدي الله جل جلاله وقد رمى بالدنيا وراء ظهره يناجيه ويناديه بذلك الكلام العظيم، حين يقرأ القرآن فينقله القرآن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ينقله مع أهل النعيم والرضوان المقيم، ينقله إلى مراتع جنات الخلود مع المقربين الشهود، وكأن نسماتها تحركت.
ما ألذها من ساعة حينما يتلذذ العبد بكلام الله جل جلاله، إنها ساعة الصدق، فلا تراك عين ولا تسمعك أذن، ولا يعلم بك أحد إلا الله جل جلاله.
ما ألذها من ساعة، والله لو أن العبد صدق مع الله جل وعلا وابتدأ قيام الليل لربما بزغ عليه الفجر وهو لا يشعر بنفسه، وأذكر عن الوالد رحمة الله عليه أنني تذاكرت معه في قراءة القرآن في الليلة الواحدة: هل يختم الإنسان القرآن في ليلة واحدة؟ وأحرجته وألححت عليه في السؤال، قال: والله يا بني لقد كنت أخرج من المسجد بعد العشاء وأستفتح قيام الليل وفي ركعة واحدة لا أشعر إلا وأني في آخر القرآن عند السحر، من لذة مناجاة الله جل جلاله، إنها اللذة التي لا يعلم حلاوتها إلا من ذاقها.
جرِّب فوالله إنك ستحس بحقارة الدنيا وأن هناك متعة غير متعتها، ومع هذا كله فعاقبة السجود وعاقبة الركوع إذا صار الناس إلى الهجود رضوان الله الواحد المعبود، مع هذا كله لربما بزغ عليك الفجر وأنت قائم بين يدي الله في شدة البرد أو ضيق الحر فلم تنفتل من السجدة الأخيرة إلا ربما تنفتل من ذنوبك كيوم ولدلتك أمك، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إن العبد إذا توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه -في إحدى الروايات- ثم سلم إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
قيام الليل هو دأب الصالحين الذين عرفوا قيمة الآخرة وقيمة الدنيا، مزارع للآخرة يشتري العبد بها رحمة الله في ركعة أو سجدة أو في تسبيحة أو استغفار، فنسأل الله بعزته وجلاله أن يرزقنا هذه اللذة، وأن يجعلنا من أهلها وأن يميتنا عليها، والله تعالى أعلم.
|
|
|
|
|