|
إن تقوى الله عز وجل تؤدي إلى نيل أعلى درجات الإيمان، إذ لا يعظم إيمان المرء إلا بهذه الخصلة. ومن عظمت تقواه لله تعالى حجبته عن المحرمات وقربته من الطاعات وبها يحصل العبد على معية الله في الدنيا والآخرة.
ولما كانت التقوى بهذه المنزلة كانت وصية الله بها للأولين والآخرين، وعليها كانت وصية الصالحين لبعضهم البعض. وكانت خير وصية يوصي بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته في كل وقت وحين. |
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان والتقوى كما أغثت أرضنا بالمطر والخير، نحن الآن نسمع هطول المطر في هذه الساعة المباركة، وهي ساعة استجابة، فنسأل الله الذي لا إله إلا هو كما أغاث أرضنا أن يغيث قلوبنا! فوالله الذي لا إله إلا هو إن قلوبنا لهي أحوج إلى غيث الإيمان من الأرض إلى غيث المطر! فلقد أقفرت القلوب وقست، وتحجرت العيون، وأصبحنا في وضع يشكى فيه إلى الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
إن الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة، ولكنا نطمع بالمزيد، ففي هذه الساعة ندعو الله ونبتهل إليه أن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأطلب من الإخوة الكرام الذين هم الآن في المسجد وفي ساحة المسجد المغطاة أن يتقاربوا حتى يدخل إخوانهم من المطر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة:11] بإمكان المسجد أن يستوعب إن شاء الله كل من حضر، فتقاربوا حتى لا يبقى مكان، وفي صلاة العشاء إن شاء الله يكون الخير.
أيها الإخوة في الله: التقوى والخشية والخوف والمراقبة لله عز وجل هي المجالات التي تسابق فيها الصالحون من عباد الله، والتي تباين فيها الناس، فعاش أقوام في القمم من التقوى؛ فأصبحوا عند الله أفضل من الملائكة، وحرم منها أقوام فعاشوا -والعياذ بالله- عند الله أسوأ من البهائم والحيوانات. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
عنوان الدرس في هذه الليلة (اتق الله حيثما كنت) وهذه الجملة جزء من حديث رواه الترمذي في السنن وقال عنه: بأنه حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، وهذا الحديث من رواية أبي هريرة و أبي ذر الغفاري جندب بن جنادة و معاذ بن جبل رضي الله عنهم. |
|
|
|
أبو هريرة رضي الله عنه راوي أكبر قدر من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي ؛ من دوس من بلاد زهران، أسلم في السنة السابعة، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنوات فقط، لكنها كانت أربع سنوات مملوءة علماً، فروى أكثر السنة، وكان متخصصاً في حفظ وفهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش فقيراً في الصفة ، فلم يكن له بيت ولا مزرعة ولا غنم ولا جمال، وإنما عنده حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يجلس في الصفة يتعلم العلم، ويدخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بغير استئذان.
هذا الرجل العظيم يقول: (خرجت يوماً من المسجد وأنا جائع، ووالله إني كنت أتقلب على الأرض وأتلوى وكأن بي مساً من الجن، ووالله ما بي مس من الجن وما بي إلا مس الجوع، فمر أبو بكر من عندي فسألته عن آية، ووالله إني لأعرف معناها، ولكن أردت منه أن يستتبعني -أي: يقول: تفضل- قال: فأخبرني بمعنى الآية ولم يستتبعن) يقول: ما قال: تفضل، وليس أبو بكر بخيلاً رضي الله عنه، ولكنه ما كان لديه شيء فكل ماله ينفقه في سبيل الله، وكل شيء يأتيه يحوله إلى الآخرة.
قال: (ثم خرج عمر رضي الله عنه، فتبعته وسألته عن الآية لكي يستتبعني، فأعطاني علم الآية ولم يستتبعن، قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن الآية فأخبرني، ثم قال: اتبعن يا أبا هريرة -صلوات الله وسلامه عليه، وهذا نبي وليس في بيته شيء- فلما دخل البيت قال: أعندكم شيء؟ قالت: لا. ثم ذهب إلى الأخرى، قال: أعندكم شيء؟ قالت: لا. ثم الأخرى: أعندكم شيء؟ قالت: لا. حتى دخل على واحدة من نسائه صلوات الله وسلامه عليه، قالت: نعم. عندنا قليل من اللبن أهداه لنا رجل من الأنصار -جفنة صغيرة من اللبن جاءت هدية إلى النبي من بيت أحد الأنصار- قال: أحضريه؛ فأخذه.
ولما رآه أبو هريرة فرح وقال: سأشرب منه حتى أشبع، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا هريرة : اذهب إلى أهل الصفة وائتني بهم، قال أبو هريرة: فحزنت حزناً كبيراً، وقلت: ما تصنع هذه الجفنة في أهل الصفة وأنا ساقيهم لن تبقى لي شربة واحدة منها، قال: فجاء أهل الصفة وهو سبعون رجلاً، وجلسوا صفاً واحداً في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الجفنة وقال: يا أبا هريرة : أدر الجفنة واسق القوم، قال: فأعطيت الأول فشرب حتى شبع، ثم نقلتها إلى الثاني .. ووالله ما نقصت قطرة واحدة -يشربون منها وهي مكانها لا ينقص منها شيء، وهذه من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم- قال: فشرب السبعون كلهم، حتى انتهوا ولم يبق إلا أنا والنبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: بقيت أنا وأنت يا أبا هريرة ! قلت: نعم يا رسول الله! قال: اشرب يا أبا هريرة ! قال: فشربت حتى شبعت ثم تركت الإناء، قال: اشرب يا أبا هريرة ! قال: فشربت حتى شبعت ثم تركت الإناء، قال: اشرب يا أبا هريرة -وهذه المرة الثالثة وهو لا يعصي الرسول- قال: يا رسول الله! والله لا أجد له مسلكاً -يقول: عبأت المسالك كلها والآن لا أجد له مكاناً، فأين أذهب به؟- فضحك صلوات الله وسلامه عليه حتى بدت أسنانه صلى الله عليه وسلم) هذا الرجل العظيم يحدث بهذا الحديث. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
يغلب استعمال التقوى عند التحذير من المعاصي، أي: إذا وجدت أحداً يريد أن يعمل معصية، تقول له: اتق الله، أي: خف الله خصوصاً الصغائر؛ لأن الصغائر يقع فيها الإنسان وهو لا يشعر. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
جاء رجل إلى شقيق البلخي وقال له: إن ذنوبي كثيرة، وقلبي قاسٍ، وعيني متحجرة، ولا أبكي من خشية الله، وأقع في المعاصي فعظني، قال له: إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من أرض الله قال: أين أذهب والأرض كلها لله؟ قال: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله. قال: ومن أين آكل إلا من رزق الله؟ قال: إذا أردت أن تعصي الله وأنت تسكن في أرضه وتأكل من رزقه، فاذهب إلى مكان لا يراك فيه أحد. قال: وأين أذهب والله يراني في كل مكان؟ قال: إذا أردت أن تعصي الله وأنت تسكن في أرض الله وتأكل من رزقه وهو يراك، فإذا جاء ملك الموت يقول لك: قد حان موتك، فقل له: لا. لن أذهب معك، أنا رجل لا أحب القبور، أنا أحب القصور والزوجات، أما القبور فليس فيها إلا وحشة، أنا لا أستطيع أن أنام في غرفة أو عمارة لوحدي، قال: لن يطيعني ملك الموت فيما أريد. قال: إن أردت أن تعصي الله وأنت تسكن في أرضه وتأكل من رزقه وهو يراك، وتعرف أنه سيدعوك بالموت، فإذا أمر الله الملائكة يوم القيامة أن يأخذوك إلى النار فارفض أن تذهب معهم! وقل: والله لا أدخل النار، أنا رجل أريد الجنة، هل يطيعونك يوم القيامة؟ قال: لا؛ لأن الله يقول: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6] قال العلماء: غلاظ في الخلقة، شداد في الأخلاق.
قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، وإن الملك الواحد ليأخذ بيده هكذا فيلقي سبعين ألفاً في النار).
راود أعرابي امرأة في الصحراء وقال لها: لا يرانا إلا الكواكب، وهي تمتنع وتقول: لا. قال: لا أحد يرانا إلا الكواكب والنجوم، قالت له: فأين مكوكبها؟! أي: أين الله الذي يراك، إن كان لا يراك إلا النجوم والكواكب فإن الله الذي خلقها وكوكبها يراك؟
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير في طريق ومعه الأحنف بن قيس، فمروا على راعي غنم فقال له عمر: يا راعي الغنم! بعنا شاة من هذه الغنم، فقال الراعي: إنني والغنم مملوكين لسيدي ولا أملك شيئاً، فقال: بعنا شاة وقل: أكلها الذئب، فرفع الغلام بصره إلى السماء وقال: وأين الله؟ فبكى عمر رضي الله عنه حتى اخضلت لحيته، وذهب إلى سيد هذا الراعي واشتراه وأعتقه، وقال: كلمة أعتقتك في الدنيا وأرجو الله أن تعتقك من النار يوم القيامة.
والناظم يقول:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تتابعـت ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضـى ويأذن في توباتنا فنتوب
وقال الآخر:
أقول إذا ضاقت عليَّ مذاهبـي وحل بقلبي للهموم ذنوب
لطول جنايتي وعظم خطيئتـي هلكت وما ليَّ في المتاب نصيب
يذكرني عفو الكريم عن الورى فأحيا وأرجو عفوه وأنيب
فأخضع في قولي وأرغب سائلاً عسى كاشف البلوى عليَّ يتوب
يا مدمن الذنب أما تستحـي والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا
المقصود أيها الإخوة: أنه صلى الله عليه وسلم لما أوصى معاذاً بهذه الوصية العظيمة، أمره بتقوى الله سراً وعلانية، قال: (اتق الله حيثما كنت) في الليل والنهار، والسر والجهار، والخلوة والجلوة، والسماء والأرض، وكل مكان.
اتق الله في نظرك فلا تطلقه فيما حرم الله، واتق الله في أذنك فلا تسمع بها ما حرم الله، واتق الله في لسانك فلا تتكلم به فيما حرم الله، واتق الله في فرجك فلا تطأ به ما حرم الله، واتق الله في قدمك فلا تسر بها إلى ما حرم الله، واتق الله في يدك فلا تمدها إلى ما حرم الله، واتق الله في زوجتك فلا تأمرها بمعصية الله، واتق الله في ولدك فلا تربه على معصية الله، واتق الله في بيتك فلا تملأه بمعصية الله، واتق الله في عملك، وأخلص فيه حتى يكون دخلك حلالاً، واتق الله في كل شيء ... اتق الله حيثما كنت.
ونقول أيضاً للمرأة المسلمة، لعلها تسمع في هذا المسجد أو في خارج المسجد من خلال الشريط:
اتقي الله أيتها المرأة المسلمة في صلاتك فلا تضيعيها، وحجابك؛ فإن الحجاب دين، وليس موضة ولا تقليداً ولا عرفاً ولا عادة، الحجاب دين الله وشريعته، الحجاب الساتر هو ما يستر المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها، اتقي الله في حجابك، اتقي الله في عباد الله ولا تؤثمي العباد، ولا تعرضين العباد للمعصية؛ لأن المرأة إذا تبرجت وخرجت ورآها الناس عرضتهم لمعصية الله، فقد كانت سبباً في معصية الله، ما من عين تنظر بها إلا سمر الله في كل عين وجسد مسماراً من نار يوم القيامة.
اتقي الله في أولادك وربيهم على طاعة الله، واتقي الله في زوجك في طاعته، وحفظ عرضه وماله وولده، اتقي الله أيتها المؤمنة في كل شئونك، حتى تدخلي الجنة وتكوني من المتقين لله عز وجل.
|
|
|
|
|
المقصود أيها الإخوة: أنه صلى الله عليه وسلم لما أوصى معاذاً بهذه الوصية العظيمة، أمره بتقوى الله سراً وعلانية، قال: (اتق الله حيثما كنت) في الليل والنهار، والسر والجهار، والخلوة والجلوة، والسماء والأرض، وكل مكان.
اتق الله في نظرك فلا تطلقه فيما حرم الله، واتق الله في أذنك فلا تسمع به ما حرم الله، واتق الله في لسانك فلا تتكلم به فيما حرم الله، واتق الله في فرجك فلا تطأ به ما حرم الله، واتق الله في قدمك فلا تسر بها إلى ما حرم الله، واتق الله في يدك فلا تمدها إلى ما حرم الله، واتق الله في زوجتك فلا تأمرها بمعصية الله، واتق الله في ولدك فلا تربه على معصية الله، واتق الله في بيتك فلا تملأه بمعصية الله، واتق الله في عملك، وأخلص فيه حتى يكون دخلك حلالاً، واتق الله في كل شيء ... اتق الله حيثما كنت.
ونقول أيضاً للمرأة المسلمة، لعلها تسمع في هذا المسجد أو في خارج المسجد من خلال الشريط:
اتقي الله أيتها المرأة المسلمة في صلاتك فلا تضيعيها وحجابك؛ فإن الحجاب دين، وليس موضة ولا تقليداً ولا عرفاً ولا عادة، الحجاب دين الله وشريعته، الحجاب الساتر هو ما يستر المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها، اتقي الله في حجابك، اتقي الله في عباد الله ولا تؤثمي العباد، ولا تعرضين العباد للمعصية؛ لأن المرأة إذا تبرجت وخرجت ورآها الناس عرضتهم لمعصية الله، فقد كانت سبباً في معصية الله، ما من عين تنظر بها إلا سمر الله في كل عين وجسد مسماراً من نار يوم القيامة.
اتقي الله في أولادك وربيهم على طاعة الله، واتقي الله في زوجك في طاعته، وحفظ عرضه وماله وولده، اتقي الله أيتها المؤمنة في كل شئونك، حتى تدخلي الجنة وتكوني من المتقين لله عز وجل. |
|
|
|
|
|
|
|
تقوى الله عز وجل -أيها الإخوة- هي جماع كل شيء، وهي في السر كما هي في العلن، ولها تأثير على قلوب الناس؛ لأن من أضمر التقوى وأظهرها وعمل بها؛ قذف الله له النور في الأرض، وألقى الله له الحب والقبول في الأرض.
وما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها سراً أو علانية. وما من شيء تخفيه إلا والله يظهره، يقول أبو الدرداء : [ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، قيل: كيف؟ قال: يخلو بالمعاصي فيلقي الله له البغض في قلوب الناس] فانتبه من معاصي الخلوة، فإنها مصيبة تنعكس مباشرة على الناس فيعرفونها فيك، ويقول الرسول عليه السلاة والسلام كما في حديث ثوبان والحديث في مسند أحمد ، قال: (يؤتى برجال يوم القيامة معهم حسنات كأمثال جبال تهامة ، فيقول الله لها: كوني هباءً. قالوا: لم يا رسول الله؟! قال: كانوا إذا خلوا بالله بارزوه بالعظائم) أي: هذه مصيبتهم أنهم يصلون ويصومون، ولكنهم إذا انفردوا ووقع بينهم وبين الناس حجاب، فإنهم لا يذكرون أن الله يراهم.
أما المؤمن التقي لو كان في البحر وليس معه أحد فلا يمكن أن يقع في معصية الله؛ لأنه يستشعر مخافة الله، ويضع مراقبة الله بين عينيه! هذه هي التقوى، وإذا عمل الإنسان هذا ألقى الله عز وجل له القبول والحب.
يقول أحد السلف: [إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه فيعرفون أثر ذلك] وهذا من أعظم الأدلة على وجود البارئ تبارك وتعالى، وقال أحد السلف: [إني لأعصي الله فأرى ذلك في سلوك زوجتي وخلق دابتي] يقول: الدابة والمرأة تعصيني، لماذا؟ لأني عصيت الله، لكن إذا لم تعصِ الله فإنك تجد كل شيء طيب، حتى ضرار الأسد في الغيران، كما يقول:
خافوا الإله فخافهم كل الورى حتى ضرار الأسد في الغيران
كان صلة بن أشيم العدوي رضي الله عنه من خيار المتقين، فهو شهيد وأبوه شهيد، كان يصلي في الليل في الغابات؛ وكان يقاتل في النهار وفي الليل يصلي، وفي ليلة من الليالي جاء يصلي فجاء أسد فشم الأسد رائحة الرجل وقرر أن يفترسه، فاقترب منه فكان يحطم الأشجار حتى وقف عنده، فما استطاع أن يتحرك أو يتقدم، فانتهى من الصلاة ونظر إلى الأسد وقال: أيها الكلب امض لما أمرك الله به، لا تشغلنا عن صلاتنا، ثم رجع وكبر، فقام الأسد يلوي ذيله ويزأر زئيراً يحطم الجبال، وتركه وذهب. ولكن بعض الناس عندما يصلي وينظر بعوضة، يرميها بيده ولا يستطيع أن يترك البعوضة، فكيف بهذا الذي ما أشغله أسد أتاه ثائراً.
يقول هذا الرجل: [إني لأعصي الله فأرى أثر ذلك في سلوك زوجتي، وخلق دابتي].
ومن أغرب وأعجب ما روي: عن أبي جعفر السائح، قال: كان حبيب أبو محمد تاجراً، فمر ذات يوم بصبيان وهم يلعبون، فقال بعضهم: جاء آكل الربا -تاجر صيرفي، فمر على أطفال صغار وهم يعرفونه لكن أحدهم نظر بنور الله فقال: هذا يأكل الربا- قال: فرجعت وقلت: يا رب! أفشيت سري إلى الصبيان، فرجع هذا الرجل يبكي وقال: سري الذي لا يعرف به أحد أفشيته حتى عرفه الأطفال! كيف عرفوا أني أرابي؟!! ثم جمع ماله وقال: يا رب! إني أسير وإني أفتدي وأشتري نفسي منك بهذا المال، فأعتقني يا مولاي، ثم أصبح وتصدق بالمال الذي عنده كله، ثم مر في اليوم الثاني على الصبيان وهم يلعبون، فلما رآهم قال أحد الصبيان: اسكتوا. جاء العابد، فبكى وقال: يا رب! أنت تذم مرة وتحمد مرة وكل ذلك عندك.
فيا أخي! عليك أن تراقب الله حتى يمدحك الله، وإياك أن تراقب الناس وتبارز الله بالمعاصي، وتستخفي من الناس ولا تستخفي من الله، فإذا ذمك الله فلا ينفعك مدح العالمين، وإذا مدحك الله فلا يضرك ذم العالمين، فإن الحياة والموت، والضر والنفع، والإعطاء والمنع، والخفض والرفع بيد الله، والناس لا يملكون لأنفسهم موتاً ولا حياةً، ولا بعثاً ولا نشوراً، بل كل شيء بيد الله، فراقب الله واتق الله حيثما كنت، أقولها بدءاً وختاماً، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا تقواه.
اللهم ارزقنا تقواك واجعل تقواك بين أعيننا يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وأشكر باسمكم جميعاً مركز الدعوة والإرشاد بمنطقة جدة ، وفي مقدمة العاملين به فضيلة أخي الشيخ الداعية علي الحكمي على هذه الجهود المباركة المشكورة التي يبذلونها في سبيل دعوة المسلمين، والتي من أبرزها تنظيم هذا البرنامج الشتوي الطيب المناسب الذي غطى كامل الليالي، واستمتع به المؤمنون الذين جاءوا إلى جدة من أجل أن يقضوا فترة الشتاء في هذا الجو الدافئ، فيجدوا هذا البرنامج الإيماني الذي يشغل أوقاتهم في محاضرات ليلية، ولقاءات إيمانية بالعلماء والدعاة والمشايخ، وأيضاً لذلك المكان الطيب الذي عملوه على شاطئ البحر؛ ذلك المخيم الإسلامي الذي أقامه مركز الدعوة بإذن من المسئولين على ذلك العمل.
وهذا المكان يلتقي فيه الشباب المؤمن من أجل المذاكرة والمدارسة واللقاءات الإيمانية، فأنا أشكرهم على هذا، وأدعو إخواني الشباب أن يشجعوا هذا اللقاء وهذا المخيم، وأن يأتوا إليه ويقضوا أوقاتهم فيه من بعد صلاة العصر أو المغرب أو العشاء، ففيه يلتقي أهل الإيمان في رياض الإيمان مع العلماء والدعاة في حلقات ولقاءات إيمانية، أرجو الله أن يبارك في هذا العمل.
وأيضاً ألفت أنظاركم في كل وقت ومناسبة وحين إلى ضرورة دعم مشروع الزواج الخيري في مدينة جدة ؛ لأن هذا المشروع الدعم فيه ليس مرة واحدة، بل الدعم متواصل في كل مناسبة ووقت، وإذا مررت بصندوق أدخل ريالاً، ليكون لك بهذا الريال لبنة في بناء أسرة تعيش على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا المشروع يشترط فيمن يدفع له إعانة الزواج أن يكون من الصالحين ليبني أسرة ويلتصق بامرأة مؤمنة، وينجب منها أولاداً صالحين، فتنشأ الخلايا الإيمانية في المجتمع، فأحثكم على التبرع، كما أحثكم على التبرع أيضاً لإخوانكم المجاهدين الأفغان، الذين ينتظرون دعمكم في كل وقت وحين، وبالأبواب صناديق لهيئة التبرعات، سواء من جمعية رعاية المتزوجين، أو من جمعية إغاثة المجاهدين الأفغان.
أسأل الله أن يعينني وإياكم، ولا نبالي بالقليل ولو أنفقتم ريالاً أو خمسة أو عشرة ريالات: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].
وإلى بعض الأسئلة باختصار؛ لأن الوقت قد ضاق عليكم.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: تكلمتم عن التقوى في مطلع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت) وأجدتم جزاكم الله خيراً، ولكن أحب أن تذكر بعض إخواننا هدانا الله وإياهم فقد جاءوا إلى هذه المدينة، وعندما يرى أحدهم المنكرات تضعف عنده التقوى، ويفعل بعض المنكرات فيسمح لنسائه بالتبرج وكشف الوجه وغير ذلك، فهل من نصيحة لهم?
الجواب: نعم. نحن ننصح وبملء أفواهنا من يأتي من بلاده من أجل قضاء عطلة الصيف أو نصف العام الدراسي؛ يأتي إلى المدن ويترك الحرم الشريف والحرم النبوي الشريف ولا يقوم بعمرة ولا يؤدي زيارة ولا يقوم بطاعة، إنما ينصب خيمته على الشاطئ ويبرج زوجاته، ويرفع أجهزة الشر بالأغاني والأفلام والمسلسلات، ويأكل من نعم الله ويمارس معاصيه، فنقول له: اتق الله عز وجل، اتق الله في النعم التي تتمتع بها، وفي الأمن الذي تنعم به، والعافية التي أنت فيها، والخيرات التي بين يديك، وزوجتك التي معك، وأولادك الذين في عنقك، والمجتمع الذي تعيش فيه، إذا كنت مسلماً ومؤمناً وفيك الخير إن شاء الله فاتق الله تبارك وتعالى، ولا مانع من أن يأتي الإنسان إلى أخذ عمرة ثم يذهب إلى جدة من أجل أن يتمشى أو يمارس شيئاً من النـزهة فلا مانع ولكن بشروط شرعية:
منها: ألا يدخل إلى أماكن الحرام والتبرج والاختلاط، وما يكثر فيه النساء والأسواق التي فيها تكشف، ولا يأخذ أهله معه ولا يسمح لزوجاته وبناته أن يمارسن المعصية أبداً، بل عليه أن يذهب بهم إلى الأماكن الطاهرة النظيفة التي فيها خير والتي لا تمارس فيها المعاصي، أما أن يأتي إلى هذا فهو يخسر خسارة كبيرة. |
|
|
|
|
السؤال: فضيلة الشيخ: ما أحوجنا إلى العمل، فأكثر الناس يسمعون الكلام، ولكن لنا ولهم موقف إيجابي ينعكس على حياتهم، فهناك من يسمع ولا يطبق، فهل من نصيحة?
الجواب: أخشى ما نخشاه -أيها الإخوة- أن يصبح الناس مدمنين على المحاضرات، ويكون الهم الأول والأخير أن يحضر من أول الوقت إلى آخره، ثم يخرج إما أن يثني أو يذم، ولا يكون لهذه المحاضرة أثر في حياته، وهذا ليس فيه مصلحة، بل هذه حجج عليه، والصحيح أن تكون هذه المحاضرة بمثابة الوصفة الطبية التي تعرض نفسك عليها، وكلما سمعت شيئاً تسأل نفسك: فإذا سمعت أمراً بالصلاة تسأل نفسك، وإذا سمعت أمراً بطاعة الله تسأل نفسك، وإذا سمعت النهي عن المعاصي تسأل نفسك: أين أنت منه؟!
ثم تحاسب نفسك في كل لحظة وتعود إلى الله وتغير حالك إلى الأحسن، فإذا اتبعت هذا الأسلوب فإن كل محاضرة تحضرها تزيدك إيماناً وصلاحاً وتقوى عند الله عز جل، أما إذا اكتفيت من الحضور بالسماع فهذا لا يكفي، أي: قبل المحاضرة تغني وبعد المحاضرة تذهب لتغني، وقبل المحاضرة أنت مدخن وتشعل السيجارة عند باب المسجد، وقبل المحاضرة أنت على الأفلام وبعد المحاضرة تسهر على الأفلام، وقبل المحاضرة كنت تمشي في الشارع وتنظر إلى النساء وتمتع نظرك بالحرام، وبعد المحاضرة مستعد أن تنظر في الحرام، نعم. ما قيمة هذا الحضور؟ إن مثل هذا كمن يأتي إلى الطبيب فيأخذ الأدوية كلها ثم يرميها في القمامة ولا ينتفع بها.
لا. نحن نأتي إلى هنا؛ لأن هذه المحلات مستشفيات القلوب، والعلماء هم أطباء القلوب، والدواء من القرآن والسنة، ومن صيدلية الرحمن نأخذ هذا العلاج ونتناول هذه الجرعات من أجل أن تصح قلوبنا وجوارحنا وأجسادنا فنعيش حياة الإيمان. |
|
|
|
|
السؤال: هل حكاية النمنم صحيحة، أم إشاعة?
الجواب: أعيد لكم السؤال لأن البعض منكم ما سمع السؤال، شخص رأى أناساً يضربون رجلاً فجاء يضربه معهم، قالوا: لماذا تضربه؟ قال: مثلكم أتقرب إلى الله.
فبعضكم ربما ضحك وهو لم يسمع السؤال، يقول السؤال: هل حكاية النمنم صحيحة، أم إشاعة؟
النمنم شيء يخوف النساء به الأطفال ويقولون: إنه يأكل الناس، هذه أسطورة وخرافة ولا حقيقة لها، ولا يوجد نمنم يأكل الناس؛ لأن البشر لا يأكل إلا اللحم والرز والفاكهة والبرتقال والتفاح، أما أن هناك بشراً يأكل البشر فهذا غير صحيح، وهذه من أسوأ الطرق لتربية الأولاد، فلا تخوف الولد أبداً؛ لأنك إذا خوفته وهو صغير صدقك، وهو لا يصدق إلا أباه وأمه.
ومن الخرافات أيضاً قولهم: (اسكت من السعلية) هذا كله تخويف بالباطل ولا يجوز، فلا تخوف ولدك وتحضر له العقد النفسية، وإذا خرج ورأى ظله خاف، لا تخوفه إلا من الله عز وجل، وما يدور كله كذب.
وهذه مصيبة! فإذا كان الكبار يخافون من النمنم، حتى لو أن إنساناً يريد أن يأكلك .. كله، أو يريد أن يعضك .. عضه، أي: أنت مثله وليس أسداً أو أي شيء.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
|