|
منزلة عظيمة أن يُظل الله عبداً من عباده في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم سبعة أصناف تكون لهم هذه المنزلة.
فيا ترى: ما هي الأعمال التي أهلت هؤلاء السبعة للوصول إلى هذه الرفعة؟!
بيان ذلك تحويه هذه المادة، مع متفرقات أخرى لن يعدم قارؤها الفائدة. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أما الخصال التي وردت في هذا الحديث، فأولها: إمام عادل.
وهل تدخل المرأة في هذه الخصلة؟ قال ابن حجر : لا تدخل المرأة، لأن المرأة لا تلي الإمامة العظمى، وقال بعضهم: قد تكون المرأة من أهل هذه الخصلة إذا كانت ذات عيال وعدلت بين أبنائها في المعاملة.
الحاصل أن الإمام العادل في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، وأين الإمام العادل؟ الإمام العادل هو الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، والإمام العادل هو الذي ما يلي شيئاً من أمور المسلمين إلا وينتهج منتهى العدل فيه، والإمام العادل هو الذي يجعل القوي الأمين في خير مكان يناسبه، والإمام العادل هو من إذا رأى في المسلمين كفؤاً ومن رأى في المسلمين أهلاً أن يولى ولاه ولو كان بعيداً أو قريباً، ولو كان نسيباً أو وضيعاً؛ لأن مصلحة المؤمنين تتعلق بهذا الأمر.
لماذا كان الإمام العادل من الذين خصوا بهذه المنقبة؟ لأن الإمامة فيها السلطة والقدرة، وكثيرٌ ممن يلون السلطات ويقدرون على رقاب الناس، يقع منهم الظلم والعدوان والبغي وأكل أموال الناس بالباطل، ولذلك لما كان الإمام والياً وقادراً ومتنفذاً ومتسلطاً وتحت يده ما يشاء من أموال الناس، وما يشاء من الجند والعسكر الذين يأتمرون بأمره فيما يشاء في رعيته أو في من دونه، كان عدله منقبة عظيمة؛ لأن من ترك شيئاً وهو يعجز عنه لا فضل له في ذلك، حينما تقول: هذا رجل ضعيف لا يظلم، فإن كونه متصفاً بعدم الظلم، أو كون هذا الضعيف عادلاً ليست بمنقبة؛ لأنه ضعيف لم يلِ رقاب أحد ولم يلِ أموال أحد حتى يعدل أو لا يعدل أو حتى يظلم أو لا يظلم، ولكن الذي ولي شيئاً وتحت يده المال والسلطان والقوة والجند والعسكر حينئذٍ يكون عدله منقبة ويكون لعدله مزية.
وهذا يذكرنا بما أفاض فيه العلامة الشيخ/ محمد بن عثيمين في رسائل في العقيدة حيث قال: والقاعدة الثانية في مسألة الصفات: نفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم مع إثبات كمال ضده؛ لأن الإنسان قد ينفى عنه الصفة وليس نفي الصفة عنه مدحاً أو كمالاً في جانبه، قال: لماذا؟ لأنه ربما نفيت الصفة عنه لعجزه أو لعدم قابليته أو لامتناع ذلك عليه، كأن تقول: هذا عمود لا يظلم، فكونك تنفي الظلم عن هذا العمود ليس ثناءً عليه وليست منقبةً له؛ لأن العمود لا يمكن أن يصدر منه عدل ولا ظلم، ولكن حينما تقول لمن هو قادر على البطش ومن هو جبار وقوي، ومن بيده المال والسلطة، تقول: هذا قادر ولكنه لا يظلم، حينئذٍ يكون نفي صفة الظلم عنه كمالاً في جانبه.
ولهذا نقول: ننفي ما نفى الله عن نفسه مع ثبوت كمال ضده، فإذا نفينا عن الله صفة الظلم، فإننا نثبت لله كمال ضدها وهو كمال العدل، ومنه قول الشاعر:
قبيلةٌ لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل
فإن هذه ليست مديحة لهذه القبيلة، وليست منة أو مزية لهذا القبيلة، لأنها قبيلة صغيرة، فقوله: لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل، قوله هذا فيهم ليس مدحاً لأنهم عاجزون وضعفاء.
ثم بعد ذلك الإمام العادل من يتفقد رعيته، والإمام العادل من يخشى الله فيهم، والإمام العادل من يراقب الله في كل ما يأتي ويذر، وللإمام على رعيته حقوق: أن يدعى له بظهر الغيب، وأن يدعى له بصلاح البطانة، وأن يدعى له بالسداد في القول والفعل، وأن يدعى له بحسن النية والفعل والمقصد، وأن يحرص على جمع شمل الأمة حوله، وعدم تشجيع الخارجين والبغاة ومن يريدون باستقرار بيضة الأمة انكساراً أو تشتتاً، هذا من حقوق الإمام العادل، إذ أن الإمام العادل له حقوق وعليه واجبات. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وثالث الثلة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجلٌ قلبه معلق بالمساجد، في إحدى الروايات: (ورجل قلبه معلق بالمساجد من حبها) وقيل معلق: أي من العلاقة وهي شدة الحب، والمعنى: أنه طويل ملازمة المسجد يبكر إلى المسجد بعد الأذان أو قبل الأذان ويمكث في المسجد بعد الصلاة، يعتكف في المسجد، يحضر دروس العلم، يحضر المحاضرات .. يحضر الندوات .. يحضر الحلقات، يجعل جلوسه في المسجد جلوس طمأنينة وجلوس ارتياح، قلبه غير معلق بالملاعب، وغير معلق بالأرصفة، ولا بصالات التزلج، وغير معلق بأمور الرذيلة، ولا بالإسفاف والإغراق في المباحات أو في أمور اللهو، بل شاب قلبه معلق بالمساجد.
وما أقل الذين تتعلق قلوبهم ببيوت الله جل وعلا.
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
حال المؤمن -أيها الأخوة- أن يكون في المسجد كالسمكة في الماء، وأما المنحرف الفاسق فانظر إليه حينما يدخل المسجد كأنه ضب في الماء، المؤمن كالسمكة في الماء وأما المنحرف الفاسق فكأنه الضب يتقلب بعكرته في الماء، يريد الخروج من المسجد من أول وهلة يسلم الإمام.
على أية حال إن التعلق بالمساجد أمر لا يستطيع الإنسان أن يصفه تمام الوصف، ولكن يدركه تمام الإدراك إذا عود نفسه وجاهدها ودربها على المكث والجلوس في المسجد؛ فبكر إليه وجلس فيه وجعل المسجد جزءاً رئيسياً من يومه وحياته.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يداريها |
|
|
|
|
|
|
الرابع من الثلة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه.
وفي هذا بيان حقيقة المحبة مع الدوام عليها، محبة صادقة خالصة، محبة نشأت لله فتدوم لوجه الله، ومن أحبك لشيء أبغضك عند فقده، ومن لقيك بشيء فارقك عند فقده، فمن أحبك لدنياك كرهك لفقرك، ومن أحبك لوظيفتك فارقك لعزلك، ومن أحبك لمنصبك فارقك عند تغير أحوالك، إذاً فانظر من تحب، وانظر أولئك الذين جمعت أرقامهم وأسماءهم في دليل هاتفك، أسألك: هل استطعت أن تخرج عشرة من هؤلاء تعدهم للنوائب؟ هل تستطيع أن تجمع من مجموع من عرفت وخالطت وجالست وصادقت وخاللت وتعرفت.. هل تستطيع أن تخرج من هؤلاء خمسة أو عشرة؟ لا والله، أصبح الصديق الوفي في هذا الزمان أشد ندرة من الغول والعنقاء، بل أصبح من عجائب الدنيا السبع أن تجد اثنين على وفاء صادق.
وما أكثر الذين يدعون المحبة! ما أكثر من تلقاه فيقول: أخي، إني أحبك في الله، ولكن لو طلبنا برهان المحبة لوجدناها دعوى.
والدعاوى إن لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء |
|
|
|
|
|
إن من حقيقة الحب في الله: أن تحفظ عرض أخيك في غيبته، ألا تغتابه، ألا تنم عنه، ألا ترضى فيه بمكروه، ألا يشذب أو يجرح أو ينشر جلده بكل ساقط ورديء في المجلس وأنت ساكت، إن من الحب في الله أن تكون داعياً له بظهر الغيب، وهذه المحبة يؤجر الإنسان عليها يوم أن يحققها، جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ -عجيب سؤال البدو! عجيب سؤال الأعراب! عجيب سؤال أهل البادية! قال الصحابة: كنا نفرح إذا جاء أعرابي إلى مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يسأل العجائب، وهذا ليس بغريب- جاء الأعرابي ذلك البدوي رضي الله عنه، قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وماذا أعددت لها؟ -هذا جواب الحكيم: أن تصرف السائل إلى إجابة تنفعه- قال صلى الله عليه وسلم: ماذا أعددت لها؟ فقال: يا رسول الله! ما أعددت كثير عمل، ولكني أحب الله ورسوله ويوم أن قال (أحب) هو يعني هذه الكلمة، ويعرف أبعاد هذه المحبة ويعرف حقيقتها.
جهد الصبابة أن تكون كما أرى عين مسهدة وقلب يخفق
أرق على أرق ومثلي يأرق
عين مسهدة تدعو لإخوانك بظهر الغيب، تتذكر إخوانك في الله، إذا نأوا دعوت لهم بالحفظ، وإذا دنوا دعوت لهم بدوام اجتماع الشمل، قلبك يخفقك عليهم حباً وشوقاً إليهم، هذه المحبة حينما تكون لله، فإنها تزداد حينما ترى من أخيك زيادة في الطاعة، دليل الحب في الله إذا أردت أن تعرف نفسك هل أنت تحب في الله أو لا تحب في الله، وهل دعواك صادقة أنك تحب فلان بن فلان في الله ولله، انظر إلى نفسك فإذا رأيته يزداد في العبادة ازداد حبك له، فهذا دليل المحبة الصادقة في الله، وإذا رأيت انحسار العبادة عنه وضعفه وكسله وابتعاده عن العبادة قلَّتْ محبتك له، فهذا دليل محبتك الصادقة لله وفي الله، لما كانت لله زادت محبتك يوم ازداد في طاعة الله وقلَّتْ محبتك يوم قلت أو انحسرت أو انقطعت عبادته لوجه الله جل وعلا.
أما المحبة التي تزعم في هذا الزمان وهي محبة الجسوم والرسوم، ومحبة الصور والوجوه، وانسجام الناس لأهواء أو لعرق خفي في النفوس لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ويدعي بعضهم محبةً في الله الله أعلم بصدقها فتلك محبة المرضى، تلك محبة السقم، تلك محبة البلاء، تلك محبة بداية الانحراف.
فما في الأرض أشقى من محبٍ وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل وقتٍ مخافة فرقةٍ أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق
هذه محبة الجسوم والرسوم، أما الحب في الله، فإذا فارقت أخاك وقد قتل شهيداً في سبيل الله ازداد حبك له، وتطايرت شوقاً أن تقتل في سبيل الله كما قتل، وإذا سبقك إلى عبادة أو إلى حفظ قرآن أو إلى وعي السنة أو إلى الدعوة إلى الله، تطاير قلبك فرحاً أن أخاك بلغ هذه المنزلة وأدرك هذه المنقبة: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] وكما في الحديث: (المتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء بمجالسهم من الله يوم القيامة، أما إنهم ليسوا بأنبياء ولا شهداء، ولكن يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله، قال الصحابة: من هم يا رسول الله؟ قال: المتحابون في الله) والحب في الله عبادة عظيمة.
والله -يا معاشر المؤمنين! يا معاشر الطيبين! يا معاشر الأكرمين!- إنا نحبكم في الله، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بكم في الجنة، وإننا ما نذكر عملاً نرجو أن نلقى الله به إلا توحيده وحده لا شريك له عسى ربنا أن يسلم لنا توحيدنا ما غيرنا وما أشركنا وما بدلنا، ثم محبتكم لله وفي الله ودليلنا وبرهاننا وبينتنا على ذلك أننا نفرح يوم أن قيل فلان بن فلان استقام، أو فلان الذي استقام حسنت استقامته، أو فلان نبشرك أنه حفظ القرآن، أو فلان دعا إلى الله ووفقه الله، أصبح نشيطاً في حيه، أصبح داعية بين زملائه، هدى الله زملاءه في العمل على يده، نفع الله به بين زملائه والموظفين من حوله، حينئذٍ نفرح ونعلم أن فرحنا به دليل محبتنا لله وفي الله. |
|
|
|
|
|
|
|
والخامس -أيها الأحبة- من الثلة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وفي رواية: رجل دعته امرأة إلى نفسها، وفي أخرى: فعرضت نفسها عليه، أي: دعته إلى الفاحشة، قال بعضهم: دعته إلى زواجها، فأبى خشية أن يشتغل بها عن العبادة، أو أبى خشية أن يكون قبوله من الزواج بها سبباً أو طريقاً إلى فعل معصية وفاحشة، وهذا تأويل بعيد، والظاهر الواضح والجلي من الحديث أنه رجل دعته امرأة ذات منصب إلى نفسها، دعته إلى الفاحشة، فقال: إني أخاف الله.
وتدخل المرأة في هذا الباب: لو أن رجلاً ذا منصب وجمال دعاها إلى نفسه فأغراها بالمال، وامتنعت من ذلك، وقالت: إني أخاف الله، قال ابن حجر : فهي تدخل في ظل عرش الله، فهي من السبعة الذين يكونون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله. |
|
|
|
أين شبابنا الآن في هذا الزمان؟ لعلهم يكفون عنا ويكفون عن بيوت المسلمين أصواتهم وألسنتهم التي تشبه نقيق الضفادع، التي تشبه صوت الغربان، وبعضهم يتكسر بصوته ويظن أنه بهذا يضع الحبال للفتيات لعله أن يأسر فتاة بصوته المميز، مسكين والله هذا! وبعض الفتيات من الضالات المضلات -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ربما تسلطن على بعض الشباب واتصلن عليه، تتصل الفتاة على الشاب، وتريد أن توقعه في الفحشاء، ضاع الحياء وضاعت الفضيلة في بعض البيوت التي اشتغلت واشتهرت وامتلأت بالأفلام، أفلام الفيديو والأفلام الخليعة، والرقص مع المطربين والمطربات، والمصارعات النسائية... إلى آخر ما نسمع وما يقال عن أفلام فيها من كل ما يزعج البصر ويقلق السمع ويخبث الفؤاد ويكدر العقل، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
وقد أحسن بعض الشباب لما قال لي: إن فتاة اتصلت بي ذات مرة وكانت منحرفة، قال: إنها اتصلت بي وقالت: ألم تسمع صوتي قبل هذا اليوم؟ قال: نعم.
سمعت صوتاً قريباً من صوتك في الحمام أو في الغسالة أو في السيفون، قال: فما كان منها إلا أن أغلقت السماعة وقد استحت على وجهها، وجزاه الله خيراً على هذا الجواب، إن من الناس من لا يرده إلا مثل هذه الأساليب ولا حول ولا قوة إلا بالله!
والذي أنصح به عامة: إن من ابتلي بمثل هؤلاء الذين يتسلطون على هاتفه:
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
السكوت خير جواب للسفيه.
صبراً على فعل السفيه فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل نفسهـا إن لم تجد ما تؤكله
وكن -يا أخي الكريم- حريصاً على حفظ بيتك بحفظ نفسك.
إن الزنا دين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
من يزنِ يزن به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم
من يزنِ في بيتٍ بألفي درهـم في بيته يزنى بغير الدرهم
يزنى بالمجان ولا حول ولا قوة إلا بالله!
الحاصل أن من ترك هذا الأمر خشية لله، ومن ترك ذلك لأجل الله ولوجه الله، ترك مواقع الريبة ومحادثة الفتيات، وإن عرض عليه الأمر، أو عرض على الفتاة أمر الرذيلة، تركت ذلك لوجه الله جل وعلا، فإنه يؤجر أجراً عظيماً.
ومن المؤسف أن في بعض الأماكن تأتي الفتاة بسائقها وتطرق الباب على الشاب ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد علمت بشيء من هذا، وحمدت الله أن حفظ ذلك الشاب الذي تسلطت عليه شيطانة من شياطين الإنس حتى طرقت عليه الباب وأرادت أن توقع به أو تأخذه معها أو أن تواقعه في بيته ولا حول ولا قوة إلا بالله!
فمن حفظ نفسه ومن أراد ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، فحري به أن يبعد نفسه عن مواطن الريبة: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
والسادس من الثلة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بصدقة، أو تصدق فأخفى -كما في نص حديث البخاري - حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
والمقصود: حتى لا يعلم الناس الذين من حوله، وبعض الناس أو كما ذكر أن بعضهم كان لا يفقه الحديث فكان إذا أراد أن يتصدق أدخل يده اليسرى في جيبه ثم أدخل المال يمده هكذا يظن أن الشمال تنظر إلى اليمين فحينئذ يخبئها في جيبه أو في داخل معطفه أو كوته، وليس هذا هو المقصود، إنما المقصود أن صدقته خفية لا يعلم بها الناس، يتحرى فيها أوقات السر، ولا يريد الإعلان بها خلافاً لما نسمع عن بعض الذين يتصدقون اليوم وغداً، نرى الجرائد قد امتلأت أن فلان بن فلان تصدق بمليون ريال على كذا وعلى كذا وعلى كذا.
إن خير الصدقة ما كان سراً لوجه الله جل وعلا، وإن خير الصدقة ما كان يرجى به وجه الله، هب أن الناس علموا بصدقتك هل يقبلونها منك؟ هل يرفعونها إلى السماء؟ هل يخرجونك من النار؟ هل يدخلونك الجنة؟ وهب أن الناس لا يعلمون إن عدم علم الناس أقرب إلى إخلاصك وأتقى لقلبك، وأقرب منك إلى ربك، وأدعى إلى ثباتك، وأحوط ألا يصيبك العجب فيما أنت فيه، فاحرص على ذلك أخي الكريم.
ولعل كثيراً من الذين يشاهرون ويدعون ويظهرون ما يفعلون من دعوى الصدقات في الجرائد والمجلات وغيرهم، لعل الكثير منهم لا أقول كلهم؛ لعل بعضهم ممن يسرق من هذا ويعطي هذا، نعم. بعضهم يرابي، والربا من قوت المساكين والضعفاء، بعضهم يرتشي، بعضهم يأخذ أموالاً ليست من حلها ثم يصرفها هنا.
بنى مسجداً لله من غير كسبـه فكان بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
وفي مسند أحمد من حديث أنس بسند حسن مرفوعا: (إن الملائكة قالت: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم. الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم. النار، قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم. الماء، قالت: فهل أشد من الماء؟ قال: نعم. الريح، قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم. ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله) وهذا كلام موصول بالسادس من أولئك الذين يظلهم الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ألا وهو الذي تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن يكون هذا رجل يشتري من فقير وضعيف متكسب فيعطيه أكثر من سلعته، أو يتقصده بالشراء منه لكي يعينه على أسباب الكسب، وهذا جميل جداً، إذ ليس من شرط الصدقة أن تكون هكذا من دون مقابل، مثال ذلك: أنت حينما تعرف رجلاً فقيراً معدماً، أو رجلاً مسكيناً ويبيع سلعة مباركة أو سلعة ميسرة من أدنى السلع ويبيعها بعشرين ريالاً، فتأتي أنت وتشتري منه واحدة من هذه السلع وتعطيه أربعين ريالاً أو تعطيه خمسين ريالاً وتذهب، أنت بهذا تعينه على الاستمرار في الكسب، واشتريت منه إعانة له، وما زاد عن قيمة السلعة هو صدقة، وهذا من أفضل أنواع الصدقة أيضاً، هو من خير ما يتصدق به العبد بإذن الله جل وعلا.
الحاصل: فلنحرص -يا إخواني- على صدقة السر كما في هذا الحديث: إن مما هو أشد من الجبال والحديد والنار والماء والريح وغيرها الصدقة يتصدقها ابن آدم في السر فلا تعلم شماله ما تنفق يمينه. |
|
|
|
معاشر الأخوة .. معاشر الشباب .. هل منا من خرج في الساعة المتأخرة من الليل، أو خرج في غفلة الناس في الضحى وأخذ معه كيساً من الرز، أو ذبيحة من اللحم، أو شيئاً من الدجاج، أو شيئاً من المأكولات فقصد بيتاً من بيوت الفقراء لا يعرف من هو، لا يعرف وجهه، متلثماً مستخفياً متخفياً لا يريد أن يعرف، فطرق الباب وتصدق بهذه الصدقة وذهب؟ هل منا من يفعل ذلك؟
إننا -أيها الإخوة- كما نحن بحاجة إلى أعمال علنية جماعية نتعاون فيها مع بعضنا البعض، فإننا بأمس الحاجة إلى أعمال سرية، أعمالنا السرية صدقة في السر، أن تدخل لوحدك وأن تدعو واحداً من الضلال فيما بينك وبينه لا يعرف بذلك أحد، أن تعرف فلان بن فلان من المنحرفين وأن تجتهد عليه في السر لا يعرف أحد جهودك في دعوته، وجهودك في تقويم انحرافه، فإن هذا من أعظم الأعمال التي تؤجر عليها عند الله.
والله إني لأغبط شباباً لم يعرفوا في المحاضرات، ولم يعرفوا في الندوات، ولم يعرفوا في اللقاءات، ولم يعرفوا في كثير من المنابر، ولكنهم في الدعوة أنشط منا وخير منا، وهم أتقى وأعلم وأنقى لله منا، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً، نغبطهم بأن أعمالهم في السر، نغبطهم بأنهم لا يعرفون، نغبطهم بأنهم إذا ذهبوا لم يفقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، فذلك أدعى لإخلاصهم.
نسأل الله ألا يفسد أعمالنا وأعمالكم بالرياء أو السمعة. |
|
|
|
|
|
|
|
والسابع من الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.
فاضت عيناه بالدموع، وفي الحديث: (عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله) وفي الحديث: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله جل وعلا) لأن البكاء في السر والبكاء في الوحدة أمره عظيم، ما أكثر الذين حينما يجدون من يبكون يبكون! وكما يقول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيت صبـابةً بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم
والإنسان حينما يحضر مع قوم يضحكون ليس من الغريب أن يضحك معهم، وحينما يجلس مع قوم يبكون ليس غريباً أن يبكي أو يتباكى معهم، ولكن الخير والفضل وقوة الإيمان وصدق اليقين أن يبكي وحده، أن يبكي ولا يراه إلا الله، أن يبكي وحده في سيارته .. أن يبكي وحده في حجرته، أن يبكي فيما بينه وبين نفسه، أن يبكي بكاءً لا يعرفه من حوله، تنحدر من عينه قطرات ساخنة ودمع حار متتابع، يسيل على وجنتيه ولا يعرف من بجواره أن فلان بن فلان أبكى، أما الصياح والضجيج والنياح والبكاء ورفع الأصوات والمبالغة في هذا، فمن الناس من بكاؤهم في خير وبكاؤهم في صدق، ومن الناس من ترى فيهم تكلف البكاء أو تكلف التباكي إلى أمر يخرجهم عن حدود مقبولة في الغالب.
يقال: إن الشافعي أو غيره مر برجل يبكي في المسجد، وقال: ما أطيب هذه الدموع ولو كانت وحدك لكانت أطيب. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: أنا شاب تبتُ إلى الله عز وجل بعد مدة طويلة وبعد عكوف عظيم على كثير من المنكرات، فضيلة الشيخ! هل أكون من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؟
الجواب: يا أخي الكريم! نسأل الله لنا ولك ذلك، التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، أما قضية أننا نحدثك هل أنت في ظل عرش الله أم لست في ظل العرش، من الذي يعلم ذلك؟ يقول العلماء: ولا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له الله ورسوله بالجنة، ولكن نرجو للمحسن الثواب ونخاف على المسيء العقاب، حتى أحب أحبابنا وأقرب من نعرفه بالدعوة والصلاح والاستقامة لا يجوز أن نقول هذا من أهل الجنة، نقول: نسأل الله أن يكون من أهل الجنة، وحتى أفجر الناس لا نقول هذا في النار، بعض الناس إذا رأى مجرماً، قال: أما أنت ففي الدور الرابع من قعر جهنم، وهل علمت أنه من أهل النار؟! هل علمت أنه من أسفل سافلين؟! اتق الله! قد يتوب قبل موته، قد يعمل أعمالاً يسبقك أنت يا من تكلمت فيه، ومن الذي يتألى على الله تقول: إن الله لا يغفر لهذا؟ لا يجوز هذا الكلام، إنما نقول: نسأل الله لك ولأنفسنا وإخواننا أجمعين أن نكون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله.
ونقول يا أخي: إذا كان العرش عظيماً فما بالك بظله، أيضاً ظل عرش الله عظيم، وظل كل شيء بحسبه، فإذا كنا لا نكيف هذا العرش وعقولنا أصغر من أن تحيط بالعرش وصفاً وعلماً، فكذلك ظل العرش الكلام فيه كالكلام في العرش أصلاً.
نرجو الله أن يتغمدنا وإياك برحمته.
....... نستغل مثل هذه اللقاءات، ولا نريد أن نسميها استغلالاً بل هي في الحقيقة اغتناماً، ولا نريد أن نكلف النفوس أكثر مما تطيق، فهناك مشاريع خيرية، ومن إخوانكم في الله من الشباب الطيبين المحتاجين للمساعدة، ولا أكتمكم أن عدداً منهم شكا إليَّ حاجته ومسكنته وفقره، وقد زكاه فضيلة الشيخ/ سعيد بن مسفر حفظه الله، ووعدت فضيلة الشيخ/ سعيد بن مسفر بن مفرح الداعية الإسلامي المعروف، قلت له: في أقرب محاضرة سوف أحدث الإخوة بجمع بعض التبرعات لمساعدة عدد من هؤلاء الشباب في أمر زواجهم وقضاء شيء من ديونهم.
أرجو من الإخوة أن يتبرعوا ولو بالقليل، نحن لا نريد من مائة شخص أن يدفع على الخمسين ريال، لكن نريد من كل شخص أن يدفع خمسة ريالات إذا تيسر ذلك أو من أغلب الأشخاص، فإن القليل من الكثير يكون كثيراً بإذن الله، كما أرجو أن يقف على الأبواب التي حولكم وبجواركم من الأخوة من يجمع هذا المال ويسلمه للإمام جزاه الله خيراً، ونحن بدورنا نعطيه الشيخ تعاوناً على هذا وجزاكم الله خيراً.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. |
|
|
|
|
السؤال: قضية المسلمين في خارج هذه الدولة، في دول العالم الخارجي من انتهاك الحرمات ومن سفك الدماء كقضية كشمير وغيرها، نرجو من الشيخ توضيح مسألة كيف نحمل هذه الأمة، وكيف نتحرك من أجل هذا الإسلام؟
الجواب: الذي يحمل هم شيء يتتبع أخباره بادئ ذي بدء، فمن يحمل هم المسلمين في أفغانستان يتتبع أخبارهم، ومن يحمل هم المسلمين في كشمير، في سيريلانكا، في كمبوديا، في منغوليا، في أي مكان، لابد أن يتتبع أخبارهم.
الأمر الثاني: ماذا بعد السماع؟ تحويل هذا السماع والعاطفة المتفاعلة مع هذه الأخبار إلى برنامج عمل، في كشمير يقتلون، بحاجة إلى سلاح، من الذي يشتري لهم السلاح؟ بحاجة إلى طعام، من الذين يؤمن لهم الطعام؟ بحاجة إلى غذاء، من الذين يؤمن الغذاء؟ أيتامهم بحاجة إلى كفالة، من الذي يؤمن لهم كفالة؟ بعض طلابهم بحاجة إلى تعليم، من الذي يتكفل بهؤلاء؟ من الذي يتكفل بإرسال عشرة أو عشرين طالباً من طلاب الجامعات من كشمير إلى مواصلة الطب هنا أو في أي دولة من الدول التي يواصلون فيه دراسات الطب ويصبحون أطباء؟
خدمة الإسلام لا تنحصر في مجال واحد يا إخوان، خدمة الإسلام حتى وإن تعذر عليك أن تخدم المسلمين هنا، لو تعذرت فمن شأنك أن تجمع المال وتأخذ المسلم من كمبوديا وترسله إلى الجامعة الإسلامية في باكستان أو جامعة أخرى وترسله إلى هناك، قد يقول قائل: العدد في الجامعة الإسلامية هنا مكتفٍ، والجامعات امتلأت، ما هناك إمكانية، هل نقف؟
إخواننا بحاجة إلى تعليمهم الفقه، بحاجة إلى تدريسهم القضاء، بحاجة إلى أن يتخرج من أبنائهم أطباء ومهندسون وكيميائيون وفيزيائيون، كيف تستطيع أن تعلم هؤلاء؟ اجمع المال، خذ لهذا الطالب منحة فأنت تخرجه من دولة إلى دولة على حسابك وأنت هنا، هل يشترط في التجارة أن تأخذ البضاعة من اليابان وتأتي بها إلى هنا؟ هناك من أكبر التجار من لا تعرف بضاعته هذه البلاد، يشتري البضاعة من اليابان ويبيعها في قطر، يشتري البضاعة من كمبوديا ويبيعها في تركيا، يشتري البضاعة من اليونان ويبيعها في إيطاليا، فينبغي أن نكون على مستوى تفكير ووعي، وما مع الحب إن أخلصت من سأم، إذا وجد الاهتمام سنجد السبل إلى العمل.
ومثلٌ أضربه ورددته كثيراً: يا إخوان! لو أن واحداً منا يريد الزواج من فتاة ذكر من محاسنها وصفاتها ما تشرئب إليه الأعناق وما تتمناه القلوب، ما الذي يحصل؟ ستجد أن الواحد أولاً يعرف موقع بيتها تماماً، وربما عرف أمتار البيت، ورقم صك حجة الاستحكام الذي خرج فيه ذلك البيت، ثانياً: ستجد أنه يحاول أن يتعرف على أبيها وأصدقاء أبيها، يتعرف على أمها وصديقات أمها، على أخواتها ومدرسات أخواتها ومدرساتها، ستجد أن الرجل يبني أخطبوطاً من العلاقات حتى يصل إلى هذه الفتاة ويخطبها ويحقق النية بالزواج منها.
فمن أحب الدعوة إلى الله وأحب خدمة الإسلام ولو بأقل من حبه لهذا المستوى سيعرف كيف يعمل. |
|
|
|
|