|
إبليس وطرق كيده لابن آدم حتى يوقعه في غضب الله ويدخله جهنم والعياذ بالله، هذا الموضوع هو الذي تحدث عنه الشيخ في هذا الدرس، وقد تكلم عن كثير من طرق الشيطان في إضلال الإنسان ومنها: الوسوسة في الطهارة والصلاة .. محاولة تخويف الشيطان للمؤمنين .. تزيين الذنوب والمعاصي .. التسويف .. إدخال الإنسان في مخادعة الله ... إلخ.
وبين الشيخ من خلال ذكر المكائد كيفية مواجهة مكائد هذا اللعين؛ لأن كيده في الحقيقة ضعيف. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وإذا تأملت -أيها الأخ المسلم- في الأحاديث الصحيحة التي جاءت عن أنواع إيذاء إبليس لبني البشر لوجدتها شيئاً كثيراً جداً، وهاك طائفة منها ملخصة من الأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك:
إن الشيطان يحاول أن يأكل مع الإنسان وأن يشرب معه وأن يدخل بيته، ويبيت على خيشومه، ويدخل مع التثاؤب، ويتلعب بابن آدم في منامه، ويوسوس له في صلاته، ويذكره بما يلهيه عنها، ويدفع المار للمرور بين يدي المصلي، ويؤذي الصبيان عند المساء، ويدل الفأرة على السراج فتحرق على أهل البيت بيتهم، ويتخلل صفوف المصلين في الصلاة، ويتخبط الإنسان عند الموت، ويشكك المرء في ربه فيقول له: من خلق الله؟ ويقعد للإنسان بأطرق الخير المختلفة، ويحرش بين المصلين.
ويجري من ابن آدم مجرى الدم، ويزين المرأة في أعين الرجال إذا خرجت، ويدعو للتفرق ويكون مع الواحد ويهيج الغضب ويدعو إلى العجلة، ويسير مع الراكب المنفرد والراكبيْن في السفر، وهو مع من فارق الجماعة، ويسترق السمع لإغواء بني آدم، وينخس المولود فيصيح، ويضر الولد إذا لم يسم أبوه عند الجماع، ويكون على ذروة كل بعير، ويشارك ابن آدم في متاعه الزائد في البيت، ويستحوذ على الثلاثة فصاعداً في أي بلد لا يقيمون فيها صلاة الجماعة، ويكون مع المسافر إذا خلا بالشعر المذموم ونحوه.
ويجلس بين الظل والشمس، ويختلس من صلاة العبد بالالتفات، ويتعاظم إذا سبه ابن آدم، ويحضر البيع، ويعقد على قافية الإنسان ثلاث عقد يخذله عن القيام للصلاة، ويضع عرشه على الماء ويرسل سراياه يفتن الناس، ويدني من فرق بين الرجل وزوجته، وهو السبب في إخراج أبينا آدم من الجنة، لعنه الله وقاتله.
والأبواب التي ينفذ منها الشيطان على ابن آدم كثيرة وللشيطان فيها مراتب يتدرج فيها بالإغواء، فأول ما يهتم من إغواء ابن آدم بإغوائه بالشرك والكفر، ثم إذا لم يستطع فيحاول إغواءه بالبدعة، فإذا لم يستطع يحاول إغواءه بالكبائر بأنواعها، فإن لم يستطع أغواه بالصغائر، فإن عجز أشغله بالمباحات، فإن لم يتمكن أشغله بالمفضول عمن هو أفضل منه، فإن عجز مع ذلك كله سلط على هذا الإنسان المستقيم الرافض لسبل الشيطان سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى ليشوش عليه ويشغله ويحزنه ويخذله ولكن: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27].
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم من إغوائه وإضلاله وسُبُلَه، ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم من كيده وعدائه لنا.
وفي هذه الليلة -أيها الإخوة- سنتعرض لبعض المكائد من تلبيس إبليس، هذا الكيد الذي يكيد به الشيطان للإنسان له أنواع متعددة وأبواب متفرقة وسنعرض في هذه الليلة -إن شاء الله- لعشر من هذه المكائد، نختصر في بعضها ونتوسع في البعض الآخر، وإن كنا لا نريد الإطالة في هذا الوقت الذي يقصر فيه الليل. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ومن كيد الشيطان أنه يزين الفعل الضار للإنسان حتى يخيل إليه أنه أنفع الأشياء، وينفره من الفعل الذي هو أنفع الأمور حتى يخيل إليه إنه يضره، فكم جلى الشيطان من الباطل وأبرزه في صورة الحق، وكم شنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة، لقد زين للمشركين عبادة الأوثان وقطيعة الأرحام ووأد البنات ونكاح الأمهات.
لقد زين للقاعدين عن الأعمال الصالحة المتواكلين الذين يظنون أن رحمة الله ستدركهم ولا بد، زين لهم المعاصي والكفر والفسوق والعصيان ووعدهم بجنات عرضها السموات والأرض، وزين ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس وحسن الخلق معهم، وزين ذلك بقوله عز وجل: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المائدة:105] فهو يقول للمسلم إذا أراد أن يتحرك: عليك نفسك لا تتحرك، هذا هو الدليل، وقد زين العشق في قالب الأخوة في الله، وزين.. وزين من الأمور الكثيرة جداً، فأخرج الباطل بصورة الحق، ويخرج الحق بصورة الباطل، فينصرف كثير من الناس عن الحق بسبب هذا التزيين ويقعون في الباطل بسبب تزيين الباطل. |
|
|
|
|
|
|
ومن كيد الشيطان أنه يتحسس نفس الإنسان وهذا من خبثه وكيده ليعلم هذا الشخص إلى أي الأمرين هو أقرب إلى الإقدام أو الإحجام، وإن نفوس الناس طبائع، النفوس بين هذين الأمرين، بعض النفوس مقدمة تحب الإقدام، وبعض النفوس محجمة تتراجع، والشيطان يتحسس طريقه ويتلمسه في نفس ابن آدم لينظر أهو من النوع المقدم أو من النوع المحجم، فإذا رأى الغالب على النفس الإحجام زاد في تثبيطها وتخذيلها وإضعاف همتها، وثقَّل عليها الأوامر، وهون عليها ترك هذه الأشياء من الواجبات التي أوجبها الله والتقصير فيها، وإذا رأى في المقابل أن النفس تريد الإقدام وتحب المضي، وعلو الهمة أخذ يقلل الأمور على صاحبها ويقول: إنما تفعله قليل لا بد أن تزيد، ويوهمه أن ما يفعله لا يكفيه، وأنه يحتاج إلى الزيادة، فماذا يفعل العبد، يقع في البدعة.
يقول له: إن هذه الأعداد التي جاءت في الصلوات والتسبيحات وغيرها من أنواع العبادات هذه أشياء قليلة عليك، أنت صاحب مطامح صاحب همة عليا، لا بد أن تزيد، لماذا ترمي الجمرة سبعاً؟ ارم تسعاً عشراً، وهكذا، فيدخل عليه عندما يحس أنه يحب الزيادة والإقدام من هذا الباب فيوقعه في البدعة.
ولذلك يقول بعض السلف: ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر؛ لأنه سيحقق هدفه في الحالتين، فهلك الناس بين التفريط وبين الغلو إلا من عصم الله من المؤمنين الذين اعتصموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلك الناس في وادي التقصير وفي وادي المجاوزة والغلو، وثبت القليلون على الأمر الوسط، سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإليكم أمثلة:
فقد دفع بعض الناس إلى التقصير بواجبات الطهارة، فترى أحدهم لا يستتر من بوله مثلاً، ولا يتعاهد المرفقين والكعبين عند الوضوء، وجاوز بقوم الحد فوقعوا في الوسوسة، وقصر بقوم في تناول ما يحتاجونه من الطعام والشراب حتى أضروا بأبدانهم، وتجاوز بقوم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضر بقلوبهم وأبدانهم، وقصر بقوم في خلطة الناس، حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام، وقصر بقوم حتى امتنعوا عن ذبح عصفور أو شاة ليأكلوها، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء المعصومة.
وقصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو الغاية دون العمل به، وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب والنباتات البرية زهداً بزعمهم وعبادة دون غذاء بني آدم الآخر، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص، وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا أنواع الحرام في هذه المسائل، وقصر بقوم في حق الأنبياء والصالحين حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين في مسألة الأنبياء والصالحين حتى عبدوهم.
وقصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم بالكلية وعدم الالتفات إليها قاطبة، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما أحله هؤلاء الرجال، والحرام ما حرموه فقدموا أقوال متبوعيهم على أدلة القرآن والسنة، وقصر بقوم حتى قالوا: إن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل وهم المرجئة ، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة مثل الخوارج ، وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوها، وتجاوز بآخرين حتى شبهوه بخلقه ومثلوه بهم، وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والطباع والغرائز وقالوا: لا وجود لذلك البتة، وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمراً لازماً لا يمكن تغييره بل ربما جعلوها مأثرة بنفسها من دون الله.
فأنت ترى الآن -أيها الأخ المسلم- أن الشيطان إذا رأى الإنسان يريد الإحجام ويميل إلى الدعة والكسل ثبطه وزاد في تكسيله وتثبيطه، فوقع في التقصير وترك الواجبات وفعل المحرمات، وإذا رأى إنساناً يحب الإقدام ويحب العمل دفعه إلى الزيادة ولكن في مجالات بدعية، حتى أوقعه في الغلو ومجاوزة الحد فوقع في محرمات عظيمة من جهة أنه ظن أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفيه ولا بد من الزيادة عليه، ووقع في هذا الخطأ كثير من الزهاد، الذين تركوا أموراً من المباحات من أجل العبادة بزعمهم وأن هذه زيادة في العبادة فتركوا النكاح والملذات وصاموا الدهر، وفي الجانب المقابل قعد بكثير من أصحاب الشهوات في مستنقع المآثم والمحرمات فعصوا الله سبحانه وتعالى. |
|
|
|
|
|
|
رابعاً: من كيد إبليس وتلبيسه أنه يحمل العبيد على اقتراف المحرمات بطريقة تسمية هذه الحرمات بغير أسمائها، إبليس لما خدع آدم وحواء في الجنة ما هي طريقته في خداعهم؟ لقد سلك عدة سبل، حلف بالله أنه ناصح وأنه يريد لهما الخير، ومن ذلك أنه سمى لهم الشجرة التي نهاهم الله عنها سماها شجرة الخلد: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] هذه الشجرة نهاه الله عنها لكي يوقع إبليس آدم في المعصية غير له اسم الشجرة، قال: هذه شجرة الخلد، فكان هذا من الدواعي إلى وقوع آدم في المعصية والأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، ويحدث بالضبط من هذا الباب أمور كثيرة، فيسمي الشيطان الأمور المحرمة بأسباب تحبها النفوس.
فيسمى الخمر أم الأفراح والمشروبات الروحية، كما يسميها اليوم شياطين الإنس، وأوقع بعض الخلق في تسمية الربا فوائد واستثمارات أو بيع أو معاملة ونحو ذلك، وفوائد كما يسمونها اليوم في كثير من البنوك التي تحارب الله ورسوله، ودفع أقواماً إلى تسمية المكوس -وهي الضرائب المحرمة قطعاً- إلى تسميتها بالحقوق السلطانية وأن من حقوق أو حق السلطان أن يأخذها، وهي حرام لا يجوز أخذها وهي ظلم للعباد، وسمى الناس الآن الغناء والرقص والطرب فناً وسموا الرشاوي أتعاباً، وهكذا.
فقلب الأسماء التي ذكرها الله بالنص عليها ربا، زنا، خمر، رشوة، هذه أمور قد تتقزز النفوس السليمة من سماعها، لكن الشيطان يوحي إلى أوليائه أن يغيروا أسماء هذه الأشياء، فالبسطاء والسذج من الناس وأصحاب الشهوات وأصحاب الأغراض الدنيئة يعجبهم تغيير الاسم فيقعون في هذا الأمر المحرم، وإذا جئت تناقشهم في الربا يقولون: هذه فوائد استثمار بيع وشراء، والموسيقى والمعازف ونحت الأصنام فنون جميلة هكذا يسمونها.
ولاشك أننا أهل الإسلام لا نرضى بذلك ولا نقره، بل يجب علينا أن نفضحه وأن نبينه وأن نرد على قائله، وأن نقول له: كذبت، الحلال ما حلله الله، والحرام ما حرمه الله، وأن السكر لا ينقلب ملحاً إذا كتبت على كيس السكر: ملح، فإن الجوهر والحقيقة تبقى هي هي، وإن زخرفوه وقلبوا لك الأمور حتى تظن أن الأمر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة. |
|
|
|
|
|
|
خامساً: من كيد إبليس التسويف، فكلما جاء طارق الخير إلى نفس المسلم أرسل إبليس بواباً ليصرف هذا الطارق، فمن هو البواب؟ إن اسمه بواب لعل وعسى، في المستقبل، إن شاء الله، سيأتي الوقت، سوف، لعلني في المستقبل، وقد يكون من تلبيس إبليس في هذه المسألة، أنه يجعل الإنسان عائقاً، يقول له: إذا زال العائق افعل هذا الفعل.
فمثلاً: يأتي إلى الإنسان طارق طلب العلم، فيأتي إبليس يقول لهذا الشخص: أنت الآن منشغل بالدراسة هذه الدارسة وتحصيل الشهادة اجعل طلب العلم الآن على جنب، إذا انتهت الدراسة تطلب العلم إن شاء الله، فإذا انتهت الدراسة أتى له بعائق آخر، قال له: أنت الآن سوف تبحث عن وظيفة انتظر حتى تبحث عن وظيفة ثم تطلب العلم، فإذا وجد الوظيفة وجد له عائقاً آخر فقال له: ثبت نفسك أولاً فأنت الآن جديد في الوظيفة وهم سيجربونك في الوظيفة وبعد ما تثبت جدارتك وتشتغل ليلاً ونهاراً اطلب العلم، وهكذا.
وإذا جاءه الإنسان مثلاً: طارق الدعوة إلى الله يقول له: قم ادع إلى الله، فيقول له الشيطان: أصلح نفسك أولاص وتخلص من عيوبك ثم تشتغل بالدعوة، فينشغل الإنسان ويظن أنه على خير وأنه الآن يخلص نفسه من العيوب والزلات والآثام والمعاصي ثم يقول له إذا وصل إلى مستوىً يرضى بنفسه منه، يقول له: لا بد أن تطلب العلم أولاً، فإذا طلبت العلم وحفظت أشياء كثيرة من الكتاب والسنة بعد ذلك تدعو، فيقول العبد في نفسه: صحيح، أنشغل بهذا فإذا أتممت قسطاً وافراً من العلم أبدأ في الدعوة.
وهكذا يتدرج في وضع العوائق في طريقه كلما أتى ليعمل شيئاً وضع له عائقاً، إذا جاء ليتصدق قال: أولاً وفر مهر الزواج، ووفر أثاث البيت .. وهكذا، فيشغله بعائق عن العمل وعن الوصول لهذا الأمر المشروع، ولا شك أن ذلك من كيد إبليس وتلبيسه، والعاقل من عرف أنه لا بد أن يضرب في كل حقل بسهم مما يستطيع من طاعة الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يشغله خير عن خير فهو يعمل في أبواب الخيرات ما استطاع، ويكمل نفسه بمرور الوقت، يكمل نفسه ويعمل للإسلام، يكمل نفسه ويتصدق ويجاهد ويتعلم ويدعو ويعمل ما يستطيع من أبواب الخير.
سادساً: أنه يأتي أحياناً للإنسان، فيقول له: إن هذا الجانب الذي أنت فيه جانب عظيم من الخير، فعليك به واهتم بهذا الأمر، فينشغل العبد بهذا الجانب عن بقية الأشياء، فمثلاً يقول له: أليست النفقة على المال والأهل عبادة؟ إذاً أنت اعمل الآن في هذه الوظيفة واشتغل هذه تجارة أعطها جهدك وضع فيها تركيزك؛ لأنها عبادة وسوف تستفيد منها أموالاً وسوف تنفق على أهلك وأولادك، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، فيضخم له جانب العمل والوظيفة على أنها عبادة، يضخمها له حتى يظن الشخص فعلاً أنه الآن يؤدي خدمة عظيمة للإسلام بهذا الجانب، فينشغل عن بقية الجوانب، فينشغل عن الدعوة وعن طلب العلم، ينشغل عن أمور كثيرة من أمور الخيرات، بل قد ينشغل بها عن العبادة والشعائر التعبدية.
ونفس الشيء يقال له في الدراسة الدنيوية: أليست الدراسة عبادة؟ ألست تدرس لتكون طبيباً ينفع المسلمين؟ ألست تدرس لتكون مهندساً ينفع المسلمين؟ ألست تدرس لتكون إدارياً يدير مشاريع المسلمين؟ وهكذا .. وهكذا، إذاً: أنت في حقل عظيم عليك بهذا الحقل ركز فيه، اجعل فيه جهدك، فينسى العبد حتى العبادات وينسى أموراً مهمة في الدعوة إلى الله وطلب العلم بهذه الأضحوكة الشيطانية، وهذه اللعبة العفريتية. |
|
|
|
|
|
|
سابعاً: ومن مكايد الشيطان ومصايد عدو الله التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كلاماً مهماً جداً في هذا الموضوع، وأبلغ في العبارة غاية البلاغة، حتى إنني لأقول: لعله أي: ابن القيم من أعدى أعداء الشيطان من علماء المسلمين، فإنه قد بين وفصل في كتبه رحمه الله من وسائل الشيطان في الكيد والإضلال وخداع البشر، وبيَّن طريقة المواجهة وكيفية صد هذه الغارات الشيطانية ما نرجو به عند الله أجراً عظيماً ومثوبة جليلة، على ما بين ونفع، وخصوصاً في كتابه العظيم الذي ننقل منه أطرافاً بالنص إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، وهذا الكتاب العظيم يصد كثير من الناس عن قراءته لطوله، وتفرع ابن القيم رحمه الله في ذكر مباحث يتوسع فيها في هذا الكتاب، بحيث قد يمل القارئ من القراءة فيها، كأبواب الحيل والطلاق بالثلاث وهكذا مسائل الطلاق بالثلاث حتى إن الشخص الذي ليس عنده رسوخ قدمٍ في العلم يمل من القراءة إذا وصل إلى استطراد معين، فتفوته أشياء كثيرة جداً من الأشياء الموجودة في هذا الكتاب.
ولذلك أنصح من يتعرض للقراءة فيه أنه إذا وصل إلى مبحث طويل فيه أحكام فقهية وتفصيلية كثيرة مثلاً، ليتجاوز ذلك إلى الموضع الذي يرى أن نفسه يسهل عليها القراءة فيه، فيحصل شيئاً كثيراً من الخير في هذا الكتاب العظيم.
لقد خدع إبليس بعض العباد والزهاد في الماضي من المتصوفة بقضية الغناء، ولا زال خداعه سارياً في أجيال من البشر في هذه القرن ممن وصل إلى قناعة شيطانية بأن الغناء من العبادة، وأن بعض أصحاب الطرق الصوفية كما هم موجودون الآن بكثرة ولكن قد لا نشاهدهم في هذه البلاد، ولكنهم يشاهدون في أقطار إسلامية بكثرة، والذي يكون من تلك الأقطار أو يتجول فيها يعرف ذلك جيداً، يعملون حلق السماع فيها موسيقى وفيها أشعار وطرب، يقولون: إن هذا ذكر، وعند بعض الناس الذين يقيمون الموالد النبوية بزعمهم أشياء من هذا القبيل، طرب وألحان يتقربون بها إلى الله. |
|
|
|
وذكر ابن القيم كلاماً جميلاً نسوقه بنصه لجماله، يقول رحمه الله عن الغناء: فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكراً منه وغرورا، وأوحى عليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجوراً، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟! ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس ففعل فيها أعظم ما يفعله حمي الكئوس فلغير الله بل للشيطان، قلوب هنالك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزة وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزاً، فطور يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الديار، فيا رحمة للأرض والسقوف من دك تلك الأقدام، ويا سوأتاه من أشباه الحمير والأنعام! ويا شماتة أعداء الإسلام! فأعداء الإسلام إذا رأوا هذه الطرق الصوفية قالوا: هذا الدين؟!
ولذلك في دعايات أعداء الإسلام عن الإسلام يعرضون أفلاماً فيها لقطات من هذه الطرق الصوفية والمذاهب البدعية التي فيها هذا الطرب والأغاني، ويعرضونها على أنها من الدين ويقولون لشعوبهم: هذا هو الإسلام الذي يريد دعاته أن يدعوكم إليه.
يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطرباً، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً، مزامير الشيطان أحب من استماع سور القرآن، ولو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما تحرك له ساكن، ولا أزعج له قاطنا، ولا أثار فيه وجدة، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندة، حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان وولج مزموره سمعه تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زهراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.
فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون! هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن، وهذه الأذواق والمواجيد عند سماع قراءة القرآن المجيد، وهذه الأحوال السنيات عند تلاوة السور والآيات، ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والمشاكلة سبب الميل عقلاً وطبعاً، فمن أين هذا الإخاء والنسب، لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصلحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللا: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف:50]. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تاسعاً: ومن كيد الشيطان وتلبيس إبليس: ما بلغ به من الوسواس الذي أوقع فيه كثيراً من الخلق، وكادهم به كيداً عظيماً، فمرض الوسواس من الشيطان ولا شك، الوسواس كادهم به في الطهارة، وفي النية، وفي الصلاة، وحتى في قراءة القرآن، وفي الطلاق وغير ذلك، وألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى يخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفيه، حتى إن أحد هؤلاء الموسوسين ليرى أنه لو توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اغتسل كاغتساله عليه الصلاة والسلام لم يطهر، ولم يرتفع حدث، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد يغمسان أيديهما فيه، غسل الجنابة ويفرغان عليهما، فالموسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذُكِر الله وحده، مع أن من الذي فعل ذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويزعم له الشيطان أن هذا من الاحتياط في الدين، ومن باب دع ما يريبك إلى مالا يريبك، وإذا مس الصبي أو ولده الصغير فإنه يجب أن يغسل يديه باستمرار وبعض الموسوسات، وهؤلاء يغسل أحدهم يده غسلاً يشاهده ببصره وربما قاله بلسانه، بعض الموسوسين من عذابهم يغسل يديه ويشك حتى يضطر أن يقول بلسانه: الآن أغسل يدي غسلت يدي، ويسمعه بسمعه وربما سمعه جاره ولا يصدق نفسه.
وربما أضر بجسده كالغوص في الماء البارد وكثرة استعماله وإطالة العرك والفرك وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان، ويستهزئ به من يراه، وذكر ابن الجوزي رحمه الله عن أبي الوفاء بن عقيل : أن رجلاً قال له: أنغمس في الماء مرات كثيرة وأشك هل صح الغسل أم لا، فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال وكيف؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ) ومن ينغمس في الماء مراراً ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون! وربما شغله الوسواس حتى تفوته الجماعة، وربما فاته وقت الصلاة بالكلية. |
|
|
|
وقد يشغله الشيطان بوسوسته في النية عند الصلاة في المسجد في الصف، حتى تفوت عليه التكبيرة الأولى، وربما فاته ركن أو أكثر، ومنهم من يحلف بالله ألا يعود إلى هذا ويكذب ويعود.
وقد كان هناك رجل شديد التنطع في التلفظ بالنية والتقعر في ذلك، فاشتد به التقعر والتنطع إلى أن قال مرة وهو حاضر في الصف، حيث كبر الناس وهو حاضر الآن يجمع النية، ويقول: أصلي أصلي أصلي ويعيدها عدة مرات، صلاة صلاة صلاة الظهر الظهر الظهر، جماعة جماعة جماعة، أداءً -يعني: ما هو قضاء- لا بد هذه العبارة تأتي بالكامل عند هؤلاء المبتدعة الذين يتلفظون بالنية وإذا صار موسوساً بعد فكيف ستكون العبارة، تكون شبراً فتصبح ذراعاً، فقال: أصلي أصلي أصلي، صلاة ، صلاة ، صلاة، الظهر، قال: أداءً بدأ يقول أداءً قال: فأعجم الذال وضع عليها نقطة قال: أذاءً، ولا بد أن يقول أداءً لله، وكان يصلي بجانبه شخص فما تمالك نفسه فقطع الصلاة فقال: إيذاءً لله ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين.
وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا وأخرجهم عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فعلى من أراد النجاة من هذه الوسوسة أن يسلك سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدع سبيل الشيطان، قال أحد السلف يوماً لابنه: يا بني! اتخذ لي ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب، نخصص ثوباً خاصاً بالمرحاض، إذا جاء الذباب على هذا الثوب وكان قد وقع على العذراء نفسخ الثوب بعد المرحاض ونصلي في ثوب نظيف، ما عليه من آثار الذباب، ثم انتبه فقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ما كان لهم إلا ثوب واحد يقضون به حاجتهم ويصلون.
فتبين أن التفكير في قضية النجاسة التي يأخذها الذباب برجليه عندما يسقط على الثوب، ويضع فاصلة صفر صفر واحد من النجاسة أن هذا لا شك من أنواع الوسوسة الواضحة.
قال ابن القيم رحمه الله: قال شيخنا ابن تيمية : ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه واحدة منها -عند النية في الصلاة- فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداءً إماماً -أو مأموماً- أربع ركعات مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح يفتش هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه شيئاً من ذلك لما ظفر به، فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأعوانه، وخنزب هو شيطان الصلاة.
وكذلك الوسواس في انتقاض الطهارة، فإن الشيطان يشكك الإنسان خرج منه ريح، خرج، ما خرج، خرج شيء بسيط، خرج لكن فيه ماء، وهكذا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً العلاج: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أو لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) رواه مسلم .
والشيطان يتلاعب بالشعيرات في مقعدة ابن آدم ليوهمه أنه خرج منه شيء وليس كذلك، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام بهذا التلاعب وأن هذا من كيد الشيطان، ومن علاج الوسواس في الطهارة أن ينضح فرجه وسراويله مما يلي الفرج بالماء إذا بال، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. |
|
|
|
|
هذا في الوسوسة في الطهارة، أما ما يفعله الشيطان بالموسوسين بعد البول فحدث ولا حرج، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: يفعلون عشرة أشياء: السلت والنتر والنحنحة والمشي والقفز والحبل والتفقد والوجور والحشو والعصابة والدرجة.
أما السلت فهو عصر الذكر ليخرج منه البول، يقول لا بد أن نفعل هذا الإجراء حتى نتأكد أنه ليس هناك نجاسة، والنتر وهو نفضه ليخرج ما بداخله بزعمهم بعد الاستنجاء هذا إجراء ثانٍ، والنحنحة: بأن يتنحنح لإخراج الفضلة الباقية بزعمهم، والقفز: أن يرتفع على الأرض ويهبط عليها لكي يفرغ ما كان عالقاً، والحبل يتخذه بعض الموسوسين فيتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم يتخرط فيه ويقع على هذا لكي ينـزل ما بقي، والتفقد: هو النظر في المخرج هل بقي فيه شيء أم لا، والوجور: هو فتح الثقب وصب الماء فيه، والحشو: إدخال قطن ونحوه، والعصابة: أن يعصب المخرج بخرقة لئلا يخرج منه شيء، والدرجة: أن يصعد في السلم قليلاً ثم ينزل بسرعة، أو يمشي خطوات ثم يعيد الاستنجاء.
قال ابن تيمية رحمه الله: وذلك كله وسواس وبدعة، فتبين بذلك أن ما يقضيه البعض من الأوقات الطويلة جداً داخل المراحيض يضيعون بها تكبيرة الإحرام والصلاة، هو من الأمور المحرمة ومن كيد إبليس وتلبيسه، ويكفي الإنسان بعد انتهائه من قضاء حاجته أن يستنجي ويغسل بالماء ويرش ما أمام المخرج من الثوب بالماء حتى يقطع على الشيطان طريق الوسوسة، وإذا كان صاحب سلس ويعرف نفسه صاحب سلس، إذا انتهى من قضاء الحاجة يغسل ويرش بالماء، وإذا وضع أمام المخرج لئلا تنتشر النجاسة في الثوب كمنديل بشكل عادي يشده عليه بلباسه العادي، ثم بعد ذلك يتوضأ ويصلي ولا يبالي بعد ذلك بما خرج منه لا بعد الاستنجاء ولا أثناء الوضوء، ولا بعده ولا قبل الصلاة ولا أثناء الصلاة وصلاته صحيحة، والحمد لله، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ولا فرض الله على الخلق أن يقضوا ساعات في دورات المياه لكي يتأكدوا أنه ما بقي قطرة، وهذا السلس هو داء منتشر عند كثير من الناس، وهذه عيادات المسالك البولية تشهد بذلك، وإذا لم يكن هناك في الدين مثل هذه الرخصة المباحة الشرعية لهلك الناس: (بعثت بالحنيفية السمحة).
وهؤلاء الموسوسون لا يرضون بأمور كثيرة مما كان صلى الله عليه وسلم يفعله، فقد كان عليه الصلاة والسلام وأصحابه يخوضون في الطين والوحل وماء المطر وهم يأتون إلى المساجد، ويأتون المسجد ولا يغسلون أرجلهم، وهذه فتاوى الصحابة فيمن وطئ العذرة بقدمه إن كانت يابسة فليست بشيء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه، لا انتقض الوضوء ولا شيء من ذلك، بل يغسل ما أصاب جلده من النجاسة فقط، إذا كانت رطبة، وهذا الخف والحذاء يدلك في الأرض ثم يصلى فيه سنة ثابتة كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ثم لينظر فإن رأى خبثاً فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما) والموسوسون أكثرهم لا يرضون بالصلاة في النعال إذا كان الوضع مناسباً وكان المسجد مفروشاً بالحصى والرمل، ونحو ذلك.
وذيل المرأة، قالت امرأة لـأم سلمة : (إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطهره ما بعده) هي تسحب على الأرض، لو سحبت على نجاسة يطهره ما بعده، وقد رخص للمرأة أن تطيل حجابها ذراعاً وراءها حتى إذا هبت الريح لا تنكشف عورتها وأكثر من ذلك يعتبر إسبالاً في حق النساء، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي في مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في أعطان الإبل، فأين هذا ممن لا يصلي إلا على سجادة، تفرش فوق البساط أو فوق الحصير، وربما وضع عليها منديلاً ولا يمشي على البساط مكان المصلى إلا نقراً كالعصفور إذا اضطر، ووضع السجادة على السجادة الطاهرة من البدع والوسوسة.
وبعض الناس هذه عادتهم إذا دخل مكاناً مع أن البساط نظيف طاهر لا يعلم أن عليه نجاسة لا بد أن ياتي بمفرش الصلاة ليصلي، لماذا؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأي رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) فإذاً وضع السجاجيد على السجاجيد نص أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنها من البدع، إذا كانت السجادة نظيفة وطاهرة، فلا يوضع عليها شيء ويصلي.
وبعضهم يقول: لا بد أن نضع للإمام سجادة خاصة لماذا؟! إن مثله مثل المسلمين، يصلي على بساط المسجد مثله مثل المسلمين، فلماذا توضع له سجادة منفصلة، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يحمل أمامة بيده، فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها، وإذا قال قائل: كيف يصح هذا وفيها نجاسة قد تكون في هذه الحفاظة نجاسة، نقول: قد فعله من هو خير منك محمد صلى الله عليه وسلم فإذا رفع وضعها وإذا قام حملها، وكان يصلي في الليل وكان بجانبه عائشة وهي حائض، وربما لامس جسده جسدها.
وكان الصحابة يتوضئون من الحياض والأواني المكشوفة، لا يسألون هل أصابتها نجاسة أم لا، [مر عمر يوماً مع صاحب معه تحت ميزاب فسقط عليهما شيء من الميزاب، فقال صاحب عمر : يا صاحب الميزاب! ماؤك طاهر أو نجس، فقال عمر : يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا، ثم مضى].
وكان صلى الله عليه وسلم يصغي الإناء للهرة حتى تشرب ويشرب هو منه صلى الله عليه وسلم ويتوضأ منه، وقال: ( إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، يقول ابن القيم رحمه الله: والمراضع -المرأة التي ترضع- المراضع لا زلن من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الآن يصلين في ثيابهن والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، ولا تغسل شيئاً من ذلك -هذا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم- ما يخرج من الطفل طاهر من القيء لصعوبة وتعذر التحرز من قيء الولد على المرضعة وهي ترضعه وتحمله وتضعه باستمرار.
ونص الإمام أحمد رحمه الله على أن حبل الغسال إذا نشر عليه ثوب نجس ربما جففته الشمس، أي: جففت حبل الغسال، ثم نشر عليه ثوب طاهر رطب، قال: لا بأس به، وكان صلى الله عليه وسلم يشرب من موضع فيّ عائشة ويتعرق العرقة فيضع فاه على موضع فيها وهي حائض ويأكل وراءها صلى الله عليه وسلم.
والوسوسة أشكالها كثيرة جداً مثل الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها قال ابن الجوزي : ولقد رأيت من يخرج بصاقه عند إخراج الضاد لقوة تشديده، والوسوسة في الطلاق فإنه يقول: طلقت أو ما طلقت، إذا فكر في الطلاق يوسوس ربما حتى في النهاية تلفظ بالطلاق. |
|
|
|
|
|
|
|
|