|
ما هي صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما هي السنة فيه؟
ما هي المواقف التي ضحك فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أو ضحك فيها الصحابة؟ وما هو ضحك الأنبياء والصالحين؟
وما هو قرين الضحك؟ وما هو ضده؟ وكيف يتخلص منه؟ وبماذا وصفه أهل العلم؟ وما هي أسباب الضحك؟ وما هو حكمه لا سيما في الصلاة؟
أسئلة كثيرة جاءت إجاباتها مفصلة ضمن هذه المادة. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أما بالنسبة للضحك فلا شك أن الإكثار منه مذموم شرعاً، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الكسوف: (ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
إذاً: حال المؤمن الجاد المتصل قلبه بالله، المستحضر لعظمته سبحانه وتعالى، الذي يتذكر ما في اليوم الآخر وما يحدث يوم القيامة من الأهوال، ويعرف شدة عذاب النار لا يكثر من الضحك، فإننا ما خلقنا للضحك واللهو واللعب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً حكم كثرة الضحك وهو يوصي أبا هريرة : (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأقلّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب).
هذا الحديث يبين حكم الضحك، حتى ذكر ابن النحاس رحمه الله في كتابه العظيم تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ، قال في تعداد الصغائر -لأنه ذكر فصلاً يتعلق بالكبائر وفصلاً يتعلق بالصغائر- ومنها -من الصغائر-: كثرة الضحك بلا سبب، كذا عدها العلماء من الصغائر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر: (إياك وكثرة الضحك! فإنه يميت القلب) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير البشر متصلاً قلبه بربه، فكان لا يُكثر من الضحك، ولا يقهقه كما يفعل كثيرٌ من الناس، بل كان عليه الصلاة والسلام وقوراً متزناً هادئاً، فقد جاء في صحيح مسلم، عن جابر بن سمرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك) وهاتان صفتان ينبغي أن يتخلق بهما المسلم الجاد، ولا شك أن هذا يعود إلى تقدير وتذكر ما خلق الإنسان من أجله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] وتصف عائشة رضي الله عنها ضحك النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح الإمام البخاري ، قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يتبسم).
وجاء في رواية أخرى: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى ترى لهواته). واللهاة: شيء في الفم، تظهر إذا أغرق الإنسان في الضحك، فانفتح فمه من شدته، فتظهر هذه اللهوات، ولذلك فإن الإقلال منه والاقتصاد وجعل أكثره تبسماً هو السنة.
وكذلك فإن الضحك منه ما يكون كفراً كما إذا اشتمل على استهزاءٍ بشيءٍ مما أنزله الله سبحانه وتعالى، فإذا ضحك سخرية مما أنزله الله، أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من شخص النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه كافر، وقد أتاك نبأ الكفار من قريش لما اجتمعوا عند الكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلي، قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي -انظر كيف يصفون النبي صلى الله عليه وسلم- أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم -أشقى القوم- ابن أبي معيط ، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعضٍ من الضحك.
وفي رواية للبخاري أيضاً: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض حتى جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم فأزالته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم من شجاعتها بالرغم من صغرها رضي الله عنها.
ومن الأمور المتعلقة بآداب الضحك: أنه لا يجوز الكذب لإضحاك الناس، كما يفعل كثيرٌ من المضحكين الذين همهم إضحاك القوم، فإنهم يكذبون لأجل ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الحسن الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما: (ويلٌ للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويلٌ له ويلٌ له).
وبهذا تعلمون شيئاً من الأضرار الشرعية الناجمة عما يسمونه اليوم في عالم الفن والمسرحيات (بالكوميديا) الذي من أجله يعملون الأفلام والمسرحيات المضحكة، والغرض منها إضحاك الناس؛ فيكذبون لأجل ذلك، وكثيراً ما يستهزئون بالدين، أو بأسماء الله سبحانه وتعالى، يحرفون فيها، أو يلمزون المطوعين من المؤمنين من عباد الله الصالحين، ولا شك أن هذا كفر.
كثير من المسرحيات التي صدرت مؤخراً فيها هذا الكفر وهي في قالب (الكوميديا)، ثم لو قلنا: إنها لا تشتمل على الكفر فهي تشتمل على الكذب، فإن فيها كثيراً من الكذب، ثم إن قلنا: إنها سالمة من الكذب، فإن مبناها على إضحاك الناس ضحكاً متوالياً حتى أن بعضهم من شدة الضحك قد يُلقى على الأرض، وتعلو أصوات القهقهات من المتفرجين، فهي تقسي قلوب جميع الناظرين إليها، ولا شك أن كثرة الضحك تميت القلب.
وبذلك نعلم مخالفة هذه المسرحيات والأفلام الكوميدية لآداب الشريعة الإسلامية، ولذلك يقوم القائم منها وبطنه موجوعٌ من شدة الضحك، وقد علا قلبه غلاف سميكٌ من الران والغفلة التي نجمت عن مشاهدة هذا الفيلم أو المسرحية، وما عُهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحداً من أصحابه كانوا يجلسون مجلساً كله ضحك، من أوله إلى آخره، يجمعون به سائر الطرف وسائر الأشياء المضحكة ويعملون مجلساً للضحك، فبهذا يُعلم بأن هذه الأشياء كثيرٌ منها محرم والباقي مكروه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد : وللضحك أسبابٌ عديدة هذا أحدها وهو الضحك مما يتعجب منه ويُستندر.
الثاني: ضحك الفرح: وهو أن يرى ما يسره أو يباشره -وسيأتي أمثلة لهذا إن شاء الله-.
والثالث: ضحك الغضب: وهو كثيراً ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب وإعراضه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به، ومن الأشياء التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في المناسبات يتبسم فيها تبسم المغضب قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما جاءه متخلفاً بعدما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الغزو، قال كعب : (فلما رآني تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضب) فإذاً: التعبير عن الغضب يكون أحياناً بالابتسامة.
وهذه بعض أسباب التبسم أو الضحك، وهي:
مما يتعجب منه، وللفرح، وتبسم المغضب، وقد يكون -كما ذكرنا- ضحك سخرية واستهزاء وقد يكون كفراً، وقد يكون من قلة الأدب إذا كان ضحكاً بلا سبب.
ومن الأمور التي جاءت الشريعة فيها بالندب إلى المضاحكة: ملاعبة الزوجة، والبكر بالذات، كما جاء في صحيح البخاري في عدة مواضع من حديث جابر لما تزوج ثيباً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تزوجت يا جابر ؟ فقلت: نعم. فقال: بكراً أم ثيباً؟ قلت: بل ثيباً، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك؟... ) الحديث وهذا هو الشاهد منه، أن ملاعبة الزوجة ومضاحكتها لا شك أنها من الشرع الحنيف، ومن الأمور المحمودة. |
|
|
|
|
|
|
ومما أورده أهل العلم في الضحك: |
|
|
|
ما قاله الإمام الماوردي رحمه الله في كتاب: أدب الدنيا والدين تحت عنوان: (آفة الضحك) قال: "وأما الضحك فإن اعتياده شاغلٌ عن النظر في الأمور المهمة"، أي: أن الإنسان الذي يكثر الضحك إنسان غير جاد، وكثرة الضحك من علامات عدم الجدية المطلوبة من المسلم.
وقال في مفاسد الضحك: "والإكثار منه مذهلٌ عن الفكر في النوائب الملمة"، أي: إذا نزل بالإنسان نائبة ملمة وصار يُكثر من الضحك، لم يستطع فكره أن يجتمع لأجل مواجهتها، "وليس لمن أكثر منه هيبةٌ ولا وقار"، وهذه مضرة ثانية، فالشخص المكثر من الضحك يزول وقاره وهيبته من نفوس الناس، ولذلك يجترئون عليه، لما صار مكثراً للضحك، وتسقط هيبته من قلوب الناس، ولا شك أن هذه السلبية قاتلة لأثر الداعية على الآخرين، فإن الداعية لا ينبغي أن يكون من المكثرين من الضحك، فإن كثرة الضحك منه تزيل أثر كلامه أو لا تجعل لكلامه أثراً ووقعاً في قلوب الناس، وغاية ما يكون مع المدعو أنه يتندر معه ويأتي بالطرف.. ونحو ذلك.
نعم! إن الإتيان بالطرف أحياناً بأدبٍ وحكمة لها فوائد، منها: إيناس الشخص الآخر ، وملاطفته للدخول إلى قلبه، لكن إذا كان الهدف إنما هو ضحك في ضحك، فأي شيءٍ هي الدعوة؟ هذا ما صار عبوراً إلى قلبه، بل صار كل شيءٍ هو الضحك.
ولذلك تجد بعض الذين يؤدون الأدوار الهزلية حتى من بعض المنتسبين إلى التدين يَسقط شيءٌ من هيبتهم من قلوب المشاهدين والحاضرين، لأجل أن الدور الهزلي لا يناسب الشخصية الجادة.
قال: "وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وسم به خطر ولا مقدار"، لأن الناس يقولون: هذا مضحك القوم، اذهب إلى فلان يضحكك، اذهب إلى فلان تجلس إليه يوسع صدرك بالنكت والطرائف، ويا ليتها نكتاً يستفاد منها.
روى أبو إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه)، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49] قال: [ الصغيرة الضحك، والكبيرة القهقهة ].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [من كثر ضحكه قلت هيبته].
وقال علي بن أبي طالب : [إذا ضحك العالم ضحكة مج من العلم مجة]، وقيل في منثور الحكم: ضحكة المؤمن غفلة في قلبه.
والقول في الضحك كالقول في المزاح: إن تجافاه الإنسان بالكلية -لا يضحك أبداً- نُفر عنه وأُوحش منه، وإن ألفه .. دائماً يضحك، كان حاله ما وصفناه، أي: من عدم الهيبة والوقار، وعدم اجتماع الفكر للأشياء المهمة، وأنه يلهي عن الأشغال والأمور المهمة.
قال: "فليكن بدل الضحك عند الإيناس تبسماً وبشرة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [التبسم دعابة]، وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك -لأن التبسم يؤنس الشخص أكثر من الضحك- الذي قد يكون استهزاءً وتعجباً، وليس ينكر منه المرة النادرة"، كمن يضحك نادراً، لا بأس لطارئٍ استغفل النفس عن دفعه، فبعض الأحيان تهجم الضحكة فلا يستطيع مدافعتها فهي تأتي فجأةً.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملك الخلق لنفسه قد تبسم حتى بدت نواجذه، وإنما كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي ذكرناه. |
|
|
|
|
قال صاحب المنهج المسلوك في سياسة الملوك : "اعلم أن كثرة الضحك تضاهي المزاح في المذمة والقبح، ولا تقتضيه حال الملوك وأرباب المناصب؛ لما به من زوال الهيبة، وذهاب الوقار، وقلة الأدب، ومن أكثر من شيءٍ عُرف به، ولكن لا بد أن يرى الإنسان أو يسمع ما يغلب عليه الضحك منه، أو تمسه الحاجة إليه، لإيناس الجليس، فينبغي إذا طرأ شيءٌ من ذلك أن يجعله تبسماً"، إذا جاء الضحك وطرأ عليك فاجعله تبسماً من غير قهقهة واسترسال، وبالنسبة للذي لا يضحك أبداً أو يتطرف في القضية ويقول: ينبغي علينا ألا نضحك ألبتة، ولذلك دائماً يكون عبوساً وكالحاً، ويكون دائماً ممن لا يلقى الناس بوجهٍ سهلٍ لينٍ، ولا يتبسم مطلقاً، ويعتبر ذلك من علامات الجدية، وأنه من الوقار ومن السمت، هذا كله من تسويلات الشيطان. |
|
|
|
|
هناك تعليق لطيف للذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء في ترجمة يحيى بن حماد رحمه الله تعالى، قال: قال محمد بن النعمان بن عبد السلام : لم أر أعبد من يحيى بن حماد وأظنه لم يضحك، قلت - الذهبي -: الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين، فالمشايخ الذين لا يضحكون ويتبسمون:
أحدهما: يكون فاضلاً لمن تركه أدباً وخوفاً من الله، وحزناً على نفسه المسكينة، فإذا كان هذا لا يضحك خوفاً من الله وحزناً على نفسه المسكينة فهذا معه الحق.
والثاني: مذموم لمن فعله حمقاً وكبراً وتصنعاً.
إذاً: الذي يتصنع عدم الضحك ويريد بذلك وقاراً دائماً.. ونحو ذلك، وربما صنعه كبراً، أي أنه لا يضحك مما يضحك منه الناس، ومما يتندر منه، ومن الأشياء الطريفة بالحق، ويزعم أنه لا يتأثر بها فلا يبدي أي نوع من أنواع الابتسامة فهذا إنسان متصنع للهيبة والوقار، وتصنعه ممجوجٌ مذمومٌ.
إذاً: التكلف الموجود في بعض النفوس من عدم الضحك زعماً للوقار تطرفٌ مقيتٌ، كما أن من أكثر الضحك استخف به -ما صار له قيمة عند الناس- ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر في الشيوخ، هذه فائدة أخرى، أي: أنه ينبغي على من تقدمت به السن أن يراعي سنه وقربه من القبر، وأن الشاب ربما كان فيه من المرح وطبيعة روح الشباب ما يجعله يقع في هذا، لكن الشيخ الكبير لا ينبغي له الإكثار مثلما يقع من الشاب، ليس بنفس الدرجة هذا حكم السن.
قال: "وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله"، أي: التبسم وطلاقة الوجه لا علاقة لها بمسألة القهقهة والإغراق في الضحك، التبسم وطلاقة الوجه سنة، وإدامة التبسم سنة، "قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ، وقال جرير : (ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم) فهذا هو خُلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكَّاءً بالليل، بسَّاماً بالنهار"، هذه عبارة في غاية الجودة، فأعلى مقامات المسلم من كان بكَّاءً بالليل بسَّاماً بالنهار، هذا هو المطلوب.
وقال رحمه الله: "إذا كان الإنسان طبعه مرح -طبعه أنه يكثر من الضحك- ينبغي أن يقصر من ذلك"، لا يقول هذا طبعي اقبلوني على ما أنا عليه، ولا تلوموني، لا. بل ينبغي عليه أن يعالج نفسه ويجاهدها.. ينبغي لمن كان ضحوكاً بساماً أن يقصر من ذلك ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس، وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسم، هذه عبارات تربوية من الإمام الذهبي رحمه الله.
إذا وجدنا إنساناً مفرطاً في المسألة نقول: جاهد نفسك ولومها حتى لا تمجك الأنفس، ونقول للشخص العابس المنقبض: تبسم وأحسن خُلقك "وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسم ويحسن خُلقه ويمقت نفسه على رداءة خلقه، وكل انحرافٍ عن الاعتدال فمذموم كما قال الشاعر:
كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ "
القصد: الوسط، وكلا الطرفين مذموم؛ الإكثار من الضحك مذموم، ودوام العبوس مذموم، "ولا بد للنفس من مجاهدة وتأديب". انتهى كلامه رحمه الله، كانت هذه عبارة نفيسة علقها الذهبي في ترجمة يحيى بن حماد رحمهما الله تعالى.
وينبغي أن يعذر من كان عنده شيءٌ من هذه الجبلة أكثر من الذي يتصنع الضحك ويقهقه، فبعض الناس وصل بهم التقليد إلى درجة من السوء أنه صار يقلد في ضحك الممثلين، وينظر من أعلى الناس صوتاً في الضحك فيقلده، وكيف يقهقه فلان فيقهقه مثله!! وهذا لا شك أنه من الأمور المذمومة، وقد ذكر الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي الوليد الباجي في كتاب فرق الفقهاء ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الوراق -وكان ثقةً متقناً- أنه شاهد أبا عبد الله الصوري وكان فيه حسنُ خلقٍ ومزاحٌ وضحكٌ، لم يكن وراء ذلك إلا الخير والدين، ولكنه كان شيئاً جبل عليه -أي: هذا العالم كان عنده شيءٌ من هذه الجبلة فهو مرحٌ أو يغلب عليه الضحك، لكنه لا يتقصد ذلك أو يتكلفه أو يكثر منه رغبة ، لا. لكن قد يكون عنده شيءٌ من هذه النفسية التي يهجم عليها الضحك هجوماً قوياً يصعب مدافعته- وكان فيه حُسن خلقٍ ومزاح وضحك، لم يكن وراء ذلك إلا الخير والدين، ولكنه كان شيئاً جُبل عليه، ولم يكن في ذلك بالخارق للعادة، فقرأ يوماً جزءاً على أبي العباس الرازي وعَنَّ له أمرٌ ضَحَّكَهُ، وكان بحضرة جماعة من أهل بلده فأنكروا عليه، وقالوا: هذا لا يصلح ولا يليق بعلمك وتقدمك أن تقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تضحك وكثّروا عليه، وقالوا: شيوخ بلدنا لا يرضون بهذا، فقال: ما في بلدكم شيخٌ إلا يجب أن يقعد بين يدي ويقتدي بي، ودليل ذلك: أني قد صرت معكم على غير موعد، فانظروا إلى أي حديث شئتم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرءوا إسناده لأقرأ متنه، أو اقرءوا متنه حتى أخبركم بإسناده -أي: الإكثار عليه والتشنيع والتعنيف من أجل هذه الخصلة الجبلية وأنه حصلت منه مرة بمجلس ونجعل من الحبة قبة هو أيضاً أمر مجافٍ للعدل- ثم قال الباجي : لزمت الصوري ثلاثة أعوام فما رأيته تعرض لفتوى، أي: كان ورعاً عن الفتوى، قلت - الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي عبد الله الصوري -: كان من أئمة السنة وله شعرٌ رائق، وقد مات الصوري سنة (441هـ). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وأخيراً: نختم الكلام في موضوع الضحك بمسألة فقهية وهي: الضحك في الصلاة.
إن الضحك بصوتٍ يفسد الصلاة عند جمهور الفقهاء إن ظهر حرفان فأكثر على مذهب كثيرٍ منهم، وقال بعضهم: إنها لا تبطل لأنها ليست بكلام، أما التبسم فلا يفسد الصلاة عند جمهور الفقهاء لأنه ليس بكلام.
أما بالنسبة للوضوء من الضحك فقد جاء حديثٌ ضعيفٌ جداً: (الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء)، وحديثٌ ضعيفٌ آخر: (من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة) لكن الصحيح وإن كان بعض الأحناف يقولون إلا أن الضحك لا ينقض الوضوء.
وإعادة الوضوء من القهقهة ومن الضحك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك نعلم أن الضحك لا ينقض الوضوء ولا القهقهة، لكن إذا قهقه الإنسان فجمهور الفقهاء على أن صلاته تبطل إذا صدر الصوت. |
|
|
|
|
|
|
علاج كثرة الضحك يكون بأمور، منها:
أولاً: الإكثار من ذكر الله عز وجل.
ثانياً: تذكر عظمته.
ثالثا: تذكر اليوم الآخر.
رابعاً: أن يجاهد نفسه في كتم الضحك.
خامساً: ألا يكثر من مخالطة الشخصيات الهزلية.
سادساً: أن يساعده أصحابه على ذلك، لا يقولون: يا فلان، ما هي آخر نكتة؟ وأطرفنا، أو أضحكنا، وماذا عندك اليوم؟ بل عليهم أن يساعدوه على أن يكون جاداً، هذا ما ينبغي أن يكون.
ولعل تذكر الموت وما بعده من الأهوال مما يُعين على ذلك، والمسألة مسألة مجاهدة.
هذا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هادين مهديين، وأن يهدي بنا، وأن يتوب علينا أجمعين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. |
|