|
ما حقيقة الروح؟ كيف تنظر إليها الشريعة؟ ما علاقتها بالإنسان؟ ما حقيقة تعلقها بالجسد وانفصالها عنه؟
هذه المادة محاولة جادة للإجابة عن هذه الأسئلة، وخطوة في طريق فقه هذه المسألة، ابتداءً من تعارف الأرواح وتناكرها، ثم علاقة الملائكة بالروح أثناء الموت وبعده، ومصير الروح بعد الموت، وبيان تلاقي الأرواح مع بعضها. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
لقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ملك موكل بقبض الأرواح يرسله الله تعالى إلى من شاء، لا يحبسه حابس ولا جدار، يدخل على الفقراء والأغنياء والملوك فيقبض أرواحهم، أرسله إلى موسى فشمه شمة فقبضت روح موسى كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد شيء حصل بينهما، يرسله الله إلى الأنبياء وغيرهم ليقبض الأرواح، وله ملائكة يعاونونه، و يحضر عند الموت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب بحسب حال المحتضر، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن جهة خروج الروح تكون من قبل الرأس لا من غيره، وقد قال في الحديث الصحيح لما دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) فيكون خروج الروح من الجهة العلوية، والبصر يتبع الروح، ولذلك تجد الميت شاخصاً ببصره إلى الأعلى.. إلى جهة أعلى الرأس مكان خروج الروح.
هذه الأرواح تجعلها الملائكة في أكفان من الجنة إذا كان أصحابها من أهل الجنة، وفي أكفان من النار إذا كان أصحاب الأرواح من أهل النار. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
عباد الله! إن لهذه الروح شأناً.. إن هذه الروح التي تخرج عند الموت تعود إلى الجسد ليقع العذاب والنعيم على الجسد والروح معاً، إنها ترجع للسؤال.. تعاد روحه في جسده ليأتيه الملكان فيجلسانه ليسألانه عن هذه الأمور المذكورة في الذكر الذي ينبغي أن يردد صباحاً ومساء: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً.
عباد الله! دلت الأحاديث والنصوص على أن الروح تعود إلى البدن ليقع العذاب أو النعيم على هذه الروح التي تكون في البدن في القبر كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، ولذلك نعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن إنساناً لو أُحرق حرقاً بالنار وذر رماداً في يومٍ عاصفٍ عند البحر لجمعه الله وأوقع العذاب أو النعيم على روحه وبدنه، وكذلك لو تخطفته الطير. |
|
|
|
|
|
دلت النصوص على عذاب القبر ونعيمه، ومنها: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)، وقبل ذلك قول الله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] وعذاب البرزخ مذكور في القرآن والسنة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار يعذبون، وأنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم، لا يسمعه الجن ولا الإنس، وقد شهد الواقع بذلك أيضاً، حتى قال بعض أهل العلم: لهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت -أكلت التراب مع البقل- فأصابها شيء في بطنها إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كـالإسماعيلية والنصيرية والقرامطة من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام ، فإن أصحاب الخيل التي أصابها هذا الداء كانوا يقصدون قبورهم، فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث ذلك لها فزعاً وحرارة تذهب بذلك المغل الذي حدث لها في بطنها، وقد ذكر بعض أهل العلم وهو الحافظ عبد الحق الإشبيلي رحمه الله في شرحه لـصحيح مسلم ، لما وصل مع الطلاب إلى الحديث الذي فيه عذاب القبر أخبرهم بالقصة التي حدثت أن دابة أتت إلى قبرٍ من القبور فألصقت أذنها به ثم تراجعت إلى الوراء، ثم ذهبت إلى القبر فألصقت أذنها به ثم تراجعت إلى الوراء، فعلت ذلك مراراً، ومن يسأل بعض الرعاة الذين ربما يرعون حول المقابر أو يمرون ببهائهم على المقابر لسمع من ذلك أحداثاً عجيبة. |
|
|
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، لا إله إلا هو يفعل ما يشاء، أشهد أنه الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، هو الرحمة المهداة، والبشير النذير، والسراج المنير، أرسله الله إلينا، علمنا فأحسن تعليمنا، وأدبنا فأحسن تأديبنا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله! إن هذه الروح يكون لها مواقف شتى في أمكنة مختلفة قد جاءت في الأحاديث الصحيحة، فإن قلت يا عبد الله: أين تكون الأرواح إذا خرجت؟ فإن النصوص قد جاءت بأن منها ما يكون في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، وجاء في بعض النصوص بأنها تكون عن يمين آدم وعن يساره أرواح أيضاً، فعن يمينه أسمدة (وهي أرواح المؤمنين)، وعن شماله أفئدة (وهي أرواح الذين كتب الله عليهم العذاب)، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شخص بعد الموت محبوس على باب الجنة، فقال: (رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة) وفي الحديث الصحيح: (ومنهم من يُحبس في قبره بسبب الدين، ومنهم من حبس في قبرة في غلة غلها)، ومن الأرواح ما يكون مقره عند باب الجنة كما جاء في حديث ابن عباس : (الشهداء على بارق) ما هو بارق؟ (قال: نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرةً وعشياً) حديث صحيح.
إذاً: الأرواح منها أرواح في مراتب عليا تسرح في الجنة.. في مراتب عليا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومنها ما يكون على بارق -نهر بباب الجنة- يخرج رزقهم من الجنة إليهم بكرة وعشياً، ومنها ما يكون في قناديل، أو منها ما يكون آوياً تحت العرش يأوي إلى تحت العرش كما جاء في الحديث أيضاً عن أرواح المؤمنين أنها معلقة، أنها تكون تحت العرش، ومن الأرواح ما يكون محبوساً في الأرض لا يرفع إلى الملأ الأعلى، ومنها ما يكون محبوساً في تنور من نار يأتيهم النار من أسفل فيضجون ويصيحون، وهؤلاء هم الزناة والزواني، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهم في الحديث الصحيح (أرواح الزناة والزواني تحبس في تنور من نار يعذبون إلى أن تقوم الساعة) هذا عذابهم في البرزخ، وكذلك أكلة الربا الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم يسبحون في نهر الدم ويلقمون الحجارة، ويسبحون والحجارة في بطونهم في نهرٍ من دم منتن كما كانوا يأكلون الربا في الدنيا.
عباد الله! إذاً الأرواح أحوال مختلفة في أماكن مختلفة، ولكن يبقى لها اتصال بالبدن، ولو كانت تطير وتسرح في أنهار الجنة في أعلى عليين فإنه لا يزال لها تعلق بالبدن في الأسفل في الأرض لتنعم أيضاً.
ولا تقل: كيف يكون الشيء في مكانين في وقت واحد؟ فالجواب: هذا في الدنيا، أما عالم الغيب -أمر الآخرة- فهو أمر مختلف تماماً، نعم تكون في مكانين في وقت واحد، وتكون متصلة بالجسد وهي في أعلى عليين. |
|
|
|
|
|