|
إن الله جل وعلا كما أنه حفظ الدماء وصانها من السفك والهدر والضياع، حفظ الأعراض وجعل لها حرمة وصيانة، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه آداباً وأخلاقاً تحفظ الناس من النظر إلى أعراض المؤمنين، ولذلك ذكرها الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة، فبدأ بأهمية الاستئذان وثماره المترتبة عليه، ثم ذكر غالب آداب الاستئذان، ومتى يجب الاستئذان، ومتى يسقط؛ مستدلاً بآيات من كتاب الله، وأحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعــد:
فحديثنا في هذه الليلة عن أدبٍ آخر من الآداب، وهو أدب الاستئذان، هذا الأدب العظيم الذي جاءت به هذه الشريعة المباركة، وكلها خيرٌ وبرٌ وإحسان ونفعٌ للمسلمين في كل أحوالهم، العلم والإعلام، وأذان من الله ورسوله، أي: إعلام، وأذن للشخص أي: أباح له ذلك، واستأذن: طلب الإذن، والسين والتاء تفيد الطلب، فالعلم والإعلام والإباحة والأنس والنداء معانٍ للاستئذان تتضمنه.
وأما بالنسبة للاصطلاح فإن الاستئذان: هو التماس الإذن تأدباً خشية الاطلاع على العورة، وهو أيضاً: استباحة المحظور على وجه مشروع، وهو أيضاً: طلب في الدخول لمحلٍ لا يملكه المستأذن، هذا كله استئذان.
ولا شك أن هذه الشريعة التي تريد سعادة المجتمع، وأن يكون مجتمع إيمان وبرٍ وتقوى، ويتبين فيه خصائص هذه الأمة التي قال الله فيها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] لا شك أن هذا الأدب يبين رغبة الشريعة في هذه الرفعة والمكانة، والإنسان صاحب غرائز وشهوات وميول ورغبات، والله سبحانه وتعالى يعلم ذلك، وحينما حرم الزنا حرم دواعيه من النظر والخلوة والتبرج وكل ما يؤدي إليه، ومن المعلوم خطورة النظر في المجتمع الإسلامي، وإنه إذا أطلق يؤدي إلى الوقوع في المحرمات، ولذلك كان شأنه خطيراً، فنزلت أحكام الاستئذان لمعالجة قضايا البصر، وهو -أي الاستئذان- أدبٌ رفيع يحمي حرمة البيوت ويحافظ عليها.. وأي حرمة أعظم من أن جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم العين التي تنظر بغير استئذانٍ عيناً مهدرةً لا دية لها، فقال صلى الله عليه وسلم: (لو أن امرءاً اطلع عليك بغير إذن؛ فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح) رواه البخاري .
فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلاً ينظر بفتحة الباب، وكان في يده مدراة يصلح بها شعره لها حد، فأخبر الرجل أنه لو علم أنه ينظر إليه لأدخلها من الباب ففقأ عينه، ولذلك نص العلماء على أن الذي ينظر من شق الباب على شخصٍ في بيته وملكه بغير إذنٍ فأدخل صاحب البيت شيئاً في الثقب ففقأ عين الناظر أنها عينٌ مهدرة لا دية فيها.
كل ذلك من أجل حرمة البيوت، والشريعة تريد حماية حرمة البيوت، وتريد أن يكون المجتمع نظيفاً والناس يعيشون في عفة، وتمنع الاطلاع على العورات، فهذه العورات محفوظة في الشريعة، وليست فقط عورة البدن، بل كل ما يمكن أن يكون عورة، فللطعام عورة، وللأثاث عورة، وللباس عورة، وللبدن عورة، والإنسان يحب أن يطلع عليه الناس وهو في حالة تجمل متهيئاً لنظرهم، ولذلك فإن الناس لا يريدون أن يطلع شخصٌ على بيوتهم وهي على غير ترتيب، ولذلك إذا استأذن شخصٌ على إنسان في بيته وفي غرفته وهي ليست مرتبة سارع إلى ترتيبها، ففي الاستئذان مراعاة لمشاعر الناس الذين لا يريدون إظهار أشياء ليس من المناسب أن يطلع عليه الآخرون، وربما يكون في البيت بقايا طعام، ربما يكون إنسان فرغ لتوه من طعامه، ولا يريد من الشخص الغريب أن يدخل عليه وفي بيته بقايا طعام مثلاً، فالاستئذان يفيد؛ فيرفع بقايا الطعام قبل أن يدخل الضيف، إذ ليس من المستحسن عنده أن يدخل عليه ضيفٌ فيرى البقايا أو أوساخ أو أشياء غير مرتبة، أو يرى في ثوب نوم أو بقميص داخلي ولو كان ساتراً للعورة، لكن الإنسان لا يحب أن يراه غيره في هذه الحالة، ولذلك الاستئذان فيه مراعاة لمشاعر الناس، بالإضافة إلى قضية ألا يطلع أحد على العورة وألا تثار الشهوة، وألا تقوم الفتنة، وألا يقع الزنا.
ولذلك نلاحظ أن آية الاستئذان جاءت بعد الزجر عن الزنا والقذف، فلما ذكر الزجر عن الزنا والقذف في سورة النور ذكر الاستئذان والزجر عن دخول البيت بغير استئذان؛ لأنه ربما أدى إلى وقوع أحد المحظورين، ولذلك فإن أدب الاستئذان يؤدي إلى قطع ألسنة السوء من مظنة الريبة، وربما يصادف الإنسان حال خروجه رب الدار، وليس فيها إلا امرأته فتذهب به الظنون كل مذهب، وربما أدى ذلك إلى خراب البيت وإلحاق الأطفال بحال اليتم والضياع.
وقد أباح الله للمماليك والصغار الطواف في البيوت بغير استئذان لحاجة أهليهم وأسيادهم إلا في الأوقات الثلاثة التي جاء النص عليها وهي: ما قبل الفجر.. ووقت الظهر، وبعد العشاء، فلا يجوز لأي إنسان الدخول في هذه الأوقات إلا بإذن حتى لو كانوا داخل البيوت من الخدم أو الإماء والعبيد أو الأطفال الصغار، وذلك لأن هذه الأوقات الثلاثة يأوي فيها الرجال إلى نسائهم وأزواجهم وتنزع فيها الثياب، ولذلك جعل الدخول محظوراً لكي لا تقع الأنظار على عورات الأهل من الأبوين، وهذا أدب يغفل عنه الناس، ويتساهلون في دخول الخدم عليهم ودخول الأطفال الصغار، وربما أدى ذلك إلى أن يرى الطفل أشياء تبقى في مخيلته أو في ذهنه وهو في صغره، وربما أدى ذلك إلى أضرار في كبره. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ومن ملأ عينه من قاع بيتٍ -يعني بعض الناس تراه ينفتح الباب فقط، وهو يحاول أن يرى أكبر قدر ممكن، فهذا مخالف للأدب وشيء شنيع- فإذا ضرب الباب، الآن الجرس يقوم بالاستئذان فهو مفيد، فالبيوت قديماً لو قلت: السلام عليكم أدخل؟ يسمعوا، لأنه قد لا يكون على الباب إلا ستارة، أو يكون باباً بسيطاً، والبيت ليس فيه طبقات وأشياء عميقة، بيوت بسيطة وصغيرة، حجرات النبي عليه الصلاة والسلام ماذا كانت؟
الآن البيوت أدوار وطابق ثانٍ وثالث، ويكون الإنسان في بابٍ وراء بابٍ وراء بابٍ (أبواب مغلقة ..) فلو قلت: السلام عليكم، بأعلى صوتك والمكيفات شغالة لا يمكن أن يسمعك، فيقوم الآن الجرس مكان الكلام، فأنت تطرق الجرس أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، فإن رد عليك تقول: السلام عليكم فلان، تقديم الاسم أحسن، لكن إن سأل أهل البيت تأكد الجواب؛ لأنه قد ورد في الصحيحين عن جابر قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دينٍ كان على أبي فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا أنا كأنه كرهها) فأنا: هذه ليست تغني بالتعريف، فعندما يقال: من؟ لا تقل: أنا؛ وقل: فلان، وإذا كان في أكثر من شخص بهذا الاسم فيقول: فلان الفلاني، لأنه لو طرق الباب وقالوا: من ؟ قال : عبد الله، مَن عبد الله؟ فيقول: فلان بن فلان، أو أبو فلان المقصود أن يعرفه صاحب البيت بشخصيته، بكنية معروفة مشهورة أو باسم العائلة الأول والأخير، المهم أن يأتي له بالاسم الذي يتميز به، لأن صاحب البيت لو أذن لك على أنك فلان وأنت لست بفلان فإذنه لا يغني، وليس المقصود مخادعة صاحب البيت حتى يظن أنك فلان فيأذن ثم يتضح أنه شيءٌ آخر، فهذا ليس استئذان. |
|
|
|
|
وهذه الأجراس والقرع الموجود ينبغي أن يكون بدون إزعاج، فإن أبواب النبي عليه الصلاة والسلام كانت تقرع بالأظافر من الرقة، ومن المبالغة في الأدب والتوقير والإجلال.
وبعض الناس يضع يده على الجرس ولا يرفعها، والجرس يواصل الطرق، بعض الأجراس تواصل التصويت بالضغط على الزر، وهذا من قلة الأدب، وجبريل لما صعد بالنبي عليه الصلاة والسلام للسماء جعل يستأذن فيقال: من؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معه؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً كان يوجد تعريف بجبريل وبمن معه، هذه قد تكون من الإحراجات أن يأتي واحد معه ثلاثة يطرق الباب فيقال: من؟
فلان
تفضل! ويدخل معه ثلاثة، عرِّف وقل: معي فلان وفلان وفلان، المشكلة أن عدم التعريف يسبب إحراجاً لصاحب البيت، فلابد من الإفصاح وتقديم المعلومات، فإذا دخل الإنسان إلى البيت فإن هناك آداباً للمجلس قد سبق بيانها في غير هذا الموضع. |
|
|
|
|
المجيء لابد له من اختيار الأوقات المناسبة، على كل حال فالإنسان لا يأتي مثلاً في نصف الليل أو بعد نصفه، أنا أطرق الجرس ثلاث مرات إن أذنوا لي وإلا رجعت، ولكن هذا الوقت غير مناسب، فاستئذانك مزعج، لو ما جئت لكان أحسن. |
|
|
|
|
أين يقف المستأذن من الباب؟ (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء الباب يستأذن لم يستقبله، يقول: يمشي مع الحائط حتى يستأذن فيؤذن له أو ينصرف) رواه أبو داود ، ورواه الإمام أحمد ، والبخاري في الأدب المفرد ، وصححه الألباني .
فإذاً: لا يقوم مواجه الباب بحيث إذا فتح الباب رأى كل شيءٍ وراء الباب، وقد جاء رجل إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام على الباب، فقال: هكذا عنك -تنح يميناً أو شمالاً والآن الإنسان يتنحى في أي جهة؟ يعني: لا يستقبل الباب بل يذهب يميناً أو شمالاً، يذهب عكس اتجاه فتحة الباب، أي في الجانب الذي لا يرى منه إلى الداخل؛ وإنما يكون في الجانب الآخر، فإذا كان الباب يُفتح يميناً وقف إلى الشمال، وإذا كان الباب يفتح شمالاً فيقف يميناً، والمهم أنه يجلس في المكان الذي إذا افتح الباب لا يرى ولا يطلع، وإذا جعل ظهره للباب أو جنبه بحيث أنه لا يرى وتأخر عن الباب فهذا من الأدب، وبعض الناس بل قلة منهم من يراعي هذه الأشياء، مع أنه من الدين والشريعة ومن السنة وفيها أجر؛ ولكن يوجد تهاون في الحقيقة وإهمال في هذه الأمور. |
|
|
|
|
ماذا بالنسبة لموضوع الرسول الذي يرسل من شخصٍ إلى آخر، واحد أرسل خادمه إلى شخصٍ يقول: فلان يدعوك، هل هذا الخادم يغني عن الاستئذان؟
يقول البخاري رحمه الله في صحيحه : باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن، وساق حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هو إذنه) وجاء في حديث أبي هريرة أنه قال: ادع أهل الصفة قال: فجاءوا فاستأذنوا، فإذاً كيف نجمع بين الحديثين، قال: ابن القيم رحمه الله: إن جاء الداعي على الفور من غير تراخٍ لم يحتج إلى استئذان، وإن تراخ في المجيء عن الدعوة وطال الوقت احتاج إلى استئذان، فلو إنك قلت لشخص: ادع لي فلاناً فذهب وكلمه، فجاء هذا مباشرةً، يدخل عليك مباشرة ولو بغير استئذان، لكن لو دعاه فجاء بعد فترة من الزمن فيحتاج إلى استئذان، وقيل: إذا حضر مع الرسول فلا يستأذن، وإن تأخر عن الرسول لزمه الاستئذان، فـأبو هريرة ما كان معهم، ولذلك لما جاءوا استأذنوا، وأما قوله: رسول الرجل إلى الرجل إذنه فذلك إن جاء معه، ولذلك جاء في رواية (إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذنٌ) رواه أبو داود ، وصححه الألباني .
ففي هذا دلالة على أن الدعاء إلى الوليمة إذنٌ بالدخول والأكل، وهذه مسألة واسعة تختلف فيها الأعراف، يعني مثلاً: بعض الناس يقول: الليلة العشاء عندي، يأتي الناس يجدون باب البيت مفتوحاً، ما معنى فتح باب البيت؟ معناه الإذن فلا يحتاج إلى قرع باب ولا استئذان، تدخل مباشرة إلى المجلس، هذه واضحة من أعراف الناس، وإبراهيم عليه السلام كان بابه مفتوحاً للضيوف، ولذلك قال الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات:24-25] دخلوا عليه معناه: أن بيته مفتوح للضيوف، وقد اشتهر بذلك عليه السلام. |
|
|
|
|
لما تكلمنا عن قضية الاستئذان وقلنا: إنه يرفق بالسلام، السلام قد يكون استئذاناً، وقد يكون الاستئذان بغير سلام، فلو قال الإنسان: أأدخل؟ يكفي للاستئذان، لكن الأفضل أن يكون السلام مرافقاً للاستئذان، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ ويتضح من هنا أن السلام قبل الاستئذان.
بالنسبة لموضوع تقديم الاستئذان كنا نتكلم عن موضوع الاستئذان والسلام أيهما قبل؟ يقول ابن القيم رحمه الله: وفي هذه السنن رد على من قال بتقديم الاستئذان على السلام، ورد على من قال: إن وقعت عينه على صاحب الدار قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان، وهذان القولان مخالفان للسنة، لأن السنة أن يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم أأدخل (ولا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام) حديث رواه البيهقي ، وصححه الألباني : [إذا دخل ولم يقل: السلام عليكم فقل: لا. حتى تأتي بالمفتاح " السلام] رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة من كلام أبي هريرة، كان إذا دخل ولم يقل: السلام عليكم يقول: لا. حتى تأتي بالمفتاح، ويقصد بالمفتاح السلام، فإذاً يقدم السلام على الاستئذان. |
|
|
|
|
لكن الاستئذان على الزوجة ليس بواجب، إنما هو من كمال الأدب، قال ابن جرير لـعطاء : أيستأذن رجل على امرأته؟ قال: لا. لكن قالت زينب زوجة ابن مسعود : [كان عبد الله -يعني زوجها- إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح كراهة أن يهجم منا على أمرٍ يكرهه] إسناده صحيح، صححه ابن كثير رحمه الله في تفسيره ، فإذا من كمال الأدب أن يستأذن الإنسان على زوجته، لكن من ناحية الوجوب لا يجب، وهناك فرقٌ بين إعلامها بالدخول وبين الاستئذان عليها، فالزوجة تعلم بالدخول لئلا تكون على حالٍ تكره أن يراها زوجها عليها، وإلا فالزوجة لا يجب الاستئذان عليها، لكن لا يفاجئها فتقع في شيءٍ من الحرج.
ولماذا أمرنا ألا ندخل على أهالينا ليلاً من السفر؟ لا يطرق الرجل أهله طروقاً لئلا يقع منها على أمرٍ يكرهه، ينتظر حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، وبعد ذلك إذا أراد أن يدخل فليدخل.
طبعاً الآن لو أن إنساناً أخبر زوجته بالهاتف أنا سآتي هذه الليلة، فقد حصل المقصود فيجوز أن يأتي ليلاً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام في أسفاره ينتظر قرب المدينة ، يعني: أهل المدينة يكون عندهم خبر أنه سيدخل قريباً، إذا وصل في الليل لا يدخل في الليل، ينتظر لئلا يدخل الرجل على زوجته في حال يكرهها، يعني: هو جاء من السفر مشتاقاً إلى زوجته، وزوجته غير ممتشطة وغير مستعدة، فعند ذلك كان عليه الصلاة والسلام يبيت خارج المدينة ثم يدخل في الصباح، إذا جاء في النهار دخل، ويمهل، لماذا يمهل؟ قال: (حتى تستحد المغيبة) التي غاب زوجها تستحد يعني: تحلق العانة بالموس، ونحو ذلك من لوازم التهيئ للزوج، فالمقصود التهيئ للزوج لأنه إذا رآها متفرقة الشعر في حالة العرق والمهنة وهو آتٍ من سفر مشتاق إليها نفر منها، وقد تحدث وحشة بينهما، ولذلك أمرت المرأة بالتهيئ لزوجها إذا جاء من سفر ولا يطرقها طروقاً في الليل إلا إذا أخبرها قبل أن يأتي، كما إذا اتصل عليها قال: سآتي أنا في الليل، الطائرة ستصل في الليل ونحو ذلك. |
|
|
|
|
|
|
ومما ينبغي للمستأذن ألا يجعل استئذانه متواصلاً، أأدخل، أأدخل، أأدخل، ثم ينصرف فهذه صارت مثل واحد يريد ألا يدخل، أعط فرصة لصاحب البيت، ويكون بين كل استئذان والآخر وقتٌ يسير، أما قرع الباب بعنف ويضغط الجرس عشرين مرة كما يفعل بعض الناس، والصياح لصاحب الدار فهذا فيه إيذاء وإيحاش، والله سبحانه وتعالى عاتب الأعراب فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [الحجرات:4-5] فهؤلاء كانوا يأتون عند بابه ويصوتون ولا يصبرون، والأولى للإسماع، والثانية ليأخذ الحذر والأهبة أهل البيت، والثالثة ليأذنوا وإن شاءوا ردوه، الأولى استعلام، والثانية تأكيد، والثالثة إعذار، الثلاث وردت في أشياء كثيرة أنها منتهى الأمر، وكذلك فإن الخضر بعد الثلاث امتنع عن مرافقة موسى؛ المرة الأولى قد يكون الإنسان جاهلاً، المرة الثانية قد يكون ناسياً، المرة الثالثة أقيمت عليه الحجة، ما بقي بعد ذلك سبب.
الطلاق ثلاث مرات: المرة الثالثة ليس فيها رجعة، فنجد أن الثلاث في الشريعة جاءت في أمورٍ كثيرة أنها منتهى الأجل ونهاية المطاف. |
|
|
|
|
وكذلك فإن الإنسان إذا لاحظ أن صاحب البيت قد أحرج وخرج إليه في حال غير مناسبة فلا يدخل، بل إنه ينصرف ((فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى عتبان رضي الله عنه واستأذنه فخرج إليه ورأسه يقطر ماءً، فقال: لعلنا أعجلناك؟ قال: نعم يا رسول الله!) والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى سعد بن عبادة ولم يسمع رداً انصرف ولم يلح، فإذاً إذا تبين إنسان أنه قد أحرج صاحب البيت فلينصرف ويعتذر عن حضوره في وقتٍ غير مناسب، إلا إذا لاحظ أن صاحب البيت يريده فعلاً أن يدخل فإنه يدخل.
ولذلك الآن من الأمور التي أهلكتنا قضية المجاملات الفارغة، يعني: مثلاً واحد أوصل الثاني إلى بيته بعد العمل بعد تعبه وإرهاقه وعرقه وجوعه، الذي حصل وصله إلى البيت، فهذا الذي ينزل بيته يقول: تفضل معنا، هل هو يقصد فعلاً حقيقة هذه الكلمة؟ لا يقصدها، بدليل أنه لو تفضل معه لصارت نكبةً عليه، هذه تفضل معنا يعني: مع السلامة، لكنهم يقولونها بعبارةٍ أخرى، فلذلك ينبغي عدم الوقوف عند هذه الألفاظ المجردة، بل ننظر إلى ما وراء ذلك من المعاني والأحوال. |
|
|
|
|
الآن عرفنا إذا استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له يرجع، لكن هل يجوز الزيادة على الثلاث؟
منع من ذلك جمهور العلماء؛ لأن ظاهر الحديث الاكتفاء بالثلاث والزيادة عن الثلاث إزعاج، يعني يمكن تقول: ما سمع من أول مرة، كان ساهياً أو لاهياً، نستأذن إذن مرة ثانية، وهكذا، فقد يكون سمع، ولو كان يريد أن يأذن لأذن، وقال ابن عبد البر رحمه الله: السنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها.
وبعض العلماء قال: يجوز الزيادة إذا لم يكن فيها إزعاج وإحراج لصاحب البيت، أي لو أن إنساناً مثلاً خاصم شخصاً أو بينه وبينه خصومة، فأراد أن يتصالحا فذهب إلى مكانه، وأراد من الزيادة على ثلاث استرضاء الشخص الذي بينه وبينه خصومة، فلم يقصد بالزيادة على الثلاث الإحراج أو الإزعاج، قصد أن يسترضيه ويلح عليه ويقبل منه الدخول، ويقبل منه الاعتذار، فلا بأس فلها معنى ولها وجه.
وقد جاء في حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: (زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: فرد سعد رداً خفيفاً يعني: أباه قلت: ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذره يكثر علينا السلام، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفيفاً، ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعه سعد فقال: يا رسول الله! إني كنت أسمع تسليمك وأرد رداً خفيفاً لتكثر علينا من السلام، فانصرف معه صلى الله عليه وسلم) رواه أبو داود في الاستئذان، باب كم مرة يسلم الرجل.
فالنبي عليه الصلاة والسلام اكتفى بالثلاث ورجع، قالها في قوله وعملها بفعله صلى الله عليه وسلم، وإذا تحقق المستأذن أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثلاث؛ لأنهم لما سمعوه ولم يأذنوا دل ذلك على أنهم لا يريدون الإذن، وعدم الزيادة على الثلاث ثابت في السنة. |
|
|
|
|
ورد في الحديث: (كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً) عنون عليه البخاري رحمه الله: باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، أما قضية التسليم ثلاثاً ستأتي إن شاء الله تعالى في آداب السلام، وأما مسألة الاستئذان ثلاثاً فإن الاستئذان ثلاثاً لا يزيد عليها الإنسان، وإذا لم يؤذن له فليرجع، وجاء عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يأذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فليرجع، فقال عمر لـأبي موسى : والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحدٌ سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب لـأبي موسى : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك) عمر أراد أن يستثبت، وأراد المزيد من التأكد، فطلب من أبي موسى شاهداً معه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدد الاستئذان بثلاث مرات، وأن الإنسان لا يزيد عليها، وأنه إذا لم يؤذن له يرجع، وهذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، طبقه أبو موسى الأشعري مع عمر ، وشهد مع أبي موسى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. |
|
|
|
|
|
|
|
وفي الختام فإن هناك حالات يسقط فيها الاستئذان، كمن أراد الدخول لإنقاذ إنسان من حريق أو إسعاف شخص في هجوم سارق، أو اقتحام لإنكار منكر في بيت دعارة أو مصنع خمر، ولا يجوز الاستئذان هنا (دور أهل الحسبة) فلا مجال للاستئذان في مثل هذه الحالات، والأمر بالرجوع أدب شرعي، وإذا استأذن فيقال له: ارجع فيجب أن يرجع دون أن يحمل في نفسه شيئاً.
وكذلك فإن الإنسان إذا جاء إلى منزل ليس فيه أحد فلا يسقط الإذن؛ لأن داخل البيت قد يكون فيه أشياء لا يراد منه أن يطلع عليها. |
|
|
|
|
|
|
وكذلك لا عبرة بمن إذنه غير معتبر، فلو طلع واحد صغير عمره ثلاث سنوات أأدخل؟ وقال: ادخل .. فهذا إذنه غير معتبر، وقد يدخلك على أمه، فبعض الناس قد يتساءل، فلذلك يتأكد يقول: اذهب إلى أبيك وقل له: فلان، أو يطرق الجرس مرة ثانية ومرة ثالثة ولا يكتفى بإذن الصغار، وبعض الناس عنده سائق أو خادمة أو شخص أعجمي تقول: أأدخل؟ يقول: هاه، أو يقول: إيه، يظنها إذناً وهو ليس بشيء.
ويقول ابن القيم رحمه الله: يقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان؛ إذا صارت القرائن قائمة على أنه إذن، أو أنه نقل إذن من صاحب البيت، وقد يكون الإذن بغير الكلام كأن يجعل علامة تدل على الإذن، مثلاً طرقت الجرس قلت: السلام عليكم أأدخل، فتحوا الباب بالزر الكهربائي، هذا الفتح معناه إذن بالدخول، وقد يحصل هذا في بعض البيوت إذن بالدخول، لكن يجب أن يتأكد الإنسان لأن أحياناً تطرق البيت تقول: السلام عليكم يظنون أنه ولدهم الذي خرج إلى البقالة، فيفتح الباب تلقائياً بالزر الكهربائي، هذا ليس معناه إذن لك بالدخول، فينبغي أن تتأكد أن الفتح لك أنت يا أيها المستأذن.
وكذلك يمكن أن بعض الناس قد يكون بينه وبين شخص علاقة خاصة فيقول: أنت ما يحتاج أن تستأذن إذا أردت أن تدخل البيت، يعني هذا ما يحتاج استئذان أبداً تجيء على المجلس مباشرةً، النبي صلى الله عليه وسلم قال لـابن مسعود : (إذنك عليَّ أن يرفع الحجاب وأن تسمع سوادي -يعني السر- حتى أنهاك).
وكذلك فإن الاستئذان قد يكون على إنسان يصلي، فماذا يفعل؟ لو أنه سبح يوحي لك بالإذن فادخل، أو الانتظار قد يسبح يعني: بالانتظار حتى يفتح لك الباب، أو يتقدم المصلي فيفتح لك الباب ونحو ذلك.
فهذه بعض الأشياء المتعلقة بالاستئذان.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤدبنا بأدب كتابه، وأن يعلمنا سنة نبيه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. |
|