إسلام ويب

اللواط [1]للشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نكل الله تعالى بقوم لوط وسامهم في الدنيا سوء العذاب جزاء اقترافهم أقبح الجرائم وأشنعها بعد الإشراك بالله، ألا وهي جريمة اللواط، تلك الجريمة التي يقشعر من ذكرها الجلد، ويندى لها الجبين، وتنبو عنها الأسماع، وتنفر الطباع.

    ولقد كان حكم الشريعة الإسلامية في مرتكبي هذه الجريمة أن يقتل الفاعل والمفعول به.

    الحمد لله على نعمة الإسلام، وأنعم به من دينٍ! أحل الله به الحلال وحرم الحرام، أباح الطيبات وندب إليها، وحرم الخبائث ونهى عنها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنزل على عبده الكتاب المبين، فيه البشارة والنذارة، والوعد والوعيد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ البلاغ المبين، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله عز وجل.

    عباد الله: جاء في القرآن الكريم ذكر أمة من الأمم لها فعلٌ وخيمٌ لم تسبق إلى مثله، إن تلك الأمة جاءت بعارٍ شنيع فعُيرت بذلك الفعل الوخيم، وعذبت به عذاباً سُطِّر خبره في كتاب الله عز وجل؛ ليكون تحذيراً للأمة الإسلامية؛ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وما أدراك ما تلك الأمة التي فعلت تلك الجريمة الشنعاء، التي يقشعر من ذكر جريمتها الجلد، ويندى لها الجبين؟

    إنهم قوم لوط؛ الذين أخبر الله عنهم في كتابه المبين حيث قال: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80] فهي فاحشةٌ عظيمةٌ ووخيمةٌ، كيف لا؟! والله يذكرها في مواضعٍ من كتابه بذكر وتصريح فتشمئز منها القلوب، وتنفر عنها الطباع أشد نفرة، ألا وهو إتيان الرجل رجلاً مثله! فيقول الله جلَّ وعلا: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف:81] والإسراف هو: مجاوزة الحد، ثم وصف الله جل وعلا تلك الأمة بوصفين في غاية القبح، فقال جل وعلا: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [الأنبياء:74] وسماهم مفسدين، وسماهم ظالمين، والآيات فيهم في كتاب الله كثيرة معلومة.

    عباد الله! إنه ليس في المعاصي مفسدةٌ أعظم من مفسدة اللواط، فهي كبيرةٌ عظيمةٌ وفاحشةٌ شنعاء، وهي التي تلي مفسدة الكفر، ولم يبتلِ الله بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحداً من العالمين، فلهذا عاقبهم الله عقوبة لم يعاقب بها أمةً غيرهم.

    عقاب الله لقوم لوط

    أيها المسلمون: لقد جمع الله على قوم لوط أنواعاً من العقوبات منها: الإهلاك، وقلب ديارهم وخسفها بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذبهم وجعل عذابهم مستمراً، فنكل بهم نكالاً لم ينكله أمةً سواهم، وما ذاك إلا لعظيم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة من أقطار والسماوات والأرض إذا شاهدوها؛ خشية نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها لشناعة هذه الجريمة.

    عقوبة من عمل عمل قوم لوط في الإسلام

    ثم إن شريعة الإسلام جاءت بأرقى الآداب وأسمى الأخلاق، ونحمد الله الذي اختار لنا الإسلام ديناً، واختار لنا محمداً رسولاً، واختار لنا القرآن دستوراً، ولما كانت تلك الجريمة تتنافى مع الأخلاق والآداب، وتغضب الجبار جل وعلا، جاء فيها وعيدٌ شديدٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: {من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به} وسئل ابن عباس رضي الله عنهما في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط} وفي الحديث: {إذا كثرت اللوطية؛ رفع الله يده عن الخلق، فلا يبالي في أي وادٍ هلكوا}.

    وروى الطبراني والبيهقي: {أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخطه، قلت: يا رسول الله! من هم؟ قال: المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، واللوطي}.

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [[إن اللوطي إذا مات من غير توبة، مسخ في قبره خنزيراً]] لذلك حرّم كثيرٌ من العلماء الخلوة بالأمرد في نحو بيتٍ ودكان، وما ذاك إلا لخوف الوقوع في هذه الفاحشة العظمى.

    وورد في الحديث القدسي: {النظر سهمٌ مسموم من سهام إبليس من تركه مخافتي؛ أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه} ولما كانت الخلوة بالأمرد من الأسباب الداعية إلى الوصول إلى تلك الجريمة الشنعاء؛ حرمه العلماء، وهذا سفيان الثوري رحمة الله عليه لما دخل عليه في الحمام صبي حسن الوجه، قال: أخرجوه عني فإني أرى مع كل امرأةٍ شيطاناً، ومع كل صبي بضعة عشر شيطاناً.

    فهؤلاء هم أرباب القلوب الحية، الخائفون أن تزل قدمٌ بعد ثبوتها.

    أيها المسلمون: إن جريمة اللواط جريمة شنعاء وفاحشةٌ عظيمةٌ، ولذلك اختلف في كيفية قتل هذا المجرم الذي عَمِلَ عَمَل قوم لوط، فروي عن الصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أنه أحرق رجلاً يعمل عمل قوم لوط بعدما استشار من اجتمع عنده من الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك أحرق بالنار من عمل عمل قوم لوط ابن الزبير رضي الله عنه وأرضاه، وهشام بن الوليد ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [[يرمى من أعلى شاهقٍ في البلد منكساً، ثم يتبع بالحجارة]].

    حكم توبة اللوطي

    ومن تاب تاب الله عليه، وقد استقرت حكمة أحكم الحاكمين وأعدل العادلين أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد ضمن الله تعالى لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنا أنه يبِّدل سيئاته حسنات، وهذا حكمٌ عامٌ لكل تائب من الذنب إذا أقلع وتاب إلى الله، وعزم على عدم العودة إلى الذنوب، فإن الله يتوب عليه، والله يقول وهو أصدق القائلين: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ويقول جل وعلا: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] ويقول الرب الرحيم: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً [الفرقان:70-71].

    فهذا رب العالمين يحث المسرفين على التوبة، ويدعو العصاة إلى أن يطرقوا باب الكريم الرحيم التواب: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله [الزمر:53] ارجعوا إلى الله، وتوبوا وأنيبوا إليه ما دمتم في وقت الإمكان قبل أن ينزل هادم اللذات ومفرق الجماعات، فتقول نفس: يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56].

    اللهم ارزقنا توبةً نصوحاً تطهر بها قلوبنا وتمحي بها ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3087679443

    عدد مرات الحفظ

    773503494