إسلام ويب

اسلك سبيل المؤمنينللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الخطبة حث الشيخ على المداومة على الأعمال الصالحة في رمضان وفي غيره، مبيناً حكم تارك الصلاة، وأوصى بالتناصح بين الجيران بالمحافظة على الصلاة، كما ذكر بعض الأعمال المستحب التقرب بها إلى الله من صيام وقيام ليل وغيرها.
    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله عزَّ وجلَّ.

    عباد الله: لازموا طاعة المولى في السر والعلانية.

    أمة الإسلام: وأنتم تودعون شهر رمضان المبارك، الذي كان ميدان تنافس للصالحين بأعمالهم، ومجال تسابق للمحسنين بإحسانهم، وعامل تهذيب للنفوس المؤمنة، روضها على الفضيلة، وارتفع بها عن الرذيلة، فأخذت فيه دروساً للسمو الروحي، والتكامل النفسي، فجانبت كل قبيح، واكتسبت فيه كل هدىً ورشاد.

    فيجب على تلك النفوس المؤمنة أن تستمر على نهج الهدى والرشاد والاستقامة على طاعة المـولى جل وعلا كما كانت في رمضان، فإن في دوامها على ذلك الهدى والرشاد والاستقامة نعيم للصالحين وإرضاء لرب العالمين.

    طاعة الله لا تنتهي بوقت معين

    أمة الإسلام: ليس للطاعة زمن مَحدود ينتهي بانتهائه، ولا للعبادة أجل معين تنتهي بانتهائه، بل العبادة هي حق الله على العباد، قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]

    نعم -يا عباد الله- العبادة: هي حق لله يعمر بها العبادُ الزمانَ، ويشغلون بها فرص الحياة، ويقطعون بها سويعات العمر، فالعبد الذي يقطع مرحلة الحياة في طاعة الله وفي مرضاته هو من أولياء الله المتقين، الذين وعدهم الله بعظيم الأجر وسابغ الفضل، حيث يقول وهو أصدق القائلين: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [المرسلات:41-44].

    هكذا يجزيهم رب العالمين؛ لأنهم عاملوه معاملة العارفين الذين عرفوه حق المعرفة، وقدَّروه حق قدره، وقاموا بحقه حق القيام، فجازاهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، جازاهم في دار الكرامة، في دار النعيم، في جنة عرضها كعرض السماء والأرض، فهنيئاً لهم تلك الكرامة في جوار رب العالمين.

    ويا أرباب الهمم العالية، ويا من قد تفضل الله عليهم بإتمام صوم رمضان، وأسبغ عليهم العفو والغفران، وكتب لهم العتق من النيران، واصلوا الإحسان بالإحسان، واتقوا الله ربكم، فإن من تقواه المداومة على عمل البر والإحسان, واعزموا عقد النية على التزام المسلك الراشد الذي التزمتموه في رمضان.

    العودة بعد رمضان إلى طاعة الشيطان

    فإنه من المؤسف جداً انهزام تلك الصفوف! إنه من المحزن جداً أن البيوت ملأى بأناس لا يُرون في المساجد إلا في رمضان! ثم بعد رمضان يعودون إلى طاعة الشيطان بعد طاعة الله، وربما يكون في عبادتهم شرك إذا كانوا لا يعبدون الله إلا في رمضان، فإنهم في ذلك الفعل الوخيم قد عصوا الله ورسوله، فقولوا لهم -يا من تعرفونهم! يا من كنتم تأكلون معهم مائدة الإفطار!- قولوا لهم: تارك الصلاة كافر، إذا ترك فرضاً واحداً متعمداً فهو كافر، فكيف بمن يترك الفرض أحد عشر شهراً والعياذ بالله؟! وبعضهم لا يصلي إلا يوم الجمعة، وباقي السنة لا يعرف فيها بيوت الله، فهؤلاء إذا أصروا وعاندوا وجحدوا باقي الأوقات فهم كفار والعياذ بالله، وتارك الصلاة كافر مرتد، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

    تارك الصلاة كافر ملعون مطرود عن رحمة الله، لا يُصلى على جنازته إذا مات، ولا ينبغي أن يُغش به المسلمون، فمن كان عنده إنسان مات وهو لا يصلي، فلا يغش به إخوانه المسلمين؛ لأنه كافر، والكافر لا يُصلى عليه، ولا يُغسل، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يُدعى له بالرحمة، بل يُوارى بعيداً عن البلد، تارك الصلاة لا يُؤاكَل، ولا يُشارَب، بل يُهجَر ولا يُجالَس.

    وأما الذين يتركون الصلاة بالكلية، فهم كما ذكرنا كفار والعياذ بالله.

    أما من يصلي في البيت فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد [[سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة، فقال: هو في النار]] ثم أتاه السائل بعد شهر، فسأله، فقال: رجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة، فقال: [[هو في النار]].

    فانظر كيف حكم ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما على هذا الذي لا يشهد الجمعة والجماعات في النار، نعم يا عبد الله.

    ولقد همَّ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم -وهو نبي الرحمة- بإحراق بيوت أناس لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، همَّ أن يحرقها عليهم بالنار، ولولا ما فيها من النساء والذرية لأحرقها عليهم بالنار.

    فلنتق الله -يا عباد الله- ولنتواصَ بالحق، ولنصبر على ذلك، ولنواصل أعمال الخير التي كنا نعملها في رمضان، حتى يتوفانا الله إليه وهو راضٍ عنا.

    قال الحسن البصري رحمه الله: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قـرأ قول الحـق تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] "

    وقيل لبعض العارفين: إن قوماً يتعبدون ويتهجدون في رمضان، ثم إذا خرج رمضان تركوا ذلك، فقال: بئس القوم! لا يعرفون لله حقاً إلا في رمضان.

    أهمية تقوى الله قبل لقائه يوم القيامة

    فاتقوا الله، عباد الله، انصحوهم يا عباد الله، كلموهم يا عباد الله، بلغوهم ذلك الوعيد الشديد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    واعلم -يا أخي- أن جارك يتعلق بك يوم القيامة، فتقول: يا رب! لم أظلمه بماله، ولا بعرضه، ولا بأهله، فيقول: صدق، ولكنه رآني على المنكر فلم ينهني ولم يأمرني.

    ثم أولادك -يا عبد الله- اتق الله فيهم، لا تخرج إلى المسجد وأولادك في فرشهم نائمون؛ فإنك مسئول عنهم يوم القيامة.

    عباد الله: اتقوا الله عزَّ وجلَّ قبل يوم القيامة، قبل أن توقفوا بين يدي الله عزَّ وجلَّ، فيسألكم عن الصغير والكبير، في يوم تشخص فيه الأبصار لله الحي القيوم، وتشيب فيه الصغار، وتزفر فيه النار، وتحيط به الأوزار، وينصب فيه الصراط، ويغلظ فيه العذاب، ويشهد الكتاب، ويحضر الحساب، ويعظم العقاب، فيا له من يوم ما أطوله وأشد هوله! فكم من شيخ كبير فرط في عمره، وأضاع الحياة، فهو ينادي بأعلى صوته: وافضيحتاه.. واشيبتاه.. واشيبتاه..

    وكم من كهلٍ أو شاب اغتر بشبابه، فضيع أوامر الله ورسوله، وارتكب المحرمات، وهجر المساجد، فهو تاركٌ لصلاته، حالق للحيته، مسبل لثيابه، متشبه بأعداء الله، قضى حياته في إدمان المخدرات والمسكرات، والزنا، واللواط، يؤذي المسلمين في مرافقهم، ثم جاءه الأجل وهو على هذه الحالة من غير توبة، وهو يوم القيامة ينادي: واشباباه.. واشباباه.. واشباباه.. فيا له من يوم عظيم لا تنفع فيه الواسطة، قد تجلى فيه الرب للفصل بين العالمين! قال تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] وقال: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ [فصلت:21] فيا لها من فضيحة! ويا له من عار بين العالمين!

    فيا عباد الله: عدوا العدة لذلك اليوم، وخذوا الأهبة ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، ووفقنا لصالح الأعمال، واغفر لنا ولوالدِِينا ولوالدِي والدِينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3087684424

    عدد مرات الحفظ

    773530397