جميع السنة وقت للعمرة، فيجوز الإحرام بها في كل وقت من السنة، ولا يكره في وقت من الأوقات وسواء أشهر الحج وغيرها في جوازها من غير كراهة، وبهذا قال مالك وأحمد وأبو داود والجمهور، ولا يكره عمرتان وثلاث وأكثر في السنة الواحدة، بل يستحب الإكثار منها.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن) وقال ابن عمر : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يهل أهل اليمن من يلملم)، وروى مسلم عن جابر وسئل عن المهل فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مهل أهل العراق من ذات عرق).
روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته).
وروي عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمرها من التنعيم).
روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً نادى فقال: يا رسول الله! ما يجتنب المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس السراويل ولا القميص ولا البرنس ولا العمامة، ولا ثوباً مسه زعفران ولا ورس، ويحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما حتى يكون أسفل من العقبين)، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (انطلق النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعدما ترجل وادهن، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه، ولم ينه عن شيء من الأزر والأردية يلبس إلا المزعفرة التي تردع الجلد، حتى أصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوت على البيداء، أهل هو وأصحابه) صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كأنما أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم).
فالسنة أن يحرم في إزار ورداء ونعلين، وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمخيط، والمخيط: الثوب الذي يلبس، وقد فصل على الموضع الذي جعل له، حتى ولو كان في بعض البدن، كالسراويل والقميص والقفاز ونحو ذلك، سواء خيط بخيط أو ألصق بشيء كالصمغ والدبابيس والمسامير ونحو ذلك، أما إذا خيط حزاماً لحفظ نقود فلا يدخل في النهي.
ويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين، والثوب الجديد في هذا أفضل من المغسول.
وهذا الحكم في تطيب النساء إذا كان طوافهن وسعيهن في غير ازدحام واختلاط بالرجال، وإلا فلا يجوز لهن أن يختلطن متطيبات حتى لا يفتن الرجال.
فإذا تطيب المحرم فله استدامته بعد الإحرام، ولو انتقل الطيب من موضع إلى موضع بالعرق فلا شيء عليه، ولو مسه بيده عمداً فعليه الفدية، ولا يستحب تطييب ثوب المحرم، فإن طيبه ولبسه ثم أحرم واستدام لبسه جاز، فإن نزع الثوب الذي عليه الطيب فينبغي ألا يلبسه حتى يزيل ما به من طيب.
ويستحب أن يتأهب للإحرام بحلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظافر؛ لأنه أمر يسن له الاغتسال والطيب، فسن له ذلك كالجمعة؛ ولأن الإحرام يمنع قطع الشعر وقلم الأظفار، فاستحب فعله قبل الإحرام لئلا يحتاج إليه في إحرامه، ويستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرض وإما تطوع إن كان وقت تطوع، فإن كان في الميقات استحب أن يصلي في المسجد، فإن كان إحرامه في وقت من الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها فالأولى انتظار زوال وقت الكراهية ثم يصليهما، ويجوز ألا ينتظر.
ويستحب إحرامه عند ابتداء السير وانبعاث الراحلة.
واتفق العلماء على استحباب التلبية، ويستحب الإكثار منها في دوام الإحرام، ويستحب أن يلبي قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وجنباً وحائضاً، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط وحدوث أمر من ركوب أو نزول أو اجتماع رفقة أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار ووقت السحر وغير ذلك من تغاير الأحوال.
ويستحب للرجل رفع صوته بالتلبية بدون مبالغة؛ حتى لا يضر نفسه، ولا تجهر امرأة، بل تقتصر على سماع نفسها، فإن رفعت صوتها لم يحرم، ويستحب ألا يزاد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأكثر أهل العلم على أن المعتمر لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، ومن لا يحسن التلبية بالعربية لبى بلسانه كتكبيرة الإحرام وغيرها.
ويجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطاً، وأن يجعل له مثل الحجزة، ويدخل فيها السكة ونحو ذلك، وله غرز ردائه في طرف إزاره، ولا يحرم حل الرداء وشكه بدبوس ونحوه، كما لا يحرم عقد الإزار والأولى عدمه، وإذا شق الإزار نصفين وجعل له ذيلين ولف على كل ساق نصفاً وشده، وجبت عليه الفدية؛ لأنه صار كالسراويل.
ويحرم على الرجل لبس القفازين، ولبس الخف حرام أيضاً، وأما لبس المداس والخف المقطوع أسفل من الكعبين فالراجح أنه يجوز ولو مع وجود النعلين.
ويحرم على المرأة أن تنتقب في إحرامها، وأن تلبس القفازين، والنقاب: هو الخرقة المشدودة تحت محجر العين تستر أسفل العينين إلى أسفل الذقن.
وللمرأة أن تستر رأسها وسائر بدنها بالمخيط وغيره كالقميص والسراويل، ونهى أن تسدل على وجهها ثوباً إلا لحاجة كحر أو برد أو خوف فتنة ونحوها، ويحرم عليها لبس القفازين.
ويكره للرجل المحرم ستر وجهه.
ويحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب بعد الإحرام؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران)، واستعمال الطيب هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك، فلو طيب جزءاً من بدنه بعطر أو بمسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية، ولو جلس على فراش مطيب أو أرض مطيبة أو نام عليه مفضياً إليها ببدنه أو ملبوسه لزمته الفدية.
وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فيحرم على المحرم أن يزوج بالولاية الخاصة، ويحرم على المحرم أن يتزوج، فإن كان الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيل الزوج أو وكيل الولي محرماً فالنكاح باطل بلا خلاف، ويجوز أن يراجع المحرم والمحل المحرمة سواء أطلقها في الإحرام أو قبله، ويحرم عليه الجماع؛ لقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرفث: الجماع.
وتجب به الكفارة؛ لما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وابن عمرو رضي الله عنهم أنهم أوجبوا فيه الكفارة.
وأجمعت الأمة على تحريم الجماع في الإحرام، سواء كان الإحرام صحيحاً أم فاسداً، وتجب به الكفارة والقضاء إذا كان قبل التحلل.
ويحرم على المحرم المباشرة بشهوة، كالقبلة واللمس باليد بشهوة، ومتى باشر عمداً بشهوة لزمته الفدية، وهي شاة أو بدلها من الإطعام أو الصيام، ولا يفسد نسكه بالمباشرة بشهوة بلا خلاف، سواء أنزل أم لا، هذا كله إذا باشر عالماً بالإحرام ذاكراً، فإن كان ناسياً فلا فدية عليه بلا خلاف.
وأما اللمس بغير شهوة فليس بحرام بلا خلاف.
فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور) متفق عليه.
وعن أم شريك رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ) متفق عليه.
ويجوز قتل الخنافس والدود والجعلان والأبراص والذباب والبعوض.
فإذا تطيب المحرم أو لبس أو دهن رأسه أو لحيته جاهلاً بتحريم ذلك أو ناسياً الإحرام فلا فدية عليه، فإن ذكر ما فعله ناسياً أو علم ما فعله جاهلاً لزمه المبادرة بإزالة الطيب واللباس.
فإن شرع في الإزالة وطال زمانها من غير تفريط فلا فدية عليه؛ لأنه معذور، وإن أخر الإزالة مع إمكانها لزمته الفدية، سواء طال الزمان أم لا؛ لأنه متطيب في ذلك الزمان بلا عذر، ولو علم تحريم الطيب وجهل كون الممسوس طيباً فلا فدية عليه.
وإذا حلق الشعر أو قلم الظفر ناسياً لإحرامه أو جاهلاً تحريمه فلا فدية عليه على الأرجح؛ لحديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجة .
والمغمى عليه والمجنون والصبي الذي لا يميز إذا أزالوا في إحرامهم شعراً أو ظفراً فلا فدية، وله أن يحك بدنه إذا حكه، ويحتجم في رأسه وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعراً لذلك جاز؛ فإنه قد ثبت في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط رأسه وهو محرم).
كذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضر وإن تيقن أنه قطع بالغسل.
روى مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت: سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: (نعم، فليحكك وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككته).
ويحرم الاكتحال بكحل فيه طيب، وأما الاكتحال بما لا طيب فيه فلا يحرم.
وللمحرم أن يغتسل في الحمام وغيره، وله إزالة الوسخ عن نفسه، وله غسل رأسه بالصابون.
وللمحرم أن يحتجم ويتداوى ولا فدية عليه في شيء من ذلك.
وله أن يستظل سائراً ونازلاً؛ لما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة).
وعن أم الحصين الصحابية رضي الله عنها قالت: (حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الفسوق: المنابزة بالألقاب، تقول لأخيك: يا ظالم.. يا فاسق، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه).
وروى البخاري ومسلم عن أبي شريح الخزاعي وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
ولا بأس للمحرم بالكلام المباح من شعر وغيره؛ لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الشعر لحكمة).
وعن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه).
ولا بأس بنظر المحرم في المرآة ولا كراهة في ذلك.
أحدها: أنها مأمورة بلبس المخيط، كالقميص والجلباب والسراويل والخفين وما هو أستر لها؛ لأن عليها ستر جميع بدنها غير وجهها وكفيها إلا في حضرة الرجال الأجانب فتستر، والرجل منهي عن المخيط وتلزمه إذا لبسه الفدية.
الثاني: أنها مأمورة بخفض صوتها بالتلبية، والرجل مأمور برفعه.
الثالث: أن إحرامها في وجهها، فلا تغطيه إلا أمام الرجال الأجانب فتسدله، فإن سترته لغير ذلك لزمتها الفدية.
الرابع: يستحب لها أن تختضب لإحرامها بحناء، والرجل منهي عن ذلك.
وتخالف المرأة الرجل في أشياء من هيئات الطواف والسعي:
منها: الرمل والاضطباع، فيشرعان للرجل دونها، أما هي فتمشي على هينتها، وتستر جميع بدنها، غير أنها لا تنتقب ولا تلبس القفازين.
ومنها: أنها يستحب لها أن تطوف ليلاً؛ لأنه أستر لها، والرجل يطوف ليلاً ونهاراً.
ويستحب لها ألا تدنو من الكعبة في الطواف إن كان هناك رجال، وإنما تطوف في حاشية الناس، والرجل بخلافها.
وتمشي المرأة جميع المسافة بين الصفا والمروة ولا تسعى في شيء منها، بخلاف الرجل.
والحلق في حق الرجل أفضل من التقصير، وأما المرأة فالواجب عليها التقصير.
وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن معقل قال: (جلست إلى
وإذا تصدق بالطعام وجب أن يعطي كل مسكين نصف صاع، فإذا حلق شعرة واحدة أو شعرتين فيجب في شعرة مد، أي: ربع صاع، وفي شعرتين مدان، وفي ثلاث دم، وفي الظفر كالشعرة، فإذا حلق شعر رأسه وبدنه فتجب فدية واحدة.
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر