إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الخيارللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المعاملات في الإسلام مبنية على عقود، والعقود عادة إنما تتم بالإقرار والموافقة، ومن هذه العقود عقود البيع إذ تدخل تحت هذا، إلا أنه من سماحة هذا الدين أن أجاز لمن رأى التراجع عن بيعه أن ينقضه برضا الطرف الثاني عن طريق الإقالة، وهذا مبني على التسامح.
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أقال مسلماً بيعته أقال الله عثرته) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم ].

    قبل البدء في شرح هذا الحديث ننبه إلى موضوع التلقيح الاصطناعي؛ لأنه ربما يدخل في الشجر عن طريق التطعيم، كأن تكون شجرتين متجاورتين ومن فصيلة واحدة كالأملاح، فيؤخذ غصن من هذه، ويضبب ويجرح، مع غصن من هذه يضبب ويجرح، ثم تدبس الضبتان معاً ويوضع عليها الطين، وتلف بالخرق، ثم يوالى عليهما صب الماء، ثم هاذان الغصنان سينبت منهما جذور جديدة، ثم تفصل هذه الأغصان وتزرع من جديد كشتلة، فتأتي الثمرة جامعة بين خصائص الشجرتين، فمثلاً: ما يسمى بيوسف أفندي هو من برتقال وليمون، وهذا نوع من تلقيح شجرة بشجرة.

    على كل: هذا باب واسع في مجاله، والذي يهمنا النهي عن بيع الملاقيح، ولكن يجوز أن يكارم صاحبه عليه.

    انتقل المؤلف رحمه الله إلى حديث خاتمة الباب، وهو نعم الخاتمة، وهو يأتي على جميع صور البيع، وعلى جميع العقود اللازمة، ما عدا ما يدخل فيه المحرمات كالنكاح والطلاق، وذكر هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أقال مسلماً أقال الله عثرته)، هنا قيد (المسلم)، وفي رواية: (من أقال نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة) .

    تعريف الإقالة وصورتها

    الإقالة هي المسامحة والرفع، تقول: أقلني من العقد. أي: سامحني فيه وارفعه عني.

    وهذه من أحسن مكارم الأخلاق بين المتبايعين، وتدل على كرم النفس والسماحة، والتماس العذر وقبوله من الأخوة، وهي معروفة قبل الإسلام وفي الأمم الماضية، وقد جاء عن نبي الله داود عليه السلام حينما أوحى الله إليه: أن ابنِ لي بيتاً في بيت المقدس، وأراه المكان الذي يبني فيه البيت -أو المسجد- وكان الموضع ملكاً لرجل من بني إسرائيل فاستدعاه، وقال له: ثامني على هذا الحوش؛ لأبني فيه بيتاً للرب سبحانه. قال: اشتر. فقال: بمائة ألف. قال: بعتك، ثم قال: يا نبي الله! أستنصحك: الأرض أحسن أم الثمن؟ قال: استنصحتني؛ الأرض أحسن. قال: أقلني. قال: أقلتك. قال: اشتر. قال: بمائتي ألف. قال: بعتك، ثم قال: أستنصحك: الأرض أم الثمن. قال: الأرض. قال: أقلني... خمس مرات.

    يهمنا في هذا الخبر: أنه طلب من نبي الله أن يقيله فأقاله، وفي الخبر: النصح لله ولعامة المسلمين، وهذا نبي معصوم من الغش، فنصح للرجل بالحق، ولو كان ذلك على نفسه هو؛ حتى ارتفع السعر خمسة أضعاف، وذلك نتيجة النصح والصدق، أخيراً لما تعب داود عليه السلام من الرجل قال له: سم ما شئت أعطه لك. قال: أو تفعل؟ قال: نعم، قال: تملأه علي إبلاً وبقراً وغنماً. قال: قبلت. ودعا بني إسرائيل ليجمعوا في الحوش من تلك الأنعام حتى ملئوه.

    يهمنا في هذا وجود عنصر الإقالة، وصورة الإقالة كما أشارت رواية الحديث الأخرى: (من أقال نادماً): رجل اشترى السلعة برغبة منه، ثم بعد ذلك بدا له أمر وندم على شرائها، قد يكون كطلبة العلم، يرى الكتاب في المكتبة فيعجبه، ثم يرجع إلى مكتبه ليضعه ضمن الكتب فيجده موجوداً عنده، وكثيراً ما يقع هذا، فيرجع إلى صاحب المكتبة: أنا أخذت الكتاب فوجدته موجوداً عندي في المكتبة، وندمت على شرائه، تقيلني؟ فهنا إن كان صاحب المكتبة كريم النفس، يحب لأخيه ما يحب لنفسه، يقيل عثرات الإخوان سيقول: لا عليك يا أخي، بكم أخذته مني؟ تفضل هذا ما دفعته، هذه هي الإقالة، وهي لا تتقيد بزمن.

    جواز وقوع الإقالة من البائع والمشتري

    أصل المبحث في الإقالة هو حول نقطة أصولية هي: هل الإقالة بيع أم فسخ؟ إن قيل: إنها بيع فيجري فيها أحكام البيوع، وإن قيل: فسخ، فتجرى عليها أحكام الفسخ بأن يرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل العقد: يأخذ المشتري الثمن الذي دفع، ويرد السلعة التي أخذ، أما إذا قلنا: إنها بيع، دخلتها المساومة.. أرد الكتاب؟ كم ستدفع؟ كم ستنزل من الثمن؟ أعطيك واحد في المائة ورد الباقي، أو البائع ندم وجاء إلى المشتري وقال: ندمت على بيعه لأنه ليس عندي غيره. أي: أن الندم قد يكون من البائع أو من المشتري، فكلٌ منهما قد يعتريه الندم، وقد يضطر إنسان أن يقدم سلعة للبيع لضرورة نزلت به، وهذه السلعة من ألزم ما تكون عليه، ثم يندم ويستعيض عنها ويريد أن يرجعها، كرجل اضطر إلى مال وليس عنده، فجاء لزوجه -وكانت خيرة- فقالت له: خذ، بع هذا. فأخذه على استحياء وانكسار نفس، كيف يحتاج ويمد يده إلى مال الزوجة، وهو الذي قد أعطاها إياه منحة من عنده؟ لكن للضرورات أحكام، فذهب وباع.

    بعد قليل جاء الله بالفرج من جانب آخر؛ فندم على بيع ما كان لا ينبغي أن يبيعه، فجاء إلى المشتري وقال: أنا ندمت، بعتك المصاغ في حالة اضطرار، والآن فرج الله الأمر، وأريد أن أرد المصاغ لأهله.

    إذاً: الندم جاء من البائع، كما أنه يأتي من المشتري، وحينئذ المشتري أيضاً يكون كريم النفس، طيب الأصل، ينظر إلى حاله، فيعذره في ندمه، ويقول: لا عليك رد القيمة، فيرد إليه كامل القيمة.

    الإقالة: هي رد المبيع واسترجاع الثمن، لكن ما حكمها المترتب عليها، هل هي بيع أم فسخ؟

    إن قلنا: فسخ؛ فإن الأمر يرجع إلى ما قبل العقد، ولا يترتب عليها ما يترتب على البيع، فمثلاً: شخص له شقص في بيت فباعه، وكان الشريك غير راغب في الشفعة، وترك الشفعة وسقطت شفعته؛ لأنه لم يبادر إليها، ثم علم أن البائع الذي هو شريكه استقال المشتري واسترجع الشقص لملكه، فرجع شريكاً له مرة أخرى، ولو قلنا: الإقالة بيع، فللشريك أن يأخذها بالشفعة، وإن قلنا: فسخ، فليس له حق أن يقول: أنا آخذ الحصة بالشفعة، فنقول له: هذا فسخ للعقد، ورجعت الحصة إلى ما كانت عليه لصاحبها، فليس بيعاً.

    وإن كان طالب الإقالة المشتري، وجاء ليرد السلعة إلى صاحبها: بكم اشتريتها؟ بمائة، كم تسقط من الثمن؟ قال: عشرة في المائة .. أنت تأتي لترد والثاني والثالث يرد، ماذا أستفيد أنا؟ اشتريت بمائة أنا أقبل أن أرد لك السلعة وآخذ عشرة في المائة من قيمتها، إن قلنا: الإقالة فسخ فلا يحق له أخذ شيء، وما دفعه المشتري يأخذه كاملاً، وإن قلنا: بيع، فلا مانع من المساومة من جديد، كما لو كانت الإقالة من البائع: أنا بعتها عليك بمائة، ردها علي وأعطيك عشرة فوق المائة، فإذا قلنا: إن الإقالة بيع، جاز فيها الزيادة والنقص على سبيل المبايعات: مساومة ومزايدة ومناقصة، وإن قلنا: فسخ؛ فلا دخل للزيادة ولا للنقص فيها، وإن قلنا: إنها بيع دخل حق الشفعة للشفيع، وإن قلنا: إنها فسخ لا دخل للشريك بالشفاعة فيها.

    إن قلنا: إنها بيع، ووجد عيب لم نطلع عليه من قبل؛ فللمشتري عوض الأرش في العيب على أنه بيع، وإن قلنا: هي فسخ؛ فسلعتك ترجع إليك على ما كانت هي عليه.

    شمول الإقالة لأبواب المعاملات

    الرسول صلى الله عليه وسلم رَغّب في الإقالة وحث عليها؛ لبقاء الألفة والمودة والأخوة بين المتبايعين، وقد لا يخلو منها سوق من الأسواق، وكثير من الناس ربما يعرض له ما يجعله يرجع عن هذا العقد؛ فالذي ينبغي على المسلمين أن يراعوا هذا الحديث، وأن يعامل بعضهم بعضاً بهذا الإرفاق.

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (أقال الله عثرته)، الجزاء من جنس العمل، والعثرة: هي ضربة اصطدام في حجر أو نحوه، يعثر قد يسقط ويجرح، ثم عممت في كل زلة وخطأ يرتكبه الرجل، يقال: هذه عثرة من فلان. أي: في هذا التصرف أو العمل أو الممشى، فلو أن إنساناً أخطأ عليك. كانت هذه زلة وعثرة، ثم جاء واعتذر إليك، عندها ينبغي أن تقيل عثرته وزلته وتقبل اعتذاره، وهذا من إقالة أخيك في ما ندم عليه، مما ارتكبه في حقك، وهكذا تدخل في كل العلاقات بين الأصدقاء والإخوان؛ لتبقى أصول المودة، وليست قاصرة على البيع والشراء، ولكن أصل البحث فيها في البيع والشراء لضمان الحقوق واسترجاعها، وقد تعمم بأكثر من ذلك لما بين الناس وبعضهم من الصلات.

    ومن أحسن ما ورد في باب إقالة العثرات: ما جاء عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما مع محمد ابن الحنفية أخوه لأبيه، محمد ابن الحنفية أمه من بني حنيفة، والحسن بن علي أمه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الخبر: كانا معاً في السوق، فحدث بينهما ما يقع بين الإخوة، وذهب كل منهما إلى بيته، فلما استقر محمد ابن الحنفية في بيته أخذ ورقة وكتب فيها: من محمد ابن الحنفية إلى الحسن بن علي ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظروا إلى هذا الأسلوب، هو ابن علي ، فلماذا لم يقل: محمد بن علي ؟ هضم نفسه إلى أقصى حد وانتسب إلى الجارية، ونسب أخاه إلى أعلى حد.. بـعلي ابن عم رسول الله. وابن بنت رسول الله؛ لأنه في معرض التكريم والإصلاح.

    أما بعد: تعلم ما كان بيني وبينك في السوق، وقد رجعنا إلى بيوتنا، ولقد هممت بعد العودة أن آتيك وأستسمح منك، وأستقيلك ما كان مني، ولكني تذكرت مكانك من رسول الله - فهو ابن بنت رسول الله، وابن علي ابن عم رسول الله- فكرهت أن أكون بمجيئي صاحب فضل عليك، فإذا أتاك خطابي هذا فخذ ثيابك، وشد نعلك، وائتني أنت في بيتي ليكون لك الفضل علي.

    انظروا إلى مكارم الأخلاق! استكثر أن يكون له الفضل على الحسن بن علي ابن بنت رسول الله بأن يأتيه في بيته، هذا يد وفضيلة ومنة، قال: لا، أنا لست كفئاً أن تكون لي عليك يد ومنة وأنت ابن بنت رسول الله، وهذه المكرمة يجب أن تكون من ابن بنت رسول الله علي أنا، لأني أنا ابن الحنفية .

    إذاً: إقالة عثرات الإخوان تكون في كل الأمور.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3087687550

    عدد مرات الحفظ

    773549428