إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [5]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضم اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف العلماء في مشروعيته، فالجمهور يقولون بالضم، بينما الإمام مالك لا يرى الضم، وهذه المسألة ومثيلاتها فيها دلالة على لزوم معرفة وجهة نظر المخالف، وعدم التشنيع عليه في المسائل الاجتهادية.
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    [ وعن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره)، أخرجه ابن خزيمة ].

    وائل بن حجر له خصيصة من بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم تكن العادة أن نترجم لأحد، وإنما نحفظ أسماءهم فقط ولا نذكر تراجمهم، لكن يلفت النظر هنا: أن وائل بن حجر من أبناء ملوك حضرموت، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن مجيئه قبل أن يصل، فقال: (يأتيكم وائل بن حجر وهو من بقايا أبناء الملوك، جاء راغباً طالباً يبتغي فضل الله، وجاء إلى الله وإلى رسوله راغباً في الإسلام)، ولما وصل أفسح له النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، وافترش له رداءه وأجلسه عليه، لماذا؟

    في السنة النبوية مناهج عديدة، ونأخذ من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل الناس منازلهم، وليس في هذا محاباة ولا مغايرة، ولكن إكراماً، ويذكرون عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه أتاها مسكين فأعطته كسرة خبز، ثم أتاها رجل ذو هيئة يسأل، فأجلسته وقدمت له طعاماً، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن ذاك يكفيه تلك الكسرة، وهذا ممن يصدق فيهم قوله: (أنزلوا الناس منازلهم). وهذا من مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ومن محاسن الآداب التي علمنا إياها، ونقول: الأصل أن الناس سواسية! وليس هناك مانع، فهم سواسية فيما يتساوون فيه، ألا تراهم في صف الصلاة: أمير ومأمور، وغني وفقير، وصغير وكبير، وكلهم في صف واحد سواسية، ليس هناك اختلاف، ورمضان يأتي على الجميع فيصومون، لكن في أمور الدنيا هناك أمور يكون التفاوت بسببها؛ ثم أليس في فعله صلى الله عليه وسلم ترغيباً له؟! هو من أبناء الملوك ويترك الملك ويأتي وتقول له: اذهب أنت مثل فلان وفلان، أقل ما فيه شيء من المجاملة ومن الترغيب، وفي تكريمه تكريم لمن وراءه.

    ويهمنا أنه يذكر لنا هيئة من هيئات الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من حسن ترتيب المؤلف؛ فقد جاء عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع إذا رفع يديه حذو منكبيه عند افتتاح الصلاة، ثم عند الركوع، وقبل أن يركع، ونحتاج إلى معرفة موقع اليدين بعد هيأتهما في الافتتاح، فهل جعلهما حذو منكبيه حتى يركع؟ لا، فإما أن يسدلهما أو يضمها، فجاء بحديث وائل هنا ليبين لنا موقع اليدين عند القيام.

    هيئة وضع اليدين على الصدر

    ذكر رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره في الصلاة، لا كما يفعل بعض الناس كأنه يخنق نفسه، وكمن يدليها على بطنه.

    ويذكر ابن رشد في (بداية المجتهد) قاعدة فقهية عند قوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، وهي: هل العبرة بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟

    بمعنى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ هل يجزئ أن أمسح أول الرأس أم لابد أن أذهب إلى آخره؟

    وينطبق ذلك أيضاً: أن يأتي إنسان ويقول: فلان له عليّ ألف ريال أدفعها إليه في رمضان، وفي أي يوم من رمضان؟ لفظ عام، فصاحب الدين في رمضان قال: أعطني الألف، قال: لا، في آخر يوم من رمضان، فأول يوم يصدق عليه أنه رمضان، وآخر يوم يصدق عليه أنه رمضان.

    إذاًً: العبرة بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ الواقع أنها قضية ليست مطردة، ففي بعض الأشياء لا تحتمل تردد، وفي بعضها تحتاج إلى قيد وتحديد.

    وهنا: (يضع اليمنى على اليسرى على صدره): هل في أول الصدر من جهة البطن أم في آخر الصدر من جهة العنق؟ يحتمل الحديث الوجهين، ولكن جاءت النصوص الأخرى بالوضع الطبيعي، لا يرفعها إلى ترقوته، وهو العظم المستدير بالعنق، ومن بعده الضلوع، فإذا رفعه إلى الترقوة خرج عن الصدر، وإذا نزل عن الضلوع فقد نزل إلى القفص الصدري ومنه إلى البطن، وتأتي نصوص أخرى: فوق السرة، وعند السرة، وكلها تدور حول وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.

    إذاً: نرجع إلى الهيئة المعتادة، والشيء العرفي الذي يتعارف عليه الناس، والصورة التي ليست مستنكرة، فبعض الناس يكون مسترخي الأعصاب فيضعهما على البطن، وكأنه تعبان أو كسلان، وبعضهم يضعها وكأنه لا يستطيع أن ينهض، وبعض الناس يتعنت ويتشدد ويضع الأصبع على الأصبع، وبعضهم يذهب إلى نصف الساعد، وبصورة لو رأيتها تستنكر أن تكون هذه هيئة للصلاة.

    والأمر الوسط هو الوضع على وسط الصدر، وألا يكون على هيئة مستنكرة.

    خلاف المالكية في الضم

    وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة يتفق عليه أصحاب المذاهب الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله، أما مالك رحمه الله وهو إمام المذهب المالكي فإنه ينص على ذلك في الموطأ، فهو مذهبه، وأعتقد أن أسانيد أحاديث الموطأ فوق التهمة وفوق البحث والتنقيب عنها، وإذا ذكر مالك فهو النجم، والحديث الوارد عندنا هنا في السنن، فإذا كان مالك رحمه الله يذكر ما يسمى بالقبض في الصلاة، ومع هذا نجد بعض المالكية يقول: هذا في النوافل وليس في الفرائض، فله أن يقبض في النافلة ولكن يسدل في الفريضة، ولماذا؟

    يروون في ذلك أثراً عن مالك ، وأنه في رواية عنه سدل اليدين، أو أنه صلى سادلاً لهما، وأنه سئل عن القبض فقال: لا أدري، وكل هذه الأخبار ناقشها ابن عبد البر وهو من كبار أئمة المالكية، ثم نصر القبض، جاء آخر وقال: يفعل ذلك في النافلة وفي الفريضة بشرط: أن يفعل ذلك في الفرض استناناً، أي: عملاً بالسنة -لأن أمامه الحديث كالجبل، وهو في الموطأ، ولا يستطيع أن يحيد عنه- ولكن لا يفعله استناداً، وكيف استناداً؟ تعبان أو كسلان ويسند نفسه بهذا، فيقول: إن فعلها استناناً وامتثالاً لسنة رسول الله فلا مانع، وإن فعلها استناداً فهذه حركة زائدة عن الصلاة.

    إذاً: نرجع ونقول: لا حاجة إلى هذه التفريعات، وما دام ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وليس هناك فرق في الحديث بين نافلة وفريضة، وأخذ بذلك الأئمة الثلاثة، ومالك نص على ذلك في الموطأ، فلم يبق لهذه المسألة موضع للخلاف فيها، ولكن وجد تدوين هذا الخلاف في كتب المالكية، ويكون النقاش بين المالكية مع غيرهم، لا مع مالك.

    كيفية التعامل مع الخلافات الفقهية

    بهذه المناسبة، ونظراً لآثار الخلاف في الفروع، فقد يتخذ البعض هذه المسألة بالذات -لأنها واضحة وعملية- سبباً للشقاق والفرقة بين المسلمين، ونسمع من الإخوة الأفارقة أنه في بعض الأماكن يوجد هناك الخصومة، أو النزاع، وقد يكون هناك التبديع، لماذا؟ لأنه خالف المذهب أو الإمام، أو لأنه خالف الحديث؛ لأن الحديث يقول بالقبض، وهم يقولون بالسدل.

    أقول: هذا الوضع وهذه الكيفية هيئة من هيئات الصلاة، وبإجماع المسلمين ومنهم أئمة المذاهب الأربعة أن الفريضة والنافلة صحيحة؛ سواء قبض اليمنى على اليسرى أو سدل اليدين بجانبيه، فإذا كانت الصلاة صحيحة على كلا الحالتين فلماذا نختلف ونفترق، ونجعل جزئية فقهية في فرع من فروع الإسلام سبباً للخلاف والشقاق والخصومات والفرقة؟ هذا غرض عدو الإسلام، أن يشغل المسلمين بجزئيات عن أساسيات الدين، سواء عن جهاد، أو صلاة بعينها، أو طلب العلم حقيقة، أو بحث العقائد والتوحيد وضرورة ذلك، ويشغلهم بجزئية يدورون فيها، وخصومات، لماذا هذا كله؟ لا حاجة لهذا.

    حكم الضم بعد الرفع من الركوع

    في هذا الحديث يقول الراوي فيه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره، ولكن متى يضع؟

    نجد الجمهور يتفقون على أن هذا الوضع على الصدر بعد تكبيرة الإحرام حين القراءة قائماً، ثم جد أمر جديد، وهو بعد الرفع من الركوع هل يضع اليمنى على اليسرى على صدره أو يرسل يديه؟

    هذه مسألة جديدة، وسبق أن طلبت من الإخوة طلبة العلم أن ينقبوا في بطون الكتب الفروع والأصول، والحديث، والتفسير، وأصول الفقه، والفقه؛ ليوجدوا لنا نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحاً ولا أقول صحيحاً؛ فلو وجدوا ضعيفاً لقبل؛ فلم يجدوا نصاً صريحاً بأنه صلى الله عليه وسلم كان يضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع.

    إذاً: توجد مواضع في الصلاة لا توضع اليمنى على اليسرى فيها، وإنما توضع اليدان في مواضع منصوص عليها: أما في الركوع فيلقم يديه ركبتيه، أما في السجود فيضع يديه على الأرض، أما في جلسة التشهد فيديه على فخذيه.

    إذاً: بقي عندنا الموضع الذي يمكن أن توضع اليمنى على اليسرى فيه في الصلاة: إما قائماً للقراءة، وإما بعد الرفع من الركوع؛ فهل كان يضعهما في الموقفين أم في موقف واحد؟

    نختصر الطريق، وأمامنا أئمة أجلاء أوسع مجالاً، وأتقى لله، وأصفى أذهاناً، وأطهر قلوباً، وأوعى للعلم، وهم أئمة المذاهب الأربعة، فأولاً مالك : المالكية يقولون: حتى عند القيام للقراءة يسدل يديه، فإذا كانوا يقولون بالسدل عند موضع الاتفاق فهل يقبضون بعد الرفع؟ هذا مسقوط من الحساب.

    نأتي إلى الأحناف والشافعية -وبدون تفصيل في المذاهب- يقولون: إن وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع بدعة، ولا أصل له، وبعضهم لم يذكره ولم يتعرض له.

    وأما عند الحنابلة فقد نص صاحب المغني وصاحب الإنصاف على الروايات المختلفة عن أحمد ، فتوجد عن أحمد رواية بوضع اليمنى على اليسرى على الصدر بعد الرفع من الركوع، وإن شاء ترك، وأما صاحب الإنصاف فرجح الترك، ووافق الجمهور في عدم القبض بعد الرفع من الركوع.

    أرجع إلى التنبيه الأول وهو: أن وضع اليدين في القيام للقراءة، أو وضع اليدين بعد الرفع من الركوع، أو سدل اليدين في الموضعين، لا علاقة له بصحة الصلاة وبطلانها.

    وثم نقطة أخرى: من اختار لنفسه وضع اليدين على الصدر بعد الرفع لا يحق له شرعاً أن يعيب من لم يفعل ذلك، أو أن يراه متعصباً جاهلاً، ولا ينبغي أيضاً لمن لم يفعل ذلك أن ينظر لمن يفعل ذلك بأنه مبتدع، أو بأنه متعصب، والمسألة خلافية، والخلاف فيها ضعيف جداً، وليس فيها سوى رواية عن أحمد مرجوحة، لكن قولهم موجود، ولو نظر إنسان في القواعد وفي الأدلة وفي الأقوال واختار لنفسه، فلا ينبغي أن نعيب عليه، لماذا؟ لأن له سلفاً، ولو أنه مرجوح، ولأن الأمر لا يتعلق بصحة ولا بفساد.

    والذي يهمنا كطلبة علم وكمسلمين في أي عمل من أعمال الصلاة: ألا نتخذ الجزئيات مثار خلاف ونزاع وتفرق بيننا، هذا في الصف يقبض يديه بعد الركوع، وإذا سلم نظر لصاحبه كأنه أخطأ! وهذا يسدل يديه بعد الركوع، وبجانبه أخ له يقبض؛ فإذا خرج من الصلاة لا يسلم عليه!

    كل اختار لنفسه قولاً بعد أن سمع، أو قرأ، أو وقف على ما يسر الله إليه، ولعل في هذا القدر كفاية فيما يتعلق بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.

    صور وضع اليد في هيئات الصلاة

    لو تفقدنا حالة الصلاة وكيفيتها نجد لكل ركن من أركان الصلاة هيئة: تكبيرة الإحرام وهي الدخول في الصلاة هيئتها رفع اليدين إلى المنكبين، ولو كبر سادلاً اليدين أخل بالهيئة في هذا الركن، وبعد تكبيرة الإحرام يأتي ركن القراءة باتفاق، ويضم يديه خلافاً لبعض المالكية، هيئة الركن الأول حركة اليدين للمنكبين، وهيئة الركن الثاني القراءة قائماً واليدان على الصدر، وهيئة الركوع اليدان مقبوضتان على الركبتين، وتكبيرة الانتقال فيها حركة اليدين إلى المنكبين، وبعد ركن القيام والاعتدال بعد الركوع نعيد اليدين إلى موضعهما، فيتشاكل هذا المنظر مع المنظر الأول، أو هيئة هذا الركن مع الذي قبله، أو نسدلهما ليفارق بينهما، وفي حركة السجود اليدان إلى الأرض، وفي الجلوس بين السجدتين اليدان على الفخذين.

    إذاً: بقي حالة الرفع وحالة القيام، فإذا قبضنا بعد الرفع شاكلنا هذا الركن مع ركن القيام، وإذا سدلنا غايرنا وأعطينا كل ركن هيئته التي تميزه عن غيره، أرأيت لو أن إنساناً دخل المسجد وإمامه ممن يقبض في الموضعين، ودخل الداخل والناس قيام، ووجد اليدين على الصدر مع قيام الناس، أيخطر بباله أنه في القراءة أم قد رفع من الركوع؟

    سيظن أنه في القراءة وينتظر الركوع، فهذا كبر ودخل وأخذ يقرأ على أن الإمام في القيام في الركوع، فإذا به يهوي إلى السجود، لكن إذا جاء ووجده واقفاً سادلاً يديه يعرف بأن الإمام في الرفع من الركوع.

    على كل هذا القدر والموقف أطلنا فيه، لا لمناقشة صحة وضع اليدين بعد الرفع من الركوع وعدم الصحة، ولكن للنهي عن اتخاذ هذه الحالة موضع نزاع ونفرة بين طلبة العلم، والعامة ليس لهم دخل في هذا، فكل يفعل ما تيسر له أو اقتنع به، والعامة يقلدون غيرهم، إنسان تقول له: اسدل يديك! يقول لك: لا، رسالة عن الشيخ ابن باز يقول فيها كذا، الحمد لله، ولكن ليس عند العامة أي نظرة لتغليط الآخرين؛ لأنه يرى أن هذا صوابه، لكن طلبة العلم ربما يكون في نفوسهم نظرات إلى الآخرين؛ لأنهم يريدون من كل الناس أن يكونوا مثلهم، والآخرون أيضاً يريدونكم مثلهم، وهذا الذي حملنا على الإطالة في هذه الجزئية، وإن لم تكن ركناً في الصلاة؛ لأن سلامة الصدور والألفة والتقارب بين الجميع أهم من هذا كله، وبالله تعالى التوفيق.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3087678756

    عدد مرات الحفظ

    773500194