
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
فإن من أعظم ما يحتاج إليه المؤمن في سيره إلى الله سبحانه وتعالى، وتحتاج إليه الجماعة المؤمنة والطائفة المسلمة فيما تواجهه من صعوبات وعقبات وتحديات في سعيها لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في الأرض، هو دراسة سير الأنبياء وسننهم، وخاصة سيرة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين، واستيعاب وإدراك المواقف الإيمانية والعبر والعظات التي جعلها الله عز وجل في سيرته صلى الله عليه وسلم، وكيف واجه المواقف المختلفة التي نوّع الله عز وجل أقسامها بين شدة ورخاء، وبين عسر ويسر، وبين استضعاف وتمكين، وبين قوة وضعف في الظاهر، وستجد أنها تستوعب الأقسام المحتملة التي يواجهها أهل الإيمان في صراعهم مع أهل الباطل عبر العصور، وهم يحتاجون في كل موقف إلى تلمس النور من منبعه ومصدره الذي أفاضه الله عز وجل على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكيف كانت مواقفه عليه الصلاة والسلام في كل حال.
ذكر الله هذه الغزوة في سورة آل عمران، وبينه أحسن بيان، ليس لمجرد ذكر الوقائع أو تفاصيل الغزوة، وإنما لبيان حقائق الإيمان المتعلقة بالمواقف المختلفة التي حصلت للمؤمنين، وحصلت لأعدائهم من الكافرين، والآيات من سورة آل عمران تتناول هذه القصة بالبيان والتفصيل، وسنذكرها مقترنة بتفسيرها إن شاء الله تبارك وتعالى.
قال الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:121-132].
قال: وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة، قال قتادة : لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقال عكرمة : يوم السبت للنصف من شوال، فالله أعلم، وكان سببها: أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان ، فلما رجع قفلهم -يعني: العائدين- إلى مكة قال أبناء من قتل ورؤساء من بقي لـأبي سفيان : أرصد هذه الأموال لقتال محمد، فأنفقوها في ذلك، يعني: أنهم أنفقوا في عزوة أحد أموال القافلة التي نجت، والتي كانت سبباً لحصول غزوة بدر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج كي يأخذ هذه القافلة، فقدر الله نجاة القافلة ووقوع وقعة بدر مع جيش المشركين، فجعلوا هذه الأموال لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أنزل الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأنفال:36-37]، وقد كان.
يعني: صلى عليه صلاة الجنازة، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة، فأشار عبد الله بن أبي بالمقام بالمدينة، وألا يخرجوا منها، قال: فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم ورمتهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا عن القتال رجعوا خائبين، وكان هذا رأياً سديداً من جهة الخطة العسكرية، وهي أن المسلمين أمكن بالمدينة، فهم متمكنون فيها، فلو بقي المشركون خارج المدينة في الصحراء أقاموا بشر محبس، أي: كانوا محبوسين في شر مكان؛ لا طعام ولا شراب ولا مسكن، وقد يبقون مدة طويلة خارج المدينة، قال: وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، والنساء والصبيان من فوقهم، أي: رموهم بالحجارة، يعني: سيحكم الخناق على كفار قريش في أزقة المدينة وطرقاتها، قال: وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدراً بالخروج إليهم.
وهذا بخلاف المنافقين؛ فإنهم يفرحون بتخلفهم عن الخير، وعن بذل النفوس والأموال في سبيل الله عز وجل، كما قال عز وجل عنهم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة:81].
ومن هذا نستفيد فائدة مهمة جداً، وهي: رغم خطأ هذا الرأي من الناحية العسكرية إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن يقبل هذا الرأي منهم، وأن يمضي عليه، ومن سياق القصة الطويل في سورة آل عمران نجد أنه صلى الله عليه وسلم لم يعاتب أحداً اختار الخروج بدلاً من البقاء.
فالمسألة مسألة اجتهادية، وهم اجتهدوا في أي الأمور أصلح: هل يخرجون لقتال المشركين خارج المدينة أم يبقون في الداخل؟ وكان الرأي الأصوب من جهة الخطة العسكرية البقاء في المدينة، ومع ذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد ورأى أن أكثر أصحابه يريدون الخروج فخرج؛ مراعاة لما في قلوبهم من أنواع الخيرات، فقلوبهم محبة للجهاد في سبيل الله ومستعدة للبذل والتضحية.
وقد عاتب الله عز وجل من قصر منهم، لكن لم يذكر عتاباً قط على أن هذا كان خطأً من الجهة العسكرية، فلم يذكر سبحانه وتعالى على هذا عتاباً قط، على رغم أنه ما كان ينبغي لهم أن يخرجوا، وأن البقاء في المدينة خير لهم، إنما كان العتاب على المعصية بعد ذلك وعلى مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى إرادة الدنيا وعدم إرادة الآخرة.
هل أتوا من قبل أنهم اختاروا هذا الرأي الذي كان غيره أولى منه، أم أنهم أتوا من قبل النيات ومن قبل الإرادات، ومن قبل مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فلهذا نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعاتب الذين أشاروا عليه بالخروج للقتال خارج المدينة، ولم يقل: أنتم السبب، وأنتم الذين جعلتمونا نخرج إلى المشركين، وكان الأولى أن نجلس، لم يعاتب على ذلك، وإنما عوتب الذين تركوا أماكنهم من الرماة، وعوتب من أرادوا الدنيا كما قال تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ [آل عمران:152]، وعوتب من ظنوا بالله ظن الجاهلية، وعوتبوا على ما وقع في قلوب بعضهم ساعة الفرار وساعة الانسحاب غير المأمور به من الوقعة، وأيضاً ذُم المنافقون على نفاقهم.
فهذا الأمر هو الذي ينبغي أن نستعمله دائماً فيما نواجهه من وقائع وأمور، ولا نشغل أنفسنا كثيراً بأن هذا الرأي كان خطأً وأنه كان سبب المشكلة؛ لأن سبب المشكلة الحقيقية التي تواجهنا في كل مواقفنا مع من يخالفنا، ومع أعداء الإسلام، -لو دققت- تجد أن سببها ما ينبع من داخلنا ومن أعمالنا ومن أحوال قلوبنا، وهذا هو الذي نبهنا عليه القرآن، وتأمل الآية التالية مباشرة وهي: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا .
هذا الذي كان عليه العتاب، ومن ثم يجب معرفة كيف ينجو الإنسان أو تنجو الطائفة المؤمنة من هذا المرض الخطير: وهو الفشل، والتخاذل والابتعاد عن طريق الخير والحق، وترك مواجهة أعداء الله سبحانه وتعالى، هذا هو الخطر العظيم، فكيف يعالج؟ يعالج بالتوكل على الله عز وجل كما سيأتي بيانه.
وهذا فيه أمر مهم، وهو: عدم التردد؛ لأن كثرة التردد في الأمور يؤدي إلى زعزعة الهمم والعزائم، وعدم استمرارها واستقرارها، وخصوصاً من القادة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قائد أمته عليه الصلاة والسلام، ولو تردد وقبل أن يرجع وأخذ هذا الرأي ثم رجع مرة أخرى لكان ذلك فتاً في عضد أتباعه من المؤمنين، ولكن لا يعني هذا أن الإنسان لا يرجع عن الرأي الذي يراه خطأً أو غير سديد، بل عليه أن يرجع إلى الحق، ولكن في الأمور الاجتهادية الأمر فيها واسع.
لكن التردد فيها قد يكون خطيراً إذا كان يؤدي إلى الفت في عضد الأمة.
وهذا من عجيب شأن المنافقين، فهذا المنافق يعلم أنه قد أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الخروج، ثم قرر النبي صلى الله عليه وسلم الخروج وخرج معه، ثم تراجع ليفت في عضد المسلمين، وهذا خبث ومكر ودهاء من المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول ، فإنه رجع بثلث الجيش.
وهذا دليل على أن عبد الله بن أبي له وزن عند كثير من الأنصار في ذلك الوقت؛ لأنه كان مطاعاً مقدماً، كاد أن يصبح ملكاً على المدينة قبل ثلاث سنوات فقط من هذه الوقعة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وكادوا أن يتوجوه بالعصابة ويجعلوه ملكاً على المدينة، فكانت له منزلة، فرجع من الألف تقريباً ثلاثمائة وقليل، رجعوا مع عبد الله بن أبي ، ولم يكن كلهم منافقون النفاق الأكبر، ولكن استجاب كثير منهم لقول عبد الله بن أبي ، وهذا دليل على خطر النفاق.
فطائفة المنافقين تفت في عضد الطائفة المؤمنة، وتوهن عزائمها، وتوهمها بأنها معها ثم تتراجع في مرحلة المواجهة، وفي ساعات الخطر، ويزعمون أنهم لا يرون قتالاً، كما قال عز وجل حاكياً عنهم: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ [آل عمران:167]، لكن نحن لا نراكم تقاتلون اليوم أحداً، ولا يوجد حرب اليوم، فإذاً: لماذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا جاء ثلاثة آلاف من المشركين؟ هل يرجعون بدون قتال؟ والرسول قد خرج بالفئة، لكن هذا من خبث المنافقين، ومن محاولة التلبيس على المسلمين؛ ولذلك ذمهم الله على هذه الوقعة، كما سيأتي في سياق السورة.
قال: وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، أي: جمع بين لبس درعين وليس درعاً واحداً، وهذا فيه الأخذ بالأسباب، وأنه لا ينافي التوكل على الله عز وجل، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يعصمه الله من الناس ظاهر بين درعين، وهذا فيه أنه كان يأخذ بالأسباب، ويتخذ وقاية يتقي بها العدو، وهذه سنة الأنبياء جميعاً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وسنة الصالحين، وأهل السنة ليس عندهم ترك الأخذ بالأسباب زاعمين أن التوكل على الله يكفيهم، بل يأخذون بالأسباب مع كونهم متوكلين على الله عز وجل، فهم يتوكلون على الله بقلوبهم، ويأخذون بالأسباب بجوارحهم.
فظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وأعطى اللواء لـمصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، وبنو عبد الدار من قريش، ومصعب رضي الله تعالى عنه أحد فضلاء المسلمين، ويكفي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة- يقول: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فرضي الله تعالى عنهما، وقتل ولم يقطف من ثمرته شيئاً، ولم ينل شيئاً من أجره في الدنيا، بل أجره كله يُدخر عند الله عز وجل، وإعطاء مصعب اللواء فيه إشارة عظيمة، ولطيفة دقيقة، وهي أن مصعباً رضي الله عنه كان سفير الإسلام إلى المدينة، وهو الذي دخل على يديه أكثر أهل المدينة في الإسلام، وأكثر الأنصار إنما أسلموا على يديه رضي الله تعالى عنه، وهو الذي نشر الإسلام في المدينة، لذا كان هو الذي يحمل اللواء في هذه الموقعة، ومعلوم أن أكثر الجنود كانوا من الأنصار، فكان في هذا تكريم عظيم لـمصعب رضي الله تعالى عنه، ثم في بقائه ثابتاً على اللواء حتى استشهد رضي الله تعالى عنه وليس له من الدنيا شيء، زيادة تكريم له، فهذا فيه إشارة إلى ما له عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
وهذا فيه دليل على أن الصحابة كانوا يربون أبناءهم على حب الجهاد في سبيل الله عز وجل وعلى التضحية والبذل، كانوا يربونهم على ذلك وهم صبيان يناهزون البلوغ، وأعمارهم ما بين إحدى عشرة أو اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة، فالذي عمره ثلاث عشرة يعني أنه في عمر من هو في الصف الثاني الإعدادي في هذا الزمان، ومع هذا كانوا يحرصون على أن يكونوا في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجازهم النبي عليه الصلاة والسلام للقتال، وبعضهم كان عمره أربع عشرة وبعضهم خمس عشرة سنة، وأياً ما كان سنهم فإن البذل والتضحية في مثل هذا نادر، لكنه متصور من أبناء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذين اختارهم الله عز وجل على الأمم، فالعبرة كانت في ذلك ليست بالسن ولكن بإطاقة القتال.
قال: وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس، قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار.
وهذا فيه فائدة مهمة جداً، وهي: أننا ذكرنا أن مصعباً من بني عبد الدار، كان هو حامل لواء المسلمين، وحامل لواء المشركين كان من بني عبد الدار أيضاً، فهنا فائدة مهمة وهي: أن العرب كانت الرابطة التي تربط المجتمع عندهم هي رابطة القبلية، ورابطة العائلة، والأسرة الواحدة، لكن الإسلام فرق بينهم، فليس هناك عبرة بالأنساب طالما اختلفت العقيدة، وطالما اختلفت الملة والدين، فلا عبرة بما هو أدنى من ذلك، فكان عندهم من أقوى الروابط رابطة العائلة والأسرة، فهذا بطن من بطون قريش، وليس قبيلة كبيرة، وهكذا من الروابط وحدة المنشأ ووحدة الوطن ووحدة القومية، ووحدة اللغة، فالأسرة الواحدة كلها موجودة، وحامل لواء المسلمين مصعب من بني عبد الدار، وحاملوا لواء المشركين كانوا تسعة متتابعين، أو جملة متتابعة من بني عبد الدار، فرابطة العقيدة وآصرة الدين هي الآصرة التي يؤسس عليها المجتمع المسلم، وتبنى عليها الطائفة المؤمنة، دون نظر إلى الروابط الأخرى، ولو وجدت الروابط الأخرى فهذا آكد، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يقاتل الرجل تحت راية قومه؛ ليكون مع القريبين من قبيلته؛ لأن هذا أقوى له، وهم أعلم ببعضهم، ويستطيعون التعامل مع بعضهم بطريقة أنسب، فأهل الرابطة الواحدة أعرف بطباع بعضهم من غيرهم، وهم أعلم بما يحبه قومهم وما لا يحبونه، فهذا أمر مطلوب ولا مانع منه.
ولما أن تكون العقيدة واحدة وأضيفت إليها روابط الأسرة الواحدة أو العائلة الواحدة أو الوطن الواحد، أو القومية الواحدة هذه كلها تصبح جملة روابط مؤكدة لرابطة الإيمان، فلا نأباها ولا ننبذها؛ لأنها مؤكدة للرابطة الأصلية، رابطة العقيدة التي اجتمع عليها المجتمع المسلم، وبنيت عليها الطائفة المؤمنة، لكن عند أن تتعارض معها وتخالفها فلا بد أن تقدم رابطة الإيمان ولا عبرة بما سواها من الروابط.
ولذلك قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم حبال الجاهلية ووصل الأمة بحبل الإسلام؛ وهو حبل واحد، فكل رابطة تعارض أو يراد لها أن تكون بدلاً عن رابطة الدين، والتوحيد، والإيمان فهي رابطة مقطوعة، ولا عبرة بها، وأما إذا كانت مع رابطة الدين فهي تعضدها وتقويها، وينتفع بها في سبيل تحقيق الغايات المحمودة من رابطة الدين ومن طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال: ثم كان بين الفريقين من الأحداث ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات إن شاء الله تعالى.
قال ابن كثير : ولهذا قال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ، أي: تنزلهم منازلهم، وتجعلهم ميمنة وميسرة، وحيث أمرتهم، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، أي: سميع لما تقولون عليم بضمائركم، وقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالاً حاصله: كيف تقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم سار إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة، وقد قال الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ الآية؟ ثم كان جوابه عنه: أن غدوه ليبوئهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار.
وهذا السؤال طبعاً أخذه من كلمة (غدوت) والغدوة هي: أول النهار، يقال: غدوة وعشية، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم بوأهم بعد الجمعة يكون قد دخل في المساء، أي: في العشي، ولا يصح أن يقال له: غدوت. فيقول ابن جرير : إن الغدو كان يوم السبت صباحاً، وكان هذا لأجل خروج النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة، فما بعد الجمعة لا نسميه يوم الجمعة، ولكن نقول: بعد يوم الجمعة، أي: يوم السبت صباحاً.
وقوله تعالى: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ... [آل عمران:122] الآية. قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: قال عمرو : سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ... [آل عمران:122]، الآية. قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب، وقال سفيان مرة: وما يسرني أنها لم تنزل؛ لأن فيها عتاباً، وفيها ذكر بني سلمة بنوع من النقص، وهو: الهم بالفشل، قال: وما يسرني أنها لم تنزل؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ، أي: أن الله هو الذي تولى أمرهما، وهو سبحانه وتعالى الذي تولى إصلاحهما، ولذلك كان هذا كرامة لأولياء الله عز وجل، وأن بني حارثة وبني سلمة الذين ثبتهم الله من أوليائه عز وجل؛ لأن الله قال: وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا .
قال: وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة.
قال ابن كثير رحمه الله: ولهذا قال تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ، أي: قليل عددكم؛ ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العدد والعدد؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25]، إلى قوله تعالى: غَفُورٌ رَحِيمٌ .
اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , غزوة أحد للشيخ :
https://audio.islamweb.net