اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة لمحاضرة المفصل من السور للشيخ : ( ياسر برهامي )


المفصل من السور - للشيخ : ( ياسر برهامي )
كان الصحابة رضي الله عنهم يحزبون المصحف ثلاثاً وخمساً وسبعاً وتسعاً وإحدى عشرة وثلاث عشرة والمفصل، فإن عدوا الفاتحة ضمن التحزيب بدأ المفصل بسورة الحجرات، وإن لم يعدوها بدأ المفصل بسورة (ق)، وقد سمي المفصل مفصلاً لكثرة الفصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم.
كيفية تحزيب الصحابة رضي الله عنهم للمصحف وبيان المفصل منه
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.أما بعد:روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي وائل قال: (جاء رجل يقال له: نهيك بن سنان إلى عبد الله -يعني: عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه فقال: أبا عبد الرحمن ! كيف تقرأ هذا الحرف: ألفاً ترده أم ياء: مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد:15] أو: (من ماء غير ياسن)؟ قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذه؟!) ففهم من هذا الرجل أنه متكلف، ولذلك زجره، ليس لأن السؤال عن القراءات مذموم، ولكن لأن هذا فيه تكلف، ثم قال: (إني لأقرأ المفصل في ركعة). والمفصل من أول (ق) إلى آخر المصحف، أو من الحجرات إلى آخر المصحف على قولين؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحزبون القرآن ثلاثاً، وخمساً، وسبعاًً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، والمفصل، فكانوا يحزبون القرآن على سبعة أيام على طول السنة، فأكثر الصحابة كانوا يختمون القرآن كل سبعة أيام متواصلة، كما ذكر ذلك النووي في التبيان، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلون ذلك على الدوام، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص كان من أجل أن يخف عليه بالليل يراجعه في الصباح، أي: كان يقرؤه في النهار ليخف عليه في الليل؛ من أجل ألا يغلط.فكانوا يحزبون القرآن كالآتي: الفاتحة والبقرة وآل عمران، أو البقرة وآل عمران والنساء، فإذا عدوا الفاتحة فتكون سورة (الحجرات) هي أول المفصل، وإذا لم يعدوا الفاتحة من ضمن التحزيب فتكون (ق) هي أول المفصل، الأكثر على أن أوله (ق) والحزب الثاني يشمل سور: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، والذي يليه يشمل سبع سور، وهي: يونس، هود، يوسف، الرعد، إبراهيم، الحجر، النحل، والذي بعده يشمل تسع سور أولها الإسراء وآخرها الفرقان، والذي بعده يشمل إحدى عشرة: أولها الفرقان وآخرها (يس)، والذي بعده يشمل ثلاث عشرة من الصافات إلى المفصل، والحزب الأخير المفصل.ذفالرجل قال لـعبد الله: إني لأقر المفصل في ركعة، فقال عبد الله : (هذاً كهذ الشعر! إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) أي: أنك تقرؤها كأنك تقرأ شعراً أي: أنها قراءة سريعة.وقوله: (إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) التراقي: جمع ترقوة وهي العظم الذي في الرقبة، يعني: التي هي أصول الحنجرة، أي: أنه لم يتجاوز الحناجر، فالقرآن لم يجاوز حناجرهم، وهؤلاء هم الخوارج وكل من لم يتدبر، كما جاء في الرواية الأخرى.قال: (ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع) وهذا هو المقصود: أن يقع القرآن في القلب، وأن أفضل الصلاة طول الركوع والسجود. هذا مذهب عبد الله رضي الله تعالى عنه. والصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم فضل طول القيام على السجود، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أفضل الصلاة طول القنوت)، وقال عز وجل: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فطول القنوت هو طول القيام. وينبغي أن يكون الركوع والسجود قريباً من القيام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) .قال: (وإن أفضل الصلاة الركوع والسجود، وإني لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن في كل ركعة. ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثره، ثم خرج فقال: قد أخبرني بها). وفي الرواية الأخرى قال: (ثم خرج علينا فقال: عشرون سورة من المفصل في تأليف عبد الله )؛ لأنه في بعض السور التي ستأتي ليست من المفصل في تأليف عثمان رضي الله عنه الذي هو المصحف العثماني الذي هو المصحف الموجود اليوم، أما في تأليف عبد الله في زمن عبد الله فكان يدخل بعض السور في المفصل.وفي الروايات الأخرى قال: (إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اثنتين في ركعة، عشرين سورة في عشر ركعات).
حكم الإسراع بقراءة القرآن
عن واصل الأحدب عن أبي وائل قال: غدونا على عبد الله بن مسعود يوماً بعدما صلينا الغداة -أي: الصبح-فسلمنا بالباب، فأذن لنا، قال: فمكثنا بالباب هنية، قال: فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ قال: فدخلنا فإذا هو جالس يسبح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أُذن لكم؟ فقلنا: لا، إلا أننا ظننا أن بعض أهل البيت نائم. قال: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة، أنى ينامون في هذا الوقت؟ -ولذلك كره العلماء النوم بعد الفجر إلى الشروق- قال: ثم أقبل يسبح حتى ظن أن الشمس قد طلعت، فقال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ قال: فنظرت فإذا هي لم تطلع، فأقبل يسبح، حتى إذا ظن أن الشمس قد طلعت قال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت، فقال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا، قال مهدي : وأحسبه قال: ولم يهلكنا بذنوبنا). وهذا من أدب التابعين رضي الله عنهم؛ فإنهم دخلوا على عبد الله بن مسعود فتركوه يسبح، ولم يقطعوا عليه التسبيح، بل تركوه حتى أذن لهم بالكلام. وهذا دليل على فضل التسبيح والذكر في هذا الوقت -حتى على قراءة القرآن- حتى تطلع الشمس، فالذي لا يجلس في المسجد يجلس في البيت؛ لأن عبد الله بن مسعود كان في بيته.قال: (فقال رجل من القوم: قرأت المفصل البارحة كله، وهو نفس الرجل الذي قال: قرأته، قال: فقال عبد الله : هذاً كهذ الشعر؟! إنا لقد سمعنا القرائن، وإني لأحفظ القرائن التي كان يقرؤهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمانية عشر من المفصل، وسورتين من آل حاميم)، وهذا على تأليف ابن مسعود .وسمي المفصل من أجل كثرة الفصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم.قال الإمام النووي رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: باب ترتيب القراءة، والقراءة بتمهل، واجتناب الهذ وهو الإفراط في السرعة، فتجنب الإفراط في السرعة، وإباحة سورتين فأكثر في ركعة، أي: استحباب هذه النظائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رغب فيها.وقال في قول ابن مسعود لمن سأله: (آسن أو ياسن): هذا محمول على أنه فهم منه أنه غير مسترشد في سؤاله؛ إذ لو كان مسترشداً لوجب جوابه، وهذا ليس بجواب.يعني: أنه كان يريد أن يمتحن عبد الله بن مسعود ، فيريد أن ينظر كيف علمه، ولم يسأل ليتعلم.وقال في قوله: (هذاً كهذ الشعر): معناه: أن الرجل أخبر بكثرة حفظه وإتقانه، فقال ابن مسعود : تهذه هذاً، وهو شدة الإسراع، والإفراط في العجلة، ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترتيل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء.قال القاضي : وأباحت طائفة قليلة الهذ، وقالت: ليس هناك مانع أن يقرأ بسرعة، وهذا خلاف أمر الله في القرآن، وخلاف طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام.
 معنى الحديث الوارد في الهذ والجمع بينه وبين قول ابن مسعود
أما الحديث الوارد في الهذ المقصود به: ليس شدة الإسراع، ولكنه أسرع قليلاً مع الترتيل، ومع التدبر، فهو محمول على ذلك، أما القدر الذي يزيد على هذا القدر كالذي يقرأ المفصل في ركعة فإنه يكون مذموماً، فهناك هذ أقل سرعة، أما الهذ السريع فهو الذي أنكره ابن مسعود رضي الله عنه، بل وأنكره الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً حيث قال: (لا يفقه من قرأ القرآن دون ثلاث ليالٍ ..) فيكون مكروهاً وهو أن يقرأ عشرة أجزاء أو أكثر من عشرة أجزاء في اليوم ومن باب أولى أن يقرأ القرآن كله في ليلة؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا بسرعة شديدة.هذا وإن كان منقولاً عن بعض الصحابة إلا أن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن بعض الأسانيد عن بعض الصحابة غير ثابتة، لكن إذا صح عنهم ذلك فيحمل على أنه لم يبلغهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم في النهي أن يقرأ القرآن دون ثلاث ليالٍ، وحتى في الأيام الفاضلة يقرأ قليلاً من أجل أن يشغل الليلة بالقراءة، ولكن بترتيل، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان يطول السورة أحياناً حتى تكون أطول من أطول منها، فهذا الاختلاف في السرعة.قال النووي : (هذاً كهذ الشعر)، معناه: في تحفظه، وروايته، لا في إنشاده وترنمه؛ لأنه يرتل في الإنشاد، والترنم في العادة لا يكون مؤثراً في القلب؛ لأن الشعر لا يؤثر كما يؤثر القرآن. أما قوله: (إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن سورتين في ركعة) وفسرها أنها عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله، فقد قال القاضي: هذا صحيح، وموافق لرواية عائشة وابن عباس أن قيام النبي صلى الله عليه وسلم كان إحدى عشرة ركعة، وأن هذا كان قدر قراءته غالباً.وقد ورد في بعض الروايات: إحدى عشرة، وفي بعضها ثلاث عشرة، والصحيح أنه كان يفعل هكذا أحياناً وهكذا أحياناً، فأحياناً يصلي إحدى عشرة وأحياناً يصلي ثلاث عشرة.قال: وأن تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل، وما ورد غير ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر من الأوقات. أي: أن المعتاد هو هذا القدر. والله أعلى وأعلم.قال: وقد جاء بيان هذه السور العشرين في رواية في سنن أبي داود : الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، والواقعة و(ن) في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة.وسمي مفصلاً لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض.
الوقت المختار لختم القرآن الكريم
وهنا مسألة أخرى: الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بالقراءة قال له: (اقرأ القرآن في كل شهر).فلنواظب إن استطعنا على قراءة القرآن في كل شهر، ونجعل هذا الحد الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص هو الحد الذي نجتهد في المواظبة عليه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (اقرأ القرآن في كل شهر، قال: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: اقرأه في كل عشرين. قال: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: اقرأه في كل عشر. قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: اقرأه في كل سبع، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك).وهذا دليل على أن القراءة كل سبع أفضل من القراءة كل ثلاث، وينهى عن القراءة دون ثلاث؛ فإن عبد الله كان يقول: (يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رخصها)، فينبغي علينا أن نجتهد في هذا الأمر، فإن كان لأحد طاقة فليجرب أن يقوم بسبع القرآن في ليلة، فإن قدر فبفضل الله سبحانه وتعالى، وإلا فلا أقل من أن نقرأ في كل شهر. ونسأل الله الإعانة والتوفيق.
فضل الاعتكاف في رمضان وبيان بدايته ونهايته
روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر التي في وسط الشهر) .فقبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم أن ليلة القدر في العشر الأخير كان صلى الله عليه وسلم أولاً يجاور -يعني: يعتكف- في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين تمضي عشرون ليلة ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، ثم إنه أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: (إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها - أي: رأى في المنام ليلة القدر ثم نسيها -فالتمسوها في العشر الأواخر، في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد الخدري: فمطرنا ليلة إحدى وعشرين فوكف المسجد في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء) .وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير) أي: أغلقها بحصير حتى لا يدخل عليه أحد، قال: (فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف. فاعتكف الناس معه. قال: وإني أريتها ليلتي وإني أسجد صبيحتها في طين وماء، فأصبح في ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر) .وعن يحيى عن أبي سلمة قال: (تذاكرنا ليلة القدر فأتيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، وكان لي صديقاً، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل، فخرج وعليه خميصة، فقلت له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم، اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الوسطى من رمضان، فخرجنا صبيحة عشرين) يعني: يوم عشرين صباحاً، أي: أنهم لا يخرجون من المعتكف إلا صباح الليلة التي يكملون فيها العشر، والعشر الأواخر مثل العشر الوسطى، وهكذا فالرسول لما اعتكف العشر الأول كان سيخرج يوم عشرة صباحاً، ثم اعتكف العشر الأوسط الذي أوله ليلة إحدى عشرة، وينتهي صبيحة عشرين، ثم أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يعتكفوا العشر الأواخر، التي يبدأ الاعتكاف فيها قبل غروب شمس يوم عشرين؛ لأنه سيبدأ يستقبل أول ليلة منه، وهي ليلة واحد وعشرين.فإذا اكتملت العشر الأواخر يخرجون، وكثير من العلماء يقول: يخرج بعد غروب الشمس من يوم الثلاثين.وهناك آثار عن بعض التابعين: أنهم كانوا يخرجون بعد صلاة العيد، أي: أن أحدهم كان يعتكف ليلة العيد.فمن أحب أن يفعل ذلك فلا حرج عليه، وإن كان ذلك لا يصح؛ لأن العشر الأواخر قد اكتملت، فيخرج في صبيحة يوم الثلاثين كما في العشر الأوسط يخرج في صبيحة يوم العشرين. والله أعلم.
 ليلة القدر
وفي هذا الحديث دليل على أن ليلة القدر تنتقل؛ لأنه هنا أخبر أنها كانت في ليلة إحدى وعشرين، وفي رواية ثانية: أنها كانت ليلة الثالث والعشرين.وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان)، يعني: كل منهما يقول: لي حق على الآخر.قال: (معهما الشيطان فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. قلت: يا أبا سعيد ! إنكم أعلم بالعدد منا؟ قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالذي تليها التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة).ففي هذا الحديث الترغيب في الأشفاع، والحديث الذي قبله فيه الترغيب في الأوتار.وعن عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرفت وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه) فكان عبد الله بن أنيس يقول: هي ليلة ثلاث وعشرين، وهذا دليل على أنها تنتقل. فهذا الحديث غير الحديث الأول، وهذا هو الوجه الذي يجمع بينهما؛ لأن الحديثين فيهما الماء والطين.قال زر بن حبيش : سألت أبي بن كعب رضي الله عنه فقلت: (إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر-أي: الذي يقوم السنة كلها يصيب ليلة القدر -فقال: رحمه الله، أراد ألا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟! فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها).وفي الرواية الأخرى: (هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) وهذا تصريح بأنها ليلة سبع وعشرين، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بعدة أوامر وبين لهم عدة ليال.وهناك حديث في الترمذي: (أنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان). وهذا تصريح بأن ليلة القدر في السنة التي نزل فيها القرآن كانت ليلة أربع وعشرين. إذاً هي تنتقل في ليالي العشر الأواخر كلها، وهذا أصح الأقوال. والله أعلى وأعلم.والمقصود بأن الشمس تطلع وليس لها شعاع أي: تطلع بيضاء نقية لا شعاع لها، سواء كانت حمراء، أو بيضاء، وذلك في أول طلوعها.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل
عن ابن عباس قال: (بت عند خالتي ميمونة ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام فأتى القربة فأطلق، ثم توضأ وضوءاً بين الوضوءين ولم يكثر) يعني: بين الوضوء المسبغ جداً وبين الوضوء الخفيف. (وقد أبلغ) يعني: أوصل الماء إلى المواضع.قال (ثم قام فصلى، فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له) تمطى أي: كأنه قام في ذلك الوقت، وقد فعل هذا تأدباً مع النبي عليه الصلاة والسلام، من أجل أن يتركه على راحته، ولا يكون مراقباً له؛ لأن الواحد إذا حس أن أحداً يراقبه قد لا يأخذ راحته. قال: (فقمت فتوضأت، فقام فصلى، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدراني عن يمينه، فتتامت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ، وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وعظم لي نوراً).وفي الرواية الأخرى قال: (استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة ..) وفي الرواية الثانية: (أنه نظر إلى السماء وقرأ هذه الآيات)، فيستحب أن ينظر المسلم إلى السماء، ويقرأ آخر عشر آيات من سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190] الآيات.قال: (ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها، فأحسن الوضوء) إلى أن قال ابن عباس : (فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها)، يعني: يخاف أن ينام. قال: (فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعيتن، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى).و يجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة: أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة مع ركعتي الفجر، أو نقول: كان أحياناً يصلي إحدى عشرة وأحياناً ثلاث عشرة.

اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة لمحاضرة المفصل من السور للشيخ : ( ياسر برهامي )

http://audio.islamweb.net