إسلام ويب

للسعادة معنى كبير وثمن غال جداً. إنها معنى لا يرى بالعين، ولا يقاس بالكم، ولا تحويه الخزائن. إنها صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة ضمير. هي بسمة طفل طهور، ولهج لسان صادق، وعفو قلب متسامح، وهدية بلا منٍّ ولا أذى.. لا يأتي بها المال وكثرته، بل القناعة. ولا يأتي بها الحرص، بل الرضا. ولا يأتي بها الغضب والبطش، بل العفو والحلم.. لكن! لها معوقات قد تعيق وجودها أو استمرارها؛ فينبغي التعرف على هذه المعوقات والسعي إلى إخراجها من القلوب، وإقصائها من واقع المسلمين حتى يحيوا حياة سعيدة هنيئة.

حقيقة السعادة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يكفره.

ونصلي ونسلم على خاتم رسله وأفضل أنبيائه وخيرته من خلقه محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى أصحابه وأزواجه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.

أيها الأحبة! صناعة السعادة معنىً كبير، ولا أكتمكم أني جمعت فيه الكثير الكثير حتى تحيرت فيما أختار لكم، فوجدتني بعد تلخيص التلخيص مقتصراً على ثلاثين فقرة أو ثلاثين عنواناً، وإذا كان الوقت المخصص لها ساعةً فحسب، فمعنى ذلك: أن كل عنوان يجب ألا يتجاوز دقيقتين فقط، فأسأل الله لي ولكم العون والفهم والسداد.

السعادة لا يمكن الوصول إليها بكنوز الفضة والذهب؛ لأنها أغلى من كنوز الدنيا كلها.

السعادة كاللؤلؤ في أعماق البحار, بحاجة إلى غواصٍ ماهر يتقن صنعة الاكتشاف.

السعادة هي مواقفك، وكلماتك، وتطلعاتك، ونظراتك إلى الحياة بواقعية وأمل وتفاؤل وإشراق.. ابحث في داخلك، ففي أعماقك كنز ثمين حين تكتشفه تعرف معنى الحياة:

دواؤك منك ولا تبصـر>>>>>وداؤك فيك وما تشعر

وتزعم أنك جرم صغير>>>>>وفيك انطوى العالم الأكبر

بسمة طفل طهور.. لهج لسان صادق.. عفو قلب متسامح.. هدية بلا منٍّ ولا أذى.. خفقة حب حنون.. هدف نبيل.. كرب ينكشف.. نعمة تتحقق.. ساعة جهد وعمل وعرق تعقبها راحة ونجاح وسرور.

إنها معنىً لا يعرف بالعين، ولا يقاس بالكم، ولا تحتويه الخزائن، ولا يشترى بالدولار أو بالدينار أو بالجنيه أو بالروبل.

إنها صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة ضمير، من الداخل تأتي وليست تستورد من الخارج.. لفظ حلو يبعث على الروح والهمة والنشاط، كلمة سحرية لها رنين رقيق.. ضمير نقي.. نفس هادئة.. قلب شريف.. ميراث رضواني قد يجدها الفقير ويحرم منها الغني.. حقيقة من الحقائق لا يتوصل إليها عن طريق الخيال.

لكن يا ترى ماذا تعني السعادة في نظرهم؟!

في استفتاء أجري على حوالي ستة عشر ألف إنسان، سئلوا فيه: ما هي السعادة؟

كانت إجاباتهم كالتالي:

أولاً: السعادة هي الحب (35%) تقريباً.

ثانياً: السعادة هي الرضا (28%).

ثالثاً: السعادة هي الصحة (17%).

رابعاً: السعادة هي الزواج (7%).

خامساً: السعادة هي المال (5.5%).

سادساً: السعادة هي الأطفال، حوالي (4%).

ولقد ذكر الأستاذ العقَّاد قصة لزميل له رسام حاول أن يتخيل السعادة أي شيء تكون، فتصورها في صورة فتاة مراهقة تركض ذات اليمين وذات الشمال، في قوة ودعة واندفاع، وشعرها يتطاير يمنة ويسرة.

يقول: فاستدركت عليه وقلت له: إنني أتخيل السعادة وهي تجاوزت هذا العمر، فهي ليست في فترة الغرارة والجهالة والصبا والاندفاع، وإنما هي في فترة التجربة والقوة والخبرة، وأيضاً ليست السعادة شيئاً كهذا، إن هذا يمكن أن يعبر عنه بالفرح أو بالقوة أو بالاندفاع أو بالمراهقة، أما السعادة فإنها شيء فيه معنى الرضا والاكتفاء، فلا بد أن تكون ملامحها راضية هادئة حزينة مؤمنة، ولا بد من ألم تلطفه الذكرى، ولذة يطهرها الحنو، ونشاط يلوح عليه التعب والإعياء.

السعادة -أيها الحبيب- ذوق ووجد وإحساس، ليست معنىً علمياً نظرياً، ولا شيئاً يرسم بالحدود والتعريفات كما ترسم المسائل العلمية. قد تطرق السعادة باب الإنسان فيعرض عنها وهو أحوج ما يكون إليها، ومن ذلك مثلاً: سعادة الطفولة والصبا، فإن الكثيرين يستمتعون بالسعادة ولا يعرفون اسمها.

إن كانت السعادة بالمال مثلاً فالجبال والمناجم أقوى وأكثر منا سعادة.

وإن كانت بالجمال والزينة والنُضرة فالورود والشقائق أجمل وأتم زينة.

وإن كانت بالبطش والقوة والطغيان وجهارة الصوت، أو قوة الشباب والجنس، أو كثرة الأكل أو فورة الغضب فالوحوش أقوى وأتم سعادة منا.

أما إن كانت السعادة في الأخلاق العالية، والروح المهذبة، والقول الرشيد، والصنعة الرفيعة، فإن الإنسان هو الأجدر بها.

السعادة والعبادة

ثانياً: السعادة والعبادة.

- أولاً: الفرائض.

(وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه) .. مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

- ثانياً: النوافل.

(وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه).

- ثالثاً: الذكر.

ذِكْرُ الله عز وجل: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، يقول ابن القيم رحمه الله: حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة، فصلى الفجر ثم جلس يذكر الله إلى قريب من منتصف النهار، ثم التفت إليَّ وقال لي: (هذه غدوتي لو لم أتغدها لم تحملني قواي).

- رابعاً: قراءة القرآن.

وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً [الإسراء:82].

- خامساً: البر بأنواعه.

إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار:13]، يقول ابن تيمية رحمه الله ما محصلُّه: أن هذه الآية عامة في الدنيا والآخرة، فللأبرار نعيم في الآخرة يذوقون أوله ومباديه في الدنيا، وللفجار عذاب وجحيم في الآخرة يذوقون مباديه في الدنيا.

- سادساً: الصلاة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أرحنا بها يا بلال !) .. ويقول عليه الصلاة والسلام: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) فإذا أقبل على صلاته فلا شيء يشغله من أمر الدنيا.

- سابعاً: معرفة الله عز وجل.

حتى قال ابن تيمية رحمه الله: (إنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها طرباً، حتى إنني أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فإنهم لفي عيش طيب).

إن الإنسان لم يكتب له في هذه الدنيا أن يرى ربه، ولكنه يرى آثار صنعته فيؤمن به؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك

إلهي رأيتك، إلهي سمعت

تعاليت لم يبد شيء لعيني>>>>>تباركت لم يمض صوت بأذني

ولكنّ طيفاً بقلبي يطـل>>>>>ومن طيفه كل نور يهل

(ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً).

أمريكي كان مديراً لشركة كبيرة، وقد تحصَّل له المال والجاه، ومع ذلك كله كان لا ينام الليل من الهم والقلق والحزن والتوتر، وكان عنده من العاملين شاب عربي مسلم، موظف بسيط عادي في نفس هذه الشركة، وكلما رآه المدير تعجب، فإن السعادة تفيض من جوانحه وأطرافه وقسمات وجهه، فهو دائماً وأبداً ضحوك بسَّام متهلل مهما ادلهمت عليه الخطوب، فسأله وقال له: ما الذي يجعلك هكذا؟

قال: لأنني مؤمن مسلم أقرأ كتاب الله عز وجل، وأعمل بأمره، فإن حييت فأنا في طاعته، وإن مت فإلى رحمته وجنته ورضوانه بحوله وقوته.

فقال له: خذ بيدي إلى الطريق.

وذهب به إلى مركز إسلامي، فأمروه أن ينطق الشهادتين، ولقنَّوه إياها، وبعدما عرفوه مبادئ الإسلام، وآمن بها، انطلق في نوبةٍ عارمةٍ من البكاء فسألوه عن السبب، قال: لقد أحسست اليوم بسعادة تغمر قلبي، وتتسلل إلى فؤادي، لم أشعر بها من قبل.

السعادة والإيمان

ثالثاً: السعادة والإيمان.

لقد سجَّل الله عز وجل أن: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] فالسعادة الحقيقية في القلوب، ولا يملأ القلوب ويجمع شعثها إلا محبة الله عز وجل، والإيمان به، ولهذا قال سبحانه: فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] فالهداية سعادة في القلب في الدنيا ورضاً في الآخرة.

هذا الأستاذ بودلي يحكي تجربته العجيبة:

عاش بين الأعراب في الصحراء الغربية في بلاد المغرب العربي، وارتدى زيَّهم، وأكل طعامهم، وأخذ عاداتهم، وامتلك مثلهم قطيعاً من الغنم، وكتب كتاباً بعنوان: الرسول ، يبدي فيه إعجابه الشديد بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، يقول:

تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق، وهم يؤمنون بالقضاء والقدر، فيعيشون في أمان، لكنهم لا يقفون مكتوفي الأيدي أمام الكارثة، يقول: هبت ذات يوم عاصفة رملية شديدة؛ شتتت هؤلاء الناس، وقتلت من مواشيهم ما قتلت، وما هدأت هذه العاصفة إلا وبعضهم يضحك إلى بعض، وهم يعددون الإيجابيات ويقولون: الحمد لله لقد بقي من غنمنا أكثر من (40%).

يقول مرة أخرى: كنا نقطع الصحراء على سيارةٍ فانفجر الإطار، وأصابتني نوبة من الغضب، وقلت للسائق: كيف تفعل هذا -وقد نسيت الإطار الاحتياطي- وتتركنا في هذه الصحراء ؟

قال: فالتفتوا إليَّ وقالوا لي: إن الغضب لا يصنع شيئاً، عليك بالهدوء.

ومشت السيارة على ثلاث إطارات، وبعد قليل توقفت لنكتشف أن البنزين قد انتهى أيضاً، يقول: فانطلقوا يمشون بهدوء وراحة على أقدامهم في هذه الصحراء دون غضب ولا انفعال، لقد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء أن المتفائلين ومرضى النفوس والسكيرين ما هم إلا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة والعجلة أساساً لها.

إن الحياة إذا خلت من الإيمان بالله عز وجل فهي صحراء قاتلة، وانتحار عاجل:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان>>>>>ولا دنيا لمن لم يبك دينا

ومن رضي الحياة بغير دينٍ>>>>>فقد جعل الفناء لها قرينا

السعادة والرضا

رابعاً: السعادة والرضا.

أعلى درجات الصبر هو الرضا، ولا يبلغه إلا من آتاه الله إيماناً وصبراً جميلاً، فتراه راضياً بما حلَّ به؛ سواء كان الذي حلَّ به فقراً، أو مصيبةً، أو علةً، أو غير ذلك، فهو يدري أن ذلك بقضاء الله عز وجل:

أيُّ يوميَّ من الموت أفر>>>>>يوم لا قدر أم يوم قدر

يوم لا قدر لا أرهبه>>>>>ومن المقدور لا ينجو الحذر

يحدثنا التاريخ مثلاً: [أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كفَّ بصره، وكان مجاب الدعوة، فربما جاءه الناس فدعا لهم فاستجاب الله دعاءه، فقال له قائل: لم لا تدعو لنفسك يا سعد ؟!

قال: يا بني! قضاء الله عندي أحسن من بصري]

إن الساخطين والشاكين لا يذوقون للسرور طعماً، فحياتهم كلها ظلام وسواد، أما المؤمن الحق فهو راضٍ عن نفسه، راضٍ عن ربه، موقنٌ أن تدبير الله عز وجل أفضل من تدبيره نفسه، ينادي ربه ويقول: بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26].

السعادة والعمل

خامساً: السعادة والعمل.

اسعد في عملك بتحقيق المراقبة الذاتية، فالعمل فرصة لذلك.. العمل فرصة لأن تكسب علاقات طيبة مع الآخرين، وتبني جسور الأخوَّة مع إخوانك المؤمنين، وتتواصل معهم من خلال التعامل اليومي.. اقتنع بالعمل، وتفهم تفاصيله، واندمج فيه، وحقق النتائج والنجاح حتى تشعر بذاتك وسعادتك.

انظر إلى الحياة نظرةً متفائلة وإيجابية، وإياك وكثرة الشكوى والتبرم والقلق.

استثمر النجاح ولو كان نجاحاً قليلاً، واستفد منه في طلب المزيد.

من الجيد أن تحتفظ بالحماس، حتى لو كانت الأمور تسير على غير ما يرام.

لا تدع الملل والسأم يفسدان حياتك، وأعط نفسك إجازة استرخاء بين الفينة والأخرى: جدد نشاطك يومياً مع زملائك واخلق معهم جواً من الود والتفاؤل والمرح والعمل الجاد.

الكثيرون منا يطفئون عود الثقاب قبل أن يتأكدوا من اشتعال الشمعة، فلا هو أشعل الشمعة، ولا هو استفاد من عود الثقاب مع أنه قد بذل جهداً.

أراد رجلٌ أن يغير العالم، فمكث عشرين سنة وهو يحلم بهذا التغيير، ولكنه لم يأت، فقال: إذاً فلأغير دولتي، فمكث عشر سنوات ولكن الوضع كما هو.. إن لم يكن أسوأ، فقال: إذاً فلأغير المدينة وخصصَّ له خمس سنوات ولكن دون جدوى، ففكر أن يغير الحي وخصص له عاماً كاملاً ولم يتغير شيء، وأخيراً قال: الدائرة الأضيق أغير بيتي وخلال ستة أشهر لم يتغير من البيت شيء، فقال: الآن وجدتها، فلأبدأ بتغيير نفسي.

نعم! قد تكون المشكلة في المرآة وقد تكون المشكلة في الصورة، فعلينا أن نبدأ بتغيير أنفسنا حتى تكون أحكامنا على الأشياء صحيحة، وحتى نكون قادرين على إدارة عملية التغيير.

السعادة والتعامل

سادساً: السعادة والتعامل.

الإحسان إلى الناس من أعظم أبواب السعادة:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم>>>>>فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

وفي الأثر: [إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم] ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويُؤلفون).

وقد روي عن بعض السلف أنه كان يقول: (إنه لتكون بيني وبين الرجل الخصومة، فيلقاني فيلقي عليَّ السلام فيلين له قلبي).

(وقد كانت الجارية تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتأخذ بيده، وتذهب به إلى أي سكك المدينة شاءت).

إن الانشغال بعمل مفيد، أو عمل نافع، أو محاولة الإبداع فيما يحسن الإنسان وفيما ينفع به الناس من أبواب السعادة.

إن تخفيف النكبات على الآخرين -(الساعي على الأرملة والمسكين أنا وهو في الجنة كهاتين)- وطلاقة البشر -الوجه- والعفوية، والتماس الأعذار، وعدم البحث عن سلبيات الآخرين، أو اتهام النفس قبل الغير -خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]-.

أعط من حرمك، واعف عمن ظلمك، وابذل نداك، وكف أذاك، وتعاهد من وصلته بمعروفٍ جديد، تجد السعادة في عالمك.

من هو أسعد البشر؟!

إنه ذلك الذي يقدر مواهب الآخرين، ويشاركهم في غبطتهم كما لو كانت غبطته هو، يقول الأستاذ مصطفى أمين : أشعر بسعادة غامرة عندما أستطيع أن أرسم ابتسامة على شفاهٍ حزينة، أو أمسح دمعة من عين باكية، أو أن أمد يدي إلى إنسان سيئ الحظ وقع على الأرض فأساعده على الوقوف.

إن السعادة الكبرى هي في العطاء وليست في الأخذ:

تراه إذا ما جئته متهللاً>>>>>كأنك تعطيه الذي أنت آخذه

أولئك الذين يكرهون الآخرين ويحزنون لنجاحهم هم في الحقيقة يطردون السعادة من قلوبهم بإرادتهم.

السعادة والقناعة

سابعاً: السعادة والقناعة.

الإنسان مطبوع على حب الدنيا وما فيها.. السعيد ليس من ينال كل ما يرغب، وإنما السعيد من يقنع بما أعطاه الله عز وجل، قال سعد بن أبي وقاص لولده: [يا بني! إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإن لم تكن قناعة فإنه ليس يغنيك مال مهما كثر].

وفي الترمذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا).

حاتم الأصم ترك أولاده وبناته دون نفقة وذهب، فسقوا رجلاً، وتبين بالصدفة أنه أمير، فأعطاهم وأغناهم، فقالت البنت لأمها وهي تبكي: انظري يا أماه! هذا مخلوق نظر إلينا فاستغنينا فكيف لو نظر الخالق جلَّ وعزَّ إلينا؟!!

عمر بن عبد العزيز رحمه الله قبل الخلافة أمر أن يشترى له مطرف خزّ -حرير- فاشتري له بألف دينار، ووضع يده عليه وقال: ما أخشنه. فلما ولي الخلافة أمر أن يشترى له ثوب بثمانية دراهم، فلما جيء به إليه وضع يده عليه وقال: ما أرقه! ما ألينه! ما أنعمه!

رب صاحب قصر يتمنى السعادة، وربَّ فقير يعيش في كوخ وهو يتظلل ويظلل أهله بالسعادة.

من أراد السعادة فلا يسأل عنها المال، ولا الذهب والفضة، ولا القصور والبساتين أو الرياحين، بل عليه أن يسأل عنها نفسه التي بين جنبيه؛ فإن القناعة هي ينبوع السعادة وهناءته:

أطعت مطامعي فاستعبدتني>>>>>ولو أني قنعت لكنت حرا

السعادة والصحة

ثامناً: السعادة والصحة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) ويقول المثل: (الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى) يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247].

استخدم صحتك البدنية فيما يسعدك ويسعد الآخرين، تعاوناً على البر والتقوى، وتآمراً بالمعروف، وتناهياً عن المنكر، فـ (إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) .. (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).

حافظ على صحتك باعتدال، ولا تكن أسير الأوهام والمخاوف.

من الصحة أن تعتني بنظافة بدنك؛ كنظافة الوجه والفم والشعر والجسم ظاهراً وباطناً، والعناية بطيب الرائحة؛ فإنه لم يكن أحدٌ أطيب رائحة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى كأنه أخرج من جؤنة عطَّارٍ.

وكذلك جمال الثياب: (فإن الله تعالى جميل يحب الجمال) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك العناية بطيب المطعم والمشرب وجودة الطعام، وأن يكون من حلال، وتناوله بهدوء وراحة وسعة بال.

السعادة والعادة

تاسعاً: العادة والسعادة.

هناك عادات عشر لا بد أن يتعلمها الإنسان:

العادة الأولى: أن يسعى للتميز والتفوق والنجاح.

إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء:90] .. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10] .. ( أقربكم مني مجالساً يوم القيامة ).

العادة الثانية: تحديد الأهداف.

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8].

العادة الثالثة: ترتيب الأولويات.

إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103]، وفي وصية أبي بكر رضي الله عنه يقول: [إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، ولله عمل بالنهار لا يقبله بالليل].

العادة الرابعة: التخطيط وبُعد النظر.

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].

العادة الخامسة: التركيز.

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] .. (إن العبد لينصرف من صلاته وما كتب له إلا نصفها، ثلثها، ربعها، خمسها، سدسها، عشرها).

السادسة: إدارة الوقت.

وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] .. [يا بن آدم! إنما أنت سويعات فإذا ذهب بعضك ذهب كلك].

السابعة: جهاد النفس.

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] الناجح: هو من يكون راعياً بإرادته وليس كلباً منساقاً لها.

الثامنة: براعة الاتصال.

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159].

التاسعة: التفكير الإيجابي.

وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] .. (إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة واستطاع أن يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر).

العاشرة: التوازن.

وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67] .. (إن لبدنك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فآتي كل ذي حق حقه).

السعادة والزواج

عاشراً: السعادة والزواج.

المرأة التي لم تدغدغ أنامل الحب عواطفها هي تربة لم يشقها المحراث، إن لم ينبت فيها الزرع والثمر رعت فيها الحشرات والهوام.

إن الزواج من هدي الأنبياء والمرسلين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

الزواج استجابة لنداء الخالق عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، ولذلك يقول عمر رضي الله عنه: [من دعاك إلى غير الزواج فقد دعاك إلى غير الإسلام] ويقول: [لا يترك الزواج إلا عاجز، أو فاجر] .

الزواج هو الطريق الشرعي لقضاء الوطر: إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6].

الزواج من أعظم نعم الله تعالى على العباد؛ فهو طريق العفة، وسبيل السعادة: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21].

إنه طريق سهل ميسر لاكتساب الأجر والمثوبة: (وفي بضع أحدكم صدقة) .. (أفضل الدينار هو الدينار الذي أنفقته على أهلك) .. (وإنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله عز وجل إلا أجرت عليها، حتى اللقمة تضعها في فيَّ امرأتك).

الزواج السعيد هو القائم على أسس شرعية.

الزواج قوة للأمة، وتجديد لشبابها، وتكثير لها: (تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة).

وصايا للزوج: اتق الله.. كن حسن الخلق.. كن صبوراً.. كن غيوراًَ.. أنفق على زوجتك، لا تفشِ سراً.. فقه نفسك وزوجتك (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر).

وقد أسفرت دراسة أجراها أحد الأطباء النفسانيين عن أن النساء أقدر من الرجال على استيعاب السعادة، وعلى استيعاب النحاسة والشقاوة والتعاسة في الوقت ذاته، فإذا توفر للمرأة -مثلاً- قدر مناسب من مقومات الحياة: بيت طيب يؤويها، وزوج صالح، وأطفال، وأيضاً لم تكن المرأة أصيبت بالسمنة، فإنها حينئذٍ تكون أسعد من الرجل، بينما على النقيض من ذلك إذا حرمت المرأة من هذه التطلعات فإنها تتجشم من البؤس والشقاوة أضعاف ما يتجشمه الرجل وهي أعجز منه عن المقاومة.

السعادة والحب

حادي عشر: السعادة والحب.

القلب هو مصدر السعادة وليس البنك أو المعدة، فكوخ تضحك فيه المرأة خير من قصر تبكي فيه:

لبيت تضحك الأرياح فيه>>>>>أحب إليَّ من قصر منيف

ولبس عباءة وتقرَّ عيني>>>>>أحب إليَّ من لبس الشفوف

إن المرأة السعيدة هي من تجد رجلاً تحبه ويحبها، وخير ما يقتني الرجل بعد تقوى الله عز وجل المرأة الجميلة، الوفية، المصونة، العاشقة، وتستطيع المرأة أن تنقل لزوجها وأبنائها السعادة التي تقل في الجنس الخشن من خلال صفة الرحمة التي تملك المرأة منها ما لا يملكه الرجال.

يقول أحد الشعراء:

أيها السائح الذي طوَّف بالآفاق، وشهدت عيناه أخصب أرض تفيض فيها الأزهار، وأبصر المروج تتفتح فيها الورود، قل لي بالله عليك: أي بلاد رأيتها أجمل البلاد؟

أيتها الحسناء الجميلة أتريدين أن أدلك على البلد الذي يفوق بحسنه كل حسن، ويمحو بمنظره كل منظر؟ ذلك يا حسناء! حيث يقيم الأحبة، أخصب أرض هي تلك التي وطأتها أقدام الحبيب.

إذاً السعادة مرتبطة بالمحبة حين تكون المحبة مظللة بالقاعدة الشرعية، قائمة على الكتاب والسنة.

السعادة والمال

ثاني عشر: السعادة والمال.

لهذه الكلمة رنين سحري، والبعض يظنون -خصوصاً ممن لا يملكون المال- أن مفاتيح السعادة في المال، والواقع أن الذين يسعدون بالمال هم أولئك الذين يملكونه، أما الذين يملكهم المال فإنه يحولهم إلى أشقياء تعساء، ويدعو عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار ...

إن المال يوفر لك الطعام وليس الشهية، ويوفر لك الدواء وليس الصحة، ويوفر لك الخدم وليس الأصدقاء الأوفياء، يوفر لك المعارف وليس الأصدقاء، ويوفر لك المشتريات لكن لا يحقق لك السعادة.

المال يمنحك الفرصة الجيدة والحبوة عند الناس، فدائماً نكتة الغني جميلة وممتازة ويضحك الآخرون منها، ولهذا يقول الشاعر العربي لزوجته:

دعيني للغنى أسعى فإني>>>>>رأيت الناس شرهم الفقير

وأبعدهم وأهونهم عليهم>>>>>وإن أمسى له نسب وخِير

ويقصيه الندي وتزدريه>>>>>حليلته وينهره الصغير

ويرثى ذو الغنى وله جلال>>>>>يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليل ذنبه والذنب جـمٌ>>>>>ولكن للغني رب غفور

يسعد المال أمثال أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله؛ الذين ركبوا المال كما يركبون الدواب، أو قعدوا عليه كما يقعدون على الفرش، فجعلوه ذريعة إلى رضوان الله عز وجل، والإحسان إلى خلقه، والمسابقة إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض.

والكثيرون يرون القناعة خيراً من التوسع في المال، يمثلهم أبو الشمقمق الذي يقول:

برزت من المنازل والقباب>>>>>فلم يعسر على أحدٍ حجابي

فمنزلي الفضاء وسقف بيتي>>>>>سماء الله أو قطع السحاب

فأنت إذا أردت دخول بيتي>>>>>دخلت مسلِّماً من غير باب

لأني لم أجد مصراع بابٍ>>>>>يكون من التراب إلى السحاب

ولا خفت الإباق عـلى عبيدي>>>>>ولا خفت الهلاك على دوابي

ولا حاسبت يوماً قهرماناً>>>>>محاسبةً فأغلط في حسابي

وفي ذا راحة وفراغ بالٍ>>>>>فدأب الدهر ذا أبداً ودابي

السعادة والبرمجة السلبية

ثالث عشر: السعادة والبرمجة السلبية.

الكثيرون تمت برمجتهم سابقاً على بعض الأشياء السلبية منذ الطفولة، على سبيل المثال:

أولاً: الأسرة:-

فربما للأسرة دور كبير في تشكيل حقل الإنسان، فمعظم العادات السلبية أو الإيجابية التي تلقيتها اكتسبتها من الوالدين والمنزل والمحيطين بك في الطفولة، فقد يكتسب الطفل مثلاً الخوف أو القلق أو التشاؤم من والديه أو أحدهما وفي الحديث: (وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).

ثانياً: المدرسة:-

أيضاً لو رجعت بذاكرتك إلى أيام الدراسة فإنك تتذكر مدرساً كان يلومك مثلاً ويقول لك: أنت مشاكس، أنت غبي، أنت ساذج، وهكذا على الجانب الآخر ربما تجد معلماً كان يرفع معنويتك ويأخذ بيدك، ويعطيك جرعات من التشجيع والثقة بالنفس إلى غير ذلك.

ثالثاً: الأصدقاء:-

فلهم دور كبير في تشكيل وبرمجة الإنسان برمجة إيجابية أو سلبية، فالإنسان يتأثر بهم كما يؤثر فيهم، ويروى عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).

الرابع: وسائل الإعلام:-

ولا يخفى أثر هذه الوسائل سواء كانت صحفاً، أو مجلاتٍ، أو قنوات فضائية، أو مواقع إلكترونية، فقد أصبح الناس يتأثرون بها ويقضون من الوقت أمامها أكثر مما يقضونه في المدرسة, أو مع الوالدين, أو مع أي وسيلة أخرى، ولعلَّ ما نراه اليوم من عادات دخيلة على مجتمعاتنا عند الأولاد والبنات من الألفاظ والكلمات، أو الملابس، أو العلاقات، أو غيرها، إنما هي من أثر البرمجة السلبية التي تلقوها عن طريق وسائل الإعلام، خصوصاً في فترة الطفولة.

الخامس والمصدر الأخير للبرمجة السلبية أو الإيجابية: هو أنت نفسك:-

فأنت ربما برمجت نفسك برمجة ذاتية نابعة منك بوعيٍ أو بغير وعي على عادات معينة، فمن الممكن أن تجعل منك إنساناً سعيداً تغمره المشاعر والتفاؤل والأمل والحماس، ويحقق آماله وأمانيه وأحلامه، أو تجعل منك إنساناً تعيساً سلبياً يائساً من الحياة، وفي ذلك يقول أحد المختصين: إن ما تضعه في ذهنك سواء كان إيجابياً أو سلبياً فهو الذي سوف تجنيه وتكسبه في النهاية.

لذلك تذكر دائماً وأبداً هذه النصيحة: راقب أفكارك؛ لأنها سوف تصبح أفعالاً.. راقب أفعالك؛ لأنها سوف تصبح عادات، وراقب عاداتك؛ لأنها سوف تصبح طبعاً.. راقب طباعك؛ لأنها سوف تحدد مصيرك.

يقول أحدهم: إنه كان يذهب إلى عمله مع شخصين: أحدهما إذا أقبل على المدينة بدأ يتأوه ويقول: كيف لي أن أجد موقفاً لسيارتي؟ إن هذه المدينة مزدحمة بالناس وبالسيارات، وإن الحصول على موقف للسيارة يعتبر أمراً شبه مستحيل.

يقول: فكنت إذا دخلت معه أضعنا أربعين دقيقة نبحث عن موقع للسيارة دون جدوى.

يقول: وأدخل مع شخصٍ آخر فكان دائماً يتعجب ويقول: على رغم سعة المدينة وكثرة سكانها وسياراتها، إلا أنني لا أجد صعوبة أبداً في الحصول على موقع.

يقول: وما هي إلا أن يصل إلى ما يريد حتى يجد سيارة تغادر المكان ليجعل سيارته مكانها.

حين تتحدث عن نفسك فاختر العبارة المناسبة، مثلاً: بدلاً من أن تقول: هذا عمل صعب. قل: هذه مهمة ليست سهلة، ولكنني أستطيع أن أفعل ذلك، أو أحاوله.

بدلاً من أن تقول لأحد: لا تغضب. قل له: هدئ أعصابك.

بدلاً من أن تقول: كم كان هذا اليوم صعباً وشاقاً. قل: كم كان هذا اليوم مفعماً بالنشاط والعمل.

بدلاً من أن تقول: لا أستطيع. قل: سأحاول.

بدلاً من أن تقول: لا أظن أن هذا الشيء سيتحقق. قل: آمل أن يتحقق.

بدلاً من أن تقول: أشعر بكسل. قل: أحتاج إلى شيء من الحركة والنشاط.

بدلاً من أن تقول لأحدٍ: أنت ضعيف. قل له: أنت تحتاج إلى مزيد من الجهد والتمرين.

السعادة والنجاح

رابع عشر: السعادة والنجاح.

كل إنسان له إمكانية النجاح، ولكن نجاحه يعتمد على قدرته على تفجير المواهب التي وضعها الله تعالى فيه، فمخطئ من يتصور أن النجاح يأتيه على طبق من ذهب، ومخطئ أيضاً من يعتقد أنه لا يملك آلية وأهلية النجاح.

لولا المشقة ساد الناس كلهم>>>>>الجود يفقر والإقدام قتَّال

أولاً: لا بد من الثقة بالنفس، فهي من المقومات الرئيسية للنجاح.

ثانياً: لا بد من الإرادة القوية، فالإنسان يعيش صراعاً، ولن ينتصر في هذا الصراع إلا إذا تسلح بإرادة قوية.

ثالثاً: لا بد من الطموح الدائم، حيث إن الطموح يزرع في الإنسان الجد والمثابرة.

رابعاً: لا بد من النشاط المتواصل، وهو عبارة عن الجهد المستمر الذي يبذله الشخص لإنجاز أعماله وتحقيق أهدافه في الحياة، وقبل ذلك وبعده لا بد من التوكل على الله عز وجل، فإنه من توكل على الله كفاه.

قواعد النجاح سبع نقاط:

1- تحديد الهدف في الحياة.

2- تعرف الإنسان على شخصيته.

3- عدم التفريط في الوقت.

4- الاستفادة من تجارب الآخرين.

5- البعد عن الإسراف.

6- مقاومة التعب.

7- التأكيد على أن يكون الإنسان متفائلاً حتى في أحلك الظروف.

- لماذا أنا هكذا؟

- تتبادر إلى الذهن أحياناً أسئلة كثيرة:

- لماذا أنا هكذا في حياتي؟

- لماذا لم أنجح في الاختبار؟

- لماذا أشعر بالملل من حياتي؟

- لماذا يكرهني الأصدقاء؟

- لماذا تخلى عني شريك حياتي؟

- لماذا ملَّني والدي وأساء معاملتي؟

قد تكون هناك إجابات، وقد لا تكون، ربما تكون مثل هذه الأسئلة في الغالب هي نوع من البرمجة السلبية التي تعود الإنسان عليها، وأصبح يعتقد هذا الأمر خلاف ما هو عليه في الواقع.

السعادة والصحة النفسية

خامس عشر: السعادة والصحة النفسية.

إن الصحة النفسية من الأشياء التي ينشدها الناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها؛ لأهميتها في حياة الفرد والجماعة التي لا تستغني عنها بحال من الأحوال، ولذلك نلاحظ تزايد عدد المؤسسات والعيادات النفسية التي تقوم على علاج الاضطرابات النفسية -مثلاً- يوماً بعد يوم، وخاصة في المجتمعات الغربية التي من أهم مظاهرها زيادة حالات الانتحار الفردي والجماعي، والتي تتناسب تناسباً طردياً مع الرفاهية ومستوى دخل الفرد، هذه الظاهرة تدل على اليأس من الحياة، وعدم القدرة على الوصول للصحة النفسية.

إن تحقيق السعادة والصحة النفسية يكبر في اتباع منهج خالٍ من التناقضات، يركز على الجانب الإيماني الذي به يكسب الإنسان حقيقته، فأنت بالروح لا بالجسم إنسان، ولا منهج إلا منهج الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123]، منهج الكتاب والسنة وما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

فلا بد أن يأخذ الإنسان بسيرتهم ويقتدي بهم، فإن له بهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً.

السعادة والتوقع

سادس عشر: السعادة والتوقع.

إن ما يتوقعه الإنسان يصبح سبباً نحو التحقق، فإذا توقع المرء توقعاً معيناً فسوف يكون ناجحاً، فإن التوقع يسهم كثيراً في نجاحه؛ لأنه يحدث نفسه بهذا النجاح، إنه من الممكن أن نتوقع أحسن الأشياء لأنفسنا رغم الظروف السيئة، ولكن الواقع المدهش هو أننا حين نتوقع شيئاً جيداً فإننا غالباً ما نجده، والأشخاص التعساء يركزون غالباً على الفشل وعلى نقاط الضعف فيهم، أما السعداء فهم يركزون على نقاط القوة وقدرتهم على الابتكار، فمهما كانت التوقعات فإن الإنسان سوف يصل إليها.

السعادة والاسترخاء

سابع عشر: السعادة والاسترخاء.

- إن الحماسة والقوة والرغبة في العمل لا تتعارض أبداً مع الأعصاب الباردة.

- إن العمل المستمر دون انقطاع هو عبارة عن انتحار بطيء، فامنح نفسك قسطاً من المتعة وهدوء البال، والحيوية والاسترخاء، لا سيما في أوقات خلوتك بنفسك، وفكر دوماً بالأمور الإيجابية في حياتك، والأشياء التي تملكها وليست موجودة عند غيرك.

- لا توتر نفسك -مثلاً- بمشكلات الدراسة أو مشكلات العمل، واعتبرها جزءاً من الحياة، ولا تلتفت أبداً إلى الطعنات التي تأتيك من الخلف، وإلى مضايقات الآخرين، وتقبَّل الأمور على ما هي؛ لأن شيئاً لن يتغير فأنت لا تستطيع أن تربي الآخرين أو تغير سلوكهم، لكنك تستطيع أن تربي نفسك وأن تغير سلوكك.

- إذا كان جدول أعمالك مزدحماً فلا تقلق نفسك، ولا تتوتر، ففي النهاية أنت لم تنجز إلا ما يتسع له الوقت، ومن الأفضل أن تنفذ هذه الأشياء بنفسية جيدة لتتمتع بقدر من السعادة والرضا.

- كن متفائلاً، وتعلم كيف تسلم ببعض الأشياء التي جبلت عليها، وليس هناك أسلوب حياة أو عمل أو أسرة يخلو من المشكلات.

لا تنظر إلى تجاربك الفاشلة الماضية بحزن أو تشاؤم، واجعل الفشل الذي عانيته بالأمس ذريعة ودافعاً لاستمرار الوصول إلى الفلاح.

إن الأشخاص الذين يأسرون أنفسهم في تجاربهم الفاشلة الماضية لا يمكن أن يكونوا سعداء أبداً، وتذكر الحكمة التي تقول: إن القرار السليم يأتي دائماً بعد الخبرة التي حصلت عليها من القرار السيئ.

- عندما تقابل شخصاً أو صديقاً مقرباً، قل له نكتة، أو اطلب منه أن يقول هو ذلك، فالابتسامة والضحك المعتدل يولِّد بداخلنا نوعاً من البهجة والسعادة، ولا تجعل المستقبل مصدر قلقٍ لك، فإن هذا القلق سوف يسلبك السعادة.

- كن جريئاً في قراراتك دون تهور أو اندفاع، وكما تقول الحكمة: الحياة هي المغامرة ذات المخاطر، أو هي لا شيء على الإطلاق.

- لا تلتفت لصغائر الأمور اليومية، فهي لا تحتل الجزء الأكبر من تفكيرك، ولا تدعك تستمع بمباهج الحياة.

- اجعل أحد مصادر سعادتك مساعدة الآخرين، شخص محتاج، أو البسمة في وجه طفل، أو أسعد والديك.

أخيراً: قِوِ صلتك بالله عز وجل، وليكن إيمانك بالقَدِرَ باعثاً لك على راحتك النفسية، واعلم أن الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس : (أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك)

- ساعة واحدة من الاسترخاء تعني نصف ساعة من النوم، وأعطِ نفسك قدراً جيداً من النوم من سبع إلى تسع ساعات يومياً -وإن كان هذا يختلف بحسب السن- إن الحرمان من النوم يجعل الجسم مغلوباً على أمره، وعلامة أخذ الإنسان أو الجسد نصيبه أن يستيقظ نشيطاً متجدد القوى.

كيف تستطيع أن تحسن نومك؟

حدد وقت الذهاب إلى الفراش، واجعل الفراش مريحاً ومخصصاً للنوم.

تأكد أن غرفة النوم هادئة ومعتمة.

تحرك جيداً في النهار، وكُلْ بشكل صحيح ومعتدل: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31].

إذا لم يأت النوم فلا تستعجله، وقم ومارس أي عمل مناسب واستفد من وقتك.

هناك تجربة شخصية: إذا لم يأتك النوم وطال بك السهاد فانهمك في ذكر الله عز وجل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ لأنك حينئذٍ سوف تجعل الشيطان بين أمرين أحلاهما مر: إما أن يدهدهك ويهدئك حتى تنام؛ ليحرمك من الذكر، أو أن تصحو وتظل ذاكراً لله عز وجل فيزداد رصيدك من الحسنات والأعمال الصالحة. إنها تجربة عرفها الكثيرون منه وخبروها.

السعادة والهدف

ثامن عشر: السعادة والهدف.

لا بد للحياة من هدف، فما هذا الهدف؟ طرفة بن العبد شاعر جاهلي يقول:

ألا أيها الزاجري أحضر الـوغى>>>>>وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

فإن كنت لا تستطع دفـع منيتي>>>>>فدعني أبادرها بما ملكت يدي

ولولا ثلاثٌ هـنَّ من عيشة الفتى>>>>>وجدك لم أحفل متى قام عُوّدي

فمنهنَّ سبقي الـعاذلات بشربةٍ>>>>>كُميتٍ متى تغل بالماء تزبد

وما زال تشرابي الخمـور ولذتي>>>>>وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي

إلى أن تحامتني العشيرة كلها>>>>>وأفردت إفراد البعير المعبَّدِ

وكـرِّي إذا نادى المضافُ مجنِّباً>>>>>كسْيِدِ الغضا نبهته المتورِّدِ

وتقصير يوم الدجن والدجن معجِبُ>>>>>ببهكنةٍ تحت الخباء المعمَّدِ

إذاً هو يلخص هدفه بثلاثة أشياء:

الخمر، والكرَّ، واللقاء والوصال الجنسي مع من يحب.

عمر بن عبد العزيز رحمه الله سمع هذه الأبيات فقال: [وأنا والله لولا ثلاثٌ لم أحفل متى قام عودي: -وهنا انظر إلى الفرق- لولا أن أعدل في الرعية، وأقسم بالسوية، وأسير في السرية] وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: [مثل هذا وقع الحافر على الحافر].

قيل لعاشق: ما السرور؟

قال: لقاءٌ يشفي من الفرقة، واعتناقٌ يداوي من الحرقة.

وقيل لعالم: ما السرور؟

قال: إدراك الحقيقة، واستنباط المعاني الدقيقة.

وقيل لفتاة: ما السرور؟

قالت: زوجٌ يملأ قلبي جلالاً، ويملأ عيني جمالاً.

كثير من الناس يكبتون غرائزهم وعواطفهم وفطرهم التي يعتقدون أنها لا تساعدهم على تحقيق الأهداف، فلا يبلغ الواحد منهم الهدف الذي يسعى إليه: منصباً كان، أو تجارةً، أو جاهاً، إلا وقد دفع الثمن غالياً.

على سبيل المثال: الذي يريد أن يكون غنياً، يضحي من أجل المال بصحته، وبعلاقاته الشخصية مع أقاربه.. مع زملائه.. مع أصدقائه، فإذا وصل إلى ما يريد وحقق الهدف وجد نفسه قد فقد لذة الحياة، وشعر بالبؤس، وصارت متعته الوحيدة هو أن يتكلم عن عبقريته الماضية في جمع المال، وعن تاريخه، وإنجازه.

وهكذا الذي يسعى أن يظهر باحترام الناس، ولا يتعرض لنقدهم، كثيراً ما يعيش شقياً بائساً، والسعي وراء الظهور والشهرة ربما يكون من أكبر العقبات في سبيل السعادة إذا تعارضت مع الغرائز الفطرية، أن تعيش سعيداً مع زوجتك، وأطفالك، وجيرانك، بل ومع نفسك، فإن هذا هو العمل العظيم.

قال عبد الملك بن مروان يوماً لأعرابي: ماذا تتمنى؟

قال: العافية والخمول -وهو يعني بالخمول عدم الشهرة- فإني -يقول الأعرابي- رأيت الشر أسرع شيء إلى ذوي النباهة.

فقال له عبد الملك بن مروان : والله ليتني كنت سمعت هذه الحكمة قبل أن أصل إلى الخلافة.

ونحن لا ندري هل كان عبد الملك بن مروان صادقاً جاداً في ذلك، بمعنى: أنه وصل إلى مبتغاه فهان عليه، وأدرك أنه لا يستحق المخاطرة، أم أنها كلمة قالها لتوقيف المجلس.

إن الجميع يعرفون -على سبيل المثال- قصة مارلين مونرو وانتحارها ووصيتها لبنات جنسها: احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء، إني أشهر امرأة في الوجود، ومع ذلك فأنا أتعس امرأة في الوجود إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة.

السعادة والأطفال

تاسع عشر: السعادة والأطفال.

دع أطفالك يسعدون، وامنحهم حرية الاختيار في القرارات التي تهمهم، وعودهم على احترام وتقدير آرائهم.

نمِّ في أطفالك العلاقات الطيبة مع الآخرين، ودربهم على بنائها وعلى المحافظة عليها.

قوِّم دوافعك إلى التدليل ليتعود الأطفال أن السعادة لا تأتي من خلال إمطارهم بالأعطيات والهبات والأموال واللعب، وأعطهم بقدر، فلقد تبين من خلال دراسة عملية ميدانية أن أسعد الأطفال هم من يحصلون على قدر معتدل من الحاجات الضرورية، أما أولئك المدللون فهم بعيدون عن السعادة؛ لأنهم تربوا على الحصول عليها بسهولة، ولأنهم ظنوا أن السعادة تتحقق من خلال هذه الأشياء.

خرج أبو بكر وعلي رضي الله عنهما فرأيا الحسن يلعب مع الصبيان فحمله أبو بكر على عاتقه وهو يقول: [بأبي شبيهٌ بالنبي ليس شبيهاً بـعلي ، وعلي رضي الله عنه يضحك] كما في صحيح البخاري .

علِّم أولادك الاهتمامات المتنوعة؛ لئلا يقتصر على أمرٍ واحد، فلو أخفق فيه تحطم مستقبله، وعلِّمهم مهارة التكيف مع الظروف المختلفة.

وفِّر لأولادك بيتاً سعيداً وراحةً وأنساً، وكونوا سعداء من أجل أطفالكم.

إن الأطفال هم زينة الحياة الدنيا، والبيت الذي يقهقه فيه الطفل فإن السعادة تعتريه من كل جانب، ولهذا ماذا تقول الأم وهي تشعر لأول مرة أن صبياً أو فتاةً في بطنها ترجفها بقدميها:

إذا ما تكورت في داخلي>>>>>وأثقلت جسماً خفيفاً خلي

وصرت تُلملمِ روح الحياة>>>>>ولم يبق شيء سوى الآه لي

عرفت بأني نديم السهاد>>>>>وليلي طويل ولن ينجلي

وبت أقلب فكر التمني>>>>>سأحضى بليلى ترى أم علي

ولما توالت شهوري الطوال>>>>>وقاربت هولاً به مأملي

ذبلت ذبول غصون الخريف>>>>>ومن تك مثلي ولم تذبل

وقد راودتني شتى الظنون>>>>>بعاق سأرزق أم بولي

إلهي أثبني بنجلٍ كـريم>>>>>وأكرمني في بكري الأول

وحين تزمجر ريح المخاض>>>>>تلاطم أمواجها مركبي

شعرت بنوباتٍ شبه الجنون>>>>>وموجات قهرٍ تغلغن بي

وطافت ملائك ربٍ غفور>>>>>ورددن قولك لي: جربي

نظرت إليه كمن راقـه>>>>>هلال يشكل وجه الصبي

وأيقظني من سبات عميق>>>>>ملاك يغرد في جانبي

فكـن لي معيناً إذا ما الصروف>>>>>رمتني بسهم على منكبي

السعادة والسجن

عشرون: السعادة والسجن.

يظن الكثيرون أن السجناء لا يجدون طعم السعادة؛ لأنهم مقيدون، بينما الواقع أن السجناء في كثيرٍ من الأحيان هم أكثر حرية من الآخرين؛ لأنهم أحرار في وقتهم، لا أحد يدخل عليهم إلا بإذنهم وإرادتهم، وهم يتصرفون بأربع وعشرين ساعة يومياً كما يحلو لهم، وكما يريدون. وهذه قمة السعادة.

يقول ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب : سمعت ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة, ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، حيثما ذهبت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

وكان محبوساً في القلعة ويقول: لو بذلتم ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة.

وقال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي من الخير.

وكان يقول وهو في سجوده في الحبس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك.

وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.

ولما دخل سجن القلعة وكان بداخله ونظر إلى السور قال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13].

يقول ابن القيم رحمه الله: وعلم الله ما رأيت أطيب عيشاً منه مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية، وضد النعيم، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاب، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاًَ، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم من وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف ذهبنا إليه، وإذا ساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض بما رحبت، أتينا إليه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله وينقلب إلى انفساح وانشراح وسرور وقرة عين.

السعادة والقلق

واحد وعشرون: السعادة والقلق.

القلق جزءٌ أساسيٌ في حياتنا، وقدر من القلق ضروري للحاضر والمستقبل، لكن بحدود، بحيث لا ينتهي الأمر إلى أن تحس بالتعاسة.

بعض الناس يهرب من القلق عن طريق عدم مواجهة الحقيقة، والنتيجة أنه هرب إلى الحقيقة وأصبح أقرب وأقرب من القلق.

الآن وأنت في بداية عطلة يجب أن تحاول التخلص من القلق بطريقة عملية:

أولاً: لا تطلب من نفسك أشياء فوق قدرتها، ولهذا يقال: قيل لأعرابي كان عنده أمة: يا أعرابي هل تتمنى أن تذهب عنك هذه الأمة، وأن تلي الخلافة؟

قال: لا والله.

قالوا له: ولم؟

قال: لأني أخشى أن تضيع الأَمة وأن تضيع الأُمة. فرحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

ثانياً: انظر إلى نفسك بعين الرضا، مع محاولة الإصلاح والتدارك.

ثالثاً: تذكر أن صحتك أحسن من صحة الآخرين.

رابعاً: استمتع بالنجاح.

خامساً: لا تحقد على أحدٍ على خيرٍ ناله من الله عز وجل: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

لا تحزن الفتاة من زميلتها التي تزوجت، ولا تحزن الزوجة من زوجة أخرى تعيش مع غني أو وجيه، ولا تبكي المطلقة كلما قابلت زوجة سعيدة.

تنفس واملأ رئتيك بالهواء وقل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف:43] إني في حالة جيدة، وأقنع نفسك أن اليوم أحسن من الأمس، وأن الغد أفضل من اليوم.

بودادي عليك هـوِّن عليك الـ>>>>>أمر لا بد من زوال المصاب

سوف يصفو لك الـزمان وتـ>>>>>أتيك ضعون الأحبة الغُيَّاب

وليالي الأحزان ترحل فالـ>>>>>أحزان مثل المسافر الجوَّاب

وإذا كان القلق يتعلق بما قد يصعب عليك تحقيق مصدره أو تحديد جهته، فهناك هموم المستقبل ومخاوفه وهي كثيرة.

إن من السعادة التخلص من المخاوف والهموم، وقد ذكر ابن حزم رحمه الله أنه نظر إلى الخلق كلهم، مسلمهم وكافرهم، غنيِّهم وفقيرهم، على اختلاف مللهم ومذاهبهم، قال: فوجدتهم جميعاً متفقين على مطلب واحد وهو طرد الهموم عنهم، ثم نظرت فوجدت أنه لا يطرد الهموم شيء كالإيمان بالله عز وجل، والتوكل عليه، والسجود له، والوقوع في الإخبات والانكسار بين يديه.

إن المخاوف كثيرة، والأمان هو في التوكل على الله عز وجل، والرضا بقدره، والخوف من وقوع الكارثة هو بحد ذاته كارثة، والخوف من الشيء أحياناً يكون أشد من وقوعه، وكما يقول المتنبي :

كل ما لم يكن من الصعب في الـ>>>>>أنفس سهل فيها إذا هو كانا

فلا تخف ولا تحزن، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] لا تخافوا مما أمامكم، ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم:

دع المقادير تجري في أعِنَّتِها>>>>>ولا تبيتن إلا خالي البال

ما بين غمضة عينٍ وانتباهتها>>>>>يغير الله من حالٍ إلى حال

قد لا تستطيع طيور الهم أن تحلِّق فوق رأسك، لكن امنعها أن تعشش في داخله:

قـد عشت في الدهر أطواراً على طرقٍ>>>>>شتى وجربت منها اللين والفظعا

كلاً بلوت فلا النعمـاء تبطرني>>>>>ولا تخشعت من لأوائها جزعا

لا يملأ الأمر صدري قبل مـوقعه>>>>>ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا

يقول ابن الجوزي رحمه الله: ضاق بي أمر أوجب غماً لازماً، وهماً دائماً، وقد أخذت أبالغ في الفكر للخلاص من هذا الأمر بكل حيلةٍ وبكل وجه، فما رأيت طريقاً للخلاص فعرضت لي هذه الآية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2] فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل همٍ وغم، قال: فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى، فوجدت المخرج.

فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله عز وجل وامتثال أمره، وليعلم أن الله كافيه فلا يعلق قلبه بالأسباب، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].

السعادة والإدمان

اثنان وعشرون: السعادة والإدمان.

الإدمان: هو ابتهاج مؤقت، ونوع من التخيل والوهن، أو محاولة نسيان الواقع ومشكلاته، إنه خطر يهدد جمال المرأة وعفتها، ويهدد قوة الرجل وشهامته وشيمته وغيرته، لم يعد هناك فرق بين الذكر والأنثى، فالإدمان أصبح داءً يهدد الجميع.

يبدأ أحياناً بصورةٍ مألوفة: كالإدمان على مشاهدة التلفاز، أو الأفلام، أو لعب الورق، أو غيرها، أو مشاهدة المواقع الإلكترونية، أو بعض الألعاب عبر الكمبيوتر، ولكن ثمة صور أخرى: كإدمان التدخين مثلاً، أو الخمور والمخدرات، أو العقاقير المهدئة، أو عقاقير الهلوسة، أو غيرها، وكان في الماضي يظن أن هذا خاص بالرجال، وأنه مرض ذكوري حتى تمَّ اكتشاف أن مثل هذا الأمر يلعب بالجنسين معاً، ولا يفرق بين غني وفقير، أو مثقف وجاهل، أو مراهق وكبير، أو ذكر وأنثى.

عند البنات -مثلاً- في كثير من المدن موضوع إدمان الشيشة في بعض الطبقات، وفي أماكن سياحية كالفنادق و(الكفتيريات)، وأصبح هذا الأمر كأنه تعبير عن نوع من التحرر على الرغم من شدة ضررها على الصحة كما هو معروف ومقرر.

الإدمان على الحشيش مثلاً فخلال تقرير أو إحصائية استطلاع أجريت في مصر على خمسمائة متعاطي، تبين أن (77%) من الذين يتعاطون الحشيش هو بسبب مجاراة الأصحاب وتقليد الأصدقاء، والحصول على ما يسمى بالفرفشة، بينما (25%) يتعاطونه لأسباب ودوافع جنسية، ظناً منهم أنه يقوي الدافع والممارسة الجنسية.

طالبة في الجامعة ذات جمال فتان، أفسدها الإدمان، ثم تزوجت واحتالت حتى أوقعت زوجها في الإدمان، وشكلا شبكة لتوزيع المخدرات على طلاب الجامعة، قبل أن يتم القبض عليهما وإيداعهما السجن ثم المصحة النفسية.

أخرى كانت عاملةً في الطيران ذات جمال وثقافة، تجيد أربع لغات، وقعت في الإدمان وتدهورت حالتها، وطلقت من زوجها لتتدرج وتصبح عضواً بل مديراً لشبكة بغاء قبل أن تقع في أيدي أجهزة الأمن.

طالبة عمرها سبعة عشر عاماً يغمى عليها، فتذهب للمستشفى خوفاً من أن يكون ثمة جلطة، مع أن احتمال الجلطة ضعيف في مثل هذا السن، ويتبين أنها تناولت جرعة كبيرة من الهروين.

سبب الإدمان:

أولاً: التفكك الأسري بسبب غياب الأب مثلاً، أو الطلاق، أو الانشغال، أو ما أشبه ذلك.

ثانياً: التقليد لأصدقاء السوء (الشلة) الذي يحاول الفتى أو الفتاة تقليدهم والسير على منوالهم.

ثالثاً: الإحباط واليأس الناتج عن شعور الفتاة -مثلاً- بأنه غير مرغوب فيها إما لشكلها، أو لوضعها الاجتماعي، أو التعليمي، أو شعور الفتى بأنه كمٌ مهمل وليس له قيمة.

الذكاء والسعادة

ثلاث وعشرون: الذكاء والسعادة.

أسفرت دراسة علمية على أن الأذكياء أقل سعادة من غيرهم؛ وربما ذلك لأنهم أرهف إحساساً، وأقلُّ رضاً وقناعة، وأبطأ شفاءً من غيرهم، ويذكر الدكتور ديل كرنيجي صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة عن أحد كبار الأطباء أن مريضة تحول زواجها إلى مأساة، كانت تنشد الحب، والارتواء الجنسي، والأطفال، والمركز الاجتماعي، لكن زوجها لم يحبها، ولم تنجب أطفالاً فأصيبت بالجنون، وأصبحت تتصور باستمرار أنها طلقت من زوجها، وتزوجت من أحد النبلاء، وتتخيل في كل ليلة أنها تنجب مولوداً جديداً، وفي كل مرة يزورها الدكتور كانت تقول: يا دكتور! هل علمت أني البارحة قد أنجبت مولوداً جديداً.

يقول كرنيجي : إن في وسع الواحد منهم -يعني: المجانين- أن يمنحك شيكاً بمليار دولار، أو يعطيك خطاب توصية لـجنكيز خان . أحياناً ربما يضر الإنسان عقله.

السعادة والسكينة النفسية

أربع وعشرون: السعادة والسكينة النفسية.

إن السكينة النفسية ينبوع السعادة، وهي روح من الله، ونور يسكن إليه الخائف، ويطمئن عنده القلق، ويتسلى به الحزين، وغير المؤمن تتوزعه في الدنيا هموم كثيرة، وغايات شتى، وهو حائر بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء مجتمعه الذي يحرص عليه ويسعى فيه، ولذلك قال الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً [طه:124].

إن من أهم عوامل القلق: التحسر على الماضي، والسخط على الحاضر، والخوف من المستقبل، ولهذا ينصح الأطباء بأن ينسى الإنسان آلام أمسه، وأن يعيش واقع يومه، فإن الماضي لا يعود. وقد صوَّر هذا أحد المحاضرين بالجامعة الأمريكية تصويراً بديعاً حين سأل طلابه وقال لهم: كم منكم مارس نشر الخشب؟

فرفع كثير من الطلبة أصابعهم وقالوا: كلنا مارسنا نشر الخشب.

فقال لهم سؤال آخر: كم منكم مارس نشر نشارة الخشب؟

فلم يرفع أحد منهم يده.

قال: نعم لأن نشارة الخشب منشورة فهي لا تنشر مرة أخرى، وهكذا الشيء الذي مضى من أراد أن يستعيده فإنه يمارس نشر نشارة الخشب.

هناك الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي والتي قد يكون الله تعالى سامحك عنها، ولكن نفسك وضميرك العصبي وجهازك لا يزال يعدها ويحصيها عليك، فهذه الأخطاء هي سوس السعادة الذي يجعل الروح تتألم كما يتألم الضرس. ولهذا يجب أن يلجأ المرء دائماً وأبداً إلى الاستغفار، والثقة بعفو الله عز وجل، وأن يعوض بالأعمال الصالحة التي تهدئ من ثورة الضمير ومن توتر الجهاز العصبي.

كثير من الشباب والفتيات -مثلاً- يعانون من العادة السرية، فيلجئون إليها تحت ضغط الشهوة والحاجة، ثم بعد ذلك تنتابهم حالات من الهم والندم والحزن، ربما تأثر فيهم وتبعدهم عن الطريق المستقيم.

السعادة والسفر

خمس وعشرون: السعادة والسفر.

السفر له فوائد كثيرة، كما يقول الشافعي :

تغرب عن الأوطان في طلب العلى>>>>>وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج همٍ، واكتساب معيشةٍ>>>>>وعلم، وآداب، وصحبة ماجد

فـالشافعي رحمه الله عدَّ هذه الفوائد الخمس، وهناك غيرها كثير حتى ذكر الثعالبي مثلاً: أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار ما يزيده علماً بقدرة الله عز وجل، وغير ذلك من الآثار المعروفة المشهودة.

وإذا كانت هذه بعض المزايا فإن ثمة في السفر عيوباً وأضراراً؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب) من ذلك مثلاً:

أولاً: الحرمان أحياناً من لذة الطعام والشراب والنوم والأهل والأحباب والانقطاع عنهم؛ مما يهيج الشوق والحنين إليهم، فلا يقر للمسافر قرار ولا يجد في قلبه الراحة أحياناً.

ثانياً: أنه قد يظهر مساوئ الأخلاق لبعض الناس، ولهذا قيل: إن السفر يسفر عن أخلاق الرجال.

ثالثاً: أن الأمور تختلط على المسافر؛ فقد يظن الصديق عدواً، أو العدو صديقاً.

رابعاً: كثرة النفقات والتكاليف التي تشق على الإنسان وترهقه مادياً كالإنفاق على وسائل المواصلات والسكن والفنادق، والأكل والشرب، والبضائع وغير ذلك.

خامساً: الذل في الغربة، فإن المغترب ربما لجأ إلى الذل وصار ذليلاً.

إضافة إلى مخاطر السفر، سواء كانت في الجو، أو البر، أو البحر، والحوادث التي يتعرض لها الناس يموت بسببها من الناس من لا يموتون في المعارك والحروب من حيث العدد.

ومع ذلك فإن في السفر تجديداً للحياة والخلايا والأنسجة، وإزالة لبعض الملل والسأم الذي يعتري الإنسان.

السعادة والجمال

ست وعشرون: السعادة والجمال.

اتضح لبعض الباحثين أن خصال الوسامة والجمال أوفر حظاً في الإنسان، وأكثر تكيفاً وسعادةً، خصوصاً في مجال المرأة، فأولئك النسوة اللاتي يشعرن بالجمال والوسامة هن أقرب إلى تحقيق السعادة.

إن الجمال الطبيعي هو التمتع بجاذبية غامضة فاتنة ليس لها تفسير أو تحديد تظهر في كامل مظهرنا، أو تصرفاتنا، أو أحاسيسنا.

إن الجمال الطبيعي ليس هو فقط بوضع أحمر الشفاه الجميل على الشفتين؛ لجعلها جذابة ومثيرة، ولا بوضع ما يسمى (بالمسكرة) الداكنة على أهدابنا؛ لتبدو العيون بهيةً ومغرية، ولا بإظهار البشرة الناعمة المصبوغة من تأثير الشمس والتي يرغب فيها الجميع إلى أقصى الحدود، إن امتلاك الجمال الطبيعي يعني -ببساطة- أن تكون إنساناً على كافة المستويات، أعني أنه عندما نقول: هذا الإنسان يمتلك الجمال الطبيعي أو أنه جميل، فإنه يمتلك تلك الموهبة الخاصة بكونه جميلاً من الداخل، جميلاً من الروح، ينعكس الجمال على مظهره الخارجي، وعلى رغم أن عدداً قليلاً فقط من البشر يولدون مع هذه الهبة الإلهية، إلا أن كثيراً من الناس يستطيعون أن يتدربوا على اكتساب معاني الجمال الداخلي والتمتع بهذه النعمة.

إن الجمال الطبيعي هو الشعور الرائع الذي يشع من داخلنا، وينعكس على مظهرنا الخارجي، أي: أن الوجه والشعر والعينين واليدين والجسم والحركات، وردَّات الفعل الخارجية، وردَّات الحواس هي انعكاس لذلك الجمال الطبيعي، وهو الشعور بأنك على أحسن حال، وعلى مستوىً أعمق بكثير من سطح البشرة، إنه يضم جميع المشاعر الطيبة والرائعة الناتجة عن امتلاك ذهن صافٍ، والشعور بسلام داخلي، والإحساس بغاية سامية، ما هي إذاً الحلول والإيجابات الخاصة بالبحث عن هذا الجمال، وكيف الحصول عليه؟

إن الإجابة الوحيدة الأكثر فعالية هي الوصول إلى عمق المشكلة والبدء من هناك، وهذا يعني الاعتناء جيداً بصحة الفرد الإيمانية النفسية الداخلية قبل محاولة الاعتناء بالبشرة على المستوى السطحي.

إن المحافظة على صحة الأعضاء الداخلية؛ القلوب والنفوس والعقول يصبح أفضل ضمان للبشر لتعكس حالة التوازن والإشعاع والنضارة والنعومة والإشراق والجمال والشباب.

السعادة والصداقة

سبع وعشرون: السعادة والصداقة.

من الصعوبة أن تعطي تعريفاً للصداقة، ولكن الصداقة تعني في كثير من الأحيان أن الإنسان يبقى في جسدين بروح واحدة، تعني: الاتحاد الكامل بين القلوب، وهي اللقاء بين أشخاص منجذبين الواحد تجاه الآخر، وهذه الصداقة تكبر بالثقة والتعامل يوماً بعد يوم، وهم أشخاص أحرار في أن ينفصلوا ولكنهم يؤثرون أن يبقوا أصدقاء تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه.

وهنا يمكن أن نجدد القول ونقول: إن الصداقة والعلاقة الحميمة التي تربط بين شخصين متماسكين يسعيان سوياً إلى عيش المحبة والثقة، هذه الصداقة، وهذه الكلمة الجذابة التي ينشدها كل إنسان، هي ما يحقق لك السعادة، إنها ترتكز على أساس الحب والحرية، لا يقدر أحد أن يفرض عليَّ صديقاً لا أريده، ولكن أختار الصداقة بمحض إرادتي وحريتي واختياري وفق الشروط الشرعية، فالصديق الذي ينفعني وأنفعه، بهذا يتولد الشعور بالإنسانية.

الصداقة تتطلب المساواة في التعامل، بحيث يتعدى ويتجاوز الوضع المادي أو الطبقة الاجتماعية، وهي تعني: الاحترام والثقة المتبادلة، وتعني: الحوار والتفاهم الدائم بين الأصدقاء، وتعني الانفتاح بمعنى أنه لا أمتلك صديقي وأمنعه من أن يتصل بالآخرين، أو يمتلكني ويمنعني من أن أتصل بالآخرين، وتبنى على التفاني وبذل الذات من أجل صديق.

الصداقة ليست ابتهاجاً عادياً مؤقتاً، وإنما هي تكامل دائم.

السعادة والرياضة

ثامن وعشرون: السعادة والرياضة.

لقد أثبتت وأسفرت البحوث المستفيضة عن أن ممارسة التمارين الرياضية بانتظام تزيد من شعور المرء بالسعادة، وتساعد على مكافحة التوترات العصبية والمضايقات، فهي تعتبر من الأساسيات المهمة في حياتنا، ولكن الكثيرين يغفلون فائدتها؛ إما بحجة أنه ليس لديهم وقت لممارسة الرياضة -مثلاً- أو لأن تأثير الرياضة وفائدتها للجسم لا يتأتى في وقتٍ قصير، وإنما يحتاج إلى فترة معينة، ربما أسبوع على الأقل لتبدأ النتائج، وشهور حتى يحصل على نتائج أفضل، وبكل حال فإنها مهمة لكل فئات المجتمع؛ للشباب والفتيات، والحوامل والمرضعات، والشيوخ والكهول، بل والمعوقين وغيرهم، ولها فوائد كثيرة:

فهي تساعد على الحفاظ على الوزن، وتكون -بإذن الله- سبباً في الامتناع عن كثير من الأمراض؛ كأمراض ضغط الدم والقلب، وتقوي عضلات الجسم، وتخفف من مشاكل أمراض المفاصل، إضافة إلى أنها تخفف كثيراً من المشاكل النفسية، فأي الرياضة يمكن أن نمارس؟

ليس هناك أجهزة خاصة للرياضة بالضرورة، أو أماكن مخصصة لممارستها، يمكن ممارسة الرياضة بالبيت مثلاً دون الحاجة إلى أجهزة، فطلوع السلَّم عدة مرات تعتبر رياضة، والجري في المكان رياضة، وممارسة الأعمال البيتية رياضة، لذلك السباحة، أو نط الحبل، والمشي بسرعة، وركوب الدراجة، إلى غير ذلك.

وعند ممارسة الرياضة يجب أن تعرف أنه لا يوجد نوع خاص نقول: إنه أفضل من غيره، بل بحسب ما يتاح لك يمكن أن تمارس من الرياضة.

عليك أن تجعل لك ما بين عشرين إلى ثلاثين دقيقة يومياً مخصصة للرياضة.

السعادة والملل

تاسع وعشرون: السعادة والملل.

لماذا يفضي الملل إلى زوال السعادة ويقضي على جذورها؟

ما هي الأساليب التي يمكن من خلالها التغلب على الملل؟!

إن الملل يسيطر على حياتنا فيولد الكآبة؛ نتيجة أسلوب حياتنا الروتيني المُمل، ونتيجة نظرنا إلى ما حولنا بتكرار وبطريقة معتادة تماماً، فالله تعالى حين خلق الحياة خلق فيها تنويعاً: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49] .. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ [النحل:69] .. صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ [الرعد:4] .. مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ [الأنعام:99] .. وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22].

إذاً: نحن نلاحظ في خلق الله عز وجل في الكون وفي الحياة والناس من حولنا كثيراً من التنوع الذي ينبغي أن نأخذ منه أن على الإنسان حتى يقضي على الملل أن يسعى في التنويع: التنويع مثلاً في القراءة.. التنويع في العلاقة بين الزوجين.. التنويع في الملبس.. التنويع في السفر.. التنويع في كل الأشياء التي من شأنها أن تضفي قدراً جديداً من البهجة على حياتنا.

أيها الشاكي وما بك داء>>>>>كيف تغدو إذا غدوت عليلاً

إن شر الجناة في الأرض نفس>>>>>تتوخى قبل الرحيل الرحيلا

وترى الشوك في الورود وتعمى>>>>>أن ترى فوقه الندى إكليلا

والذي نفسه بغير جمال>>>>>لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً

لا بد أن نجدد حياتنا؛ حياتنا الزوجية، وحياتنا في الصداقة، وحياتنا الدعوية، وأن ندخل عليها باستمرار ألواناً وأنماطاً جديدة كفيلة بطرد الملل، وأن تشدنا إلى هذه الأشياء من جديد.

اسأل نفسك مجموعة من الأسئلة:

ألا تشعر بمتعة لتناول الطعام في رمضان أكثر من غيره في الأيام العادية؟

ألا تستمتع برؤية الصديق إذا أبطأت عنه أكثر مما تستمتع لو كنت تراه يومياً في العمل مثلاً؟

ألا تستمتع بطعم الحياة العادية إذا حرمت منها بسبب توقف أو سجن لبضعة أيام أو غير ذلك؟

ألا تشعر بالمتعة والسعادة إذا عاد التيار الكهربائي إليك بعد انقطاع؟

من خلال هذه الأمثلة تستنتج أننا نشعر بفرحة ومتعة وسعادة إذا أعادت إلينا الظروف شيئاً حرمناه، وهذا السر من أسرار الحرمان الذي جعله الله تعالى في هذه الحياة، لكن إذا لم يأت هذا فبإمكان الإنسان أحياناً أن يحرم نفسه من بعض الأمور حتى يجد معناها ويجد طعمها وقيمتها.

السعادة والقراءة

ثلاثون: السعادة والقراءة:

عندما أقرأ كتاباً للمرة الأولى فكأنما كسبت صديقاً جديداً، لكن عندما أقرأ كتاباً سبق أن قرأته فكأنما لقيت صديقاً حميماً أحببته وعرفته منذ زمن قديم.

إن القراءة هي متعة الإبحار في عقول الناس وتجاربهم دون تحمل رعوناتهم أو قسوة أخلاقهم، والقراءة سعة في تفتح العبقريات، وتشييد عالم الثقافة والمعرفة، وقد تنتج قرَّاءً كتبيين، وقد تنتج بغبغائيين، وقد تصنع العلماء بالمعنى المبسط للكلمة، ولكنها تعجز عن توليد تلك الحالة التي إذا لم تتوافر لدى القارئ الطاقة الروحية فلا فائدة من ذلك.

إن القراءة من أعظم وسائل تحصيل العلم، وهي من أسباب زيادة الإيمان، وخصوصاً قراءة القرآن الكريم، وحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وسيرته وسير الصالحين والعلماء والمواقف الإيمانية.

المتعة أيضاً في القراءة تعكس النقطة السابقة من الملل، فإن الإنسان إذا قرأ فإنما يشعر بمتعة وهو بإمكانه أن يقرأ كتاباً في التاريخ ثم ينتقل إلى كتاباً في التفسير، ويقرأ قصة أو ديواناً من الشعر، أو كتاباً في الألغاز أو غير ذلك مما يكون سبباً في طرد الملل والسآمة، وفي نفس الوقت يشعر الإنسان أنه يكبر وينمو.

معوقات السعادة

أخيراً: ما هي معوقات السعادة؟

أولاً: الحسد.

فإن الحاسد عيونه في جنة وقلبه في نار: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، إذا رأيت أحداً أعطاه الله تعالى أو منَّ عليه فافرح كما لو كانت هذه النعمة حلت بك؛ لتكون شريكاً في هذه النعمة وفي هذه السعادة.

ثانياً: الطمع.

فإن الإنسان إذا طمع أصبح عبداً لمطامعه، ولا يقنع بشيء مهما أوتي من الأموال، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (لو أن لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).

ثالثاً: السأم والملل، كما أشرت.

رابعاً: الشعور بالإثم، أخطاؤنا وكيف نتغلب عليها ونتجاوزها.

خامساً: الشعور بالاضطهاد.

فالكثيرون لديهم أسباب السعادة، ولكنهم يحسون بأن المجتمع من حولهم لم يعطهم مواهبهم، ولم يقدر نفوسهم حق قدرها، وأنهم يلاقون من الآخرين الجحود والنكران.

نصائح عامة

أولاً: يا أخي! ثق أن أي عمل ممتاز سوف يجد في النهاية طريقه إلى النجاح طال الزمن أم قصر.

ثانياً: لا تبالغ في تقدير أهدافك الإصلاحية العامة، أو ما تعتقد أنت أنه نوع من المثالية، فإن هذه المثالية عندك لها جانب آخر يعتبر جانباً نفعياً أو جانباً شخصياً تماماً، أدركته أو لم تدركه.

ثالثاً: لا تتوقع أن يهتم الناس بك مثل اهتمامك بنفسك، وانظر إلى نفسك فإنك لن تهتم بالآخرين كما يهتمون هم بأنفسهم.

رابعاً: لا تفسر الأمور دائماً وأبداً بأن ثمة مؤامرة تدار عليك.

سل الآخرين ماذا يسعدهم، سل المتخصصين والمستشارين، واقرأ كتباً حول السعادة، فالحكماء والعلماء كتبوا عن السعادة منذ مئات السنين ضمن علم الأخلاق، أو النفس، أو الأدب، أو الفلسفة، وأرشح لك في الأخير كتاب (تجاربهم مع السعادة ) للأستاذ عبد الله الجعيثن في ثلاثة أجزاء.

الأسئلة

السعادة في القناعة والرضا بالقليل

السؤال: أنا شاب من جدة قضيت عمري في البحث عن السعادة في الدنيا ولكني والله ما وجدتها إلا عندما أخرجت الدنيا من قلبي، وأعتقد أن هذه مشكلة الشباب حب الدنيا والمتع، فأرجو أن تحدثنا عن هذه النقطة؟

الجواب: لعله مر حديث عابر أن الدنيا إنما تزيد قلب الإنسان شعثاً وتفرقاً، فإذا رضي منها بالقليل وقنع أصبح عزيزاً سعيداً بهذا القليل.

دور الشباب في تغيير الواقع المهين

السؤال: ما هو دور الشباب في ضوء هذه الفتن وهوان أمتنا؟ وكيف نرتقي بأمتنا؟

الجواب: لا شك أن دور الشباب دور كبير، وربما كان جديراً أن نقول: السعادة والشباب لكن الوقت ضاق عن ذلك، فإن الشباب هم سر الحاضر وعماد المستقبل، وعليهم أن يستشعروا هذه المسئولية، ويقوموا بالدور المنشود منهم، وأول المراحل كقصة ذلك الرجل الذي أراد أن يغير العالم، نريد من الشاب أن يغير نفسه بشكل صحيح، فالكثيرون قد يطرحون مثل هذا السؤال، لكنهم لا يملكون برنامجاً أو مشروعاً واضحاً في الإصلاح، ولذلك ربما يكون لديهم طموح شامل في تغيير واقع الأمة دون أن يملكوا الخطوة الأولى، وهذا يصنع أزمة واقعة ربما الكثير من الشباب يتجاوزون المراحل ويحرقونها، ويبتعدون عن التخطيط والنظر؛ بسبب أنهم يضعون لأنفسهم أهدافاً عظيمة جداً وهم لم يحددوا الخطوة الأولى.

فأوصي الشباب جميعاً: بأن يهتموا بالواقع، وأن يشعروا أنهم جزء من هذه الأمة، وأن يبدءوا الخطوة الأولى في سبيل الإصلاح وهو أن يكون الشاب على المستوى المنشود علماً وخلقاً وثقافةً وديناً والتزاماً، ولو أن كل شاب أصلح نفسه لوجدنا أنفسنا أمام مستو راقٍ رائع لهؤلاء الشباب.

دواء العشق المحرم

السؤال: أنا شخصياً في سن المراهقة وأريد أن أتوب، ولكني مبتلى بالحب في غير الله فكيف أتخلص من ذلك حتى أجد السعادة الحقيقية؟

الجواب: هذا الحب يا أخي ليس حباً حقيقياً، هو وهم تخيل لك وسميته حباً، وإنما هو نوع من التعلق العاطفي المؤقت، فعليك أولاً: ألا تطلق عينيك: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، وألا تخلو بمن تظن أن الشيطان يكون رسولاً بينك وبينه، بل أن تبتعد عنه، وأن تحرص على ملء وقتك وفراغك وقلبك بالنافع المفيد من الأعمال كحفظ القرآن الكريم، والمشاركة في الأنشطة الخيرية؛ في المكتبات، وفي المراكز الصيفية، وفي مثل هذه المخيمات، وفي المسابقات وغيرها، وأن تبتعد عن الأشياء التي تجرك إلى هذا المصير السيئ.

ضرورة مساعدة الأب المستطيع ابنه عند الزواج

السؤال: كيف تطالب يا شيخ بالزواج في ظل الظروف الصعبة؟ وهل هو واجب على الأب المستطيع؟

الجواب: نعم واجب على الأب المستطيع أن يزوج بنيه ولا شك في هذا، وأيضاً واجب على الشباب ألا ينتظروا مجرد أعطية من آبائهم؛ لأن الأب ولو زوجك ربما لا يكون قادراً على أن يوفر لك المسكن والنفقة الدائمة، على الشاب أن يكون عصامياً:

نفس عصام سودت عصاما>>>>>وعلمته الكر والإقداما>>>>>وجعلته فارساً هماما

عليه أن يفكر كيف يستطيع أن يبني مستقبله، عندك مثلاً في المساء بضع ساعات؛ فكر وخطط جيداً كيف تستطيع أن توظف هذه الساعات في عمل تستفيد منه خبرة ومعرفة وشخصية ودربة وعلاقة مع الناس، وفي نفس الوقت ربما يكون لك فيه مردود مادي تستفيد منه لنفسك ولزوجك، إضافة إلى الاستفادة -وإن كان هذا أمر لا أفضله، إنما ربما عند الضرورة- من الجمعيات والمؤسسات الخيرية المتخصصة في هذا المجال.

ضرورة التكيف والمرونة مع أي عمل ينقذ من البطالة

السؤال: إذا علمت زيادة البطالة في هذه الأيام والفراغ الممل فكيف تُطلب السعادة في مثل هذه الظروف؟ وما نصيحتكم للشباب العاطل؟

الجواب: والله لا شك أن البطالة مشكلة، وأن المجتمع بمؤسساته الحكومية وغير الحكومية مطالبة بأن تسعى إلى توفير العمل للشباب، في السعودية نسبة الشباب دون سن العشرين تزيد على (70%) من الشعب السعودي، وهذه نسبة عالية جداً، ومذهلة ومخيفة، إذا تخيلت ضيق حجم الفرص؛ سواء كانت فرصاً في العمل، أو الوظيفة، أو غيرها، هذه قضية على المستوى العام في المجتمع يجب أن تعالج بشكل جاد وصادق؛ لأنها قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت.

لكن أيضاً على الإنسان الشاب ألا يقف في انتظار أن يكون هناك حل جذري، عليه أن يسعى في الحل الذي يتعلق به هو بقدر ما يستطيع، كثير من الشباب -مثلاً- ربما يكون قادراً على أن يعمل مع والده، ولكنه يقول: لا أريد أن أعمل مع والدي باعتبار أو لآخر، أو يكون هذا الشاب يريد أن يكون ثمة عمل مفصل على مقاسه وقدره سواء بسواء، هذا أيضاً صعب، ينبغي أن يكون عند الشاب مرونة وقدرة على التكيف والبحث عن العمل المناسب، وإدراك أن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، ويمكن أن تحصل على النجاح إذا بدأت.

أما فكرة أنك لا تريد إلا أن تصل إلى عمل ممتاز براتب راقي، ربما يطول بك الانتظار!!

التكفير حكم شرعي لا ينبغي الحكم به إلا عن علم

السؤال: كثير من شبابنا اليوم سلكوا طريق التكفير، حتى إن بعضهم مبتدئ في الالتزام، حتى صرنا فرقاً وأحزاباً؟

الجواب: هذه مشكلة صعبة وعويصة، إنه كما أشار الأخ في سؤاله: ربما شاب حديث عهد بالتزام -نصيبه من حفظ القرآن وحفظ السنة الاطلاع- يكفر ويفسق. والتكفير مهمة أهل العلم؛ لأنه مزلق خطر، ومعرفة الأشياء التي يكفر بها والتي لا يكفر بها أمر صعب، فربما يكفِّر الإنسان بشيء هو ذنب وليس كفراً، قد يكون كفراً أصغر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم -مثلاً-: (من أبق من مواليه فهو كفر) هذا ليس كفراً مخرجاً من الملة، وقد يكفر الإنسان بشيء هو معصية وليس كفراً، وقد يكفر بشيء هو محل اجتهاد، بل قد يكفر الإنسان بشيء هو صواب، كما نجد أن هناك من يكفر بعض العلماء وأهل السنة بأقوال قالوها هي الصواب، ومع ذلك وقع نوع من البغي والعدوان في مثل هذه الأمور.

فالإنسان الحريص على نفسه ومستقبله يحفظ لسانه، فإن عفة اللسان مثل عفة اليد وعفة الفرج، بل هو من أعظم المطالب التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، ولا شك أن رمي الإنسان بالكفر مثل قتله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن المؤمن كقتله) وقال: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما).

إن على الإنسان أن يتدرب كيف يحفظ لسانه:

احفظ لسانك أيها الإنسان>>>>>لا يلدغنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه>>>>>كانت تهاب لقاءه الشجعان

محمد صلى الله عليه وسلم مات ولم يقل عن أحد ممن ادَّعى الإسلام أنه كافر، وفي عهده كان المنافقون، ووجد من قال: اعدل يا محمد. ومن قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، اللهم إلا المرتدون الذين أصروا على الخروج عن طاعة الدولة المسلمة فقاتلهم الصحابة رضي الله عنهم على ما هو معروف تفصيله.

أما الحكم على الأشخاص وعلى الأعيان فهذا له أسباب وله موانع وله عوارض, ينبغي على الإنسان ألا يدخل فيها من غير بصيرة ولا فهم.

حسن الظن والتماس الأعذار من أخلاق المسلم

السؤال: نحتاج إلى مجالسة المشايخ، لكننا لا نجدهم، حتى بالاتصال بكثير من المشايخ إما يقفل (الجوال) أو لا يرد، نعم لهم حق، لكن لنا حق أيضاً؟

الجواب: جزاك الله خيراً، والله الذي تقوله صواب، لكن الإنسان أحياناً يكون في محاضرة، فمن الضروري أن يغلق الجوال؛ لأنه لا يستطيع أن يلقي محاضرة، ويرد على الجوال في الوقت ذاته، والذي يحضر المحاضرة أو حتى يزورك لو رديت على (الجوال) وهو عندك يقول: يا أخي! الحق لي أنا، فقد أتيت من مسافة، فهذا يتصل في وقت آخر.

إذاً ينبغي علينا أن ندرك أن الإمكانيات دائماً تظل محدودة، وينبغي دائماً التماس العذر.

هنا تقع قصص كثيرة جداً لا يتسع المجال أن أذكر لكم شيئاً منها، لكنها تنم عن أنه كثيراً من الناس ربما يغلبون جانب سوء الظن ببعض طلبة العلم، أنه لم يرد عليه، أو أغلق الجوال في وجهه، أو ما أشبه ذلك، بينما تكون القضية أنه قد يكون مر بمنطقة ليس فيها إرسال مثلاً، أو حصلت مشكلة في الجهاز، أو ما أشبه ذلك، فينبغي أن يكون عندنا نوع من سعة العذر للآخرين، كما أشرنا إلى طرف من ذلك، حتى نعيش نحن في سعادة، ونحفظ علاقاتنا مع إخواننا.

حكم من يستعين بالسحرة

السؤال: فتاة لها والد دائم اللجوء إلى السحرة والاستعانة بهم في معرفة كل ما يدور حوله من خير وشر، فهو يستعين بهم ويستشيرهم ويمشي حسب توجيهاتهم، قالوا: إنه عمل، وأنا لا أتوهم كل ذلك بل هو عين الحقيقة، فهل هذا الأب كافر؟ وهل له ولاية على بناته في مسائل الزواج؟

الجواب: لا. القول بكفره كما قلنا: صعب، هذا لا يقع عليه الكفر إلا إذا حكم القاضي عليه بأنه كافر، ونزع ولايته، وإلا فالأصل بقاؤه على الإسلام وبقاء ولايته، لكن ينصح ويسلط عليه من أئمة المساجد أو جلسائه أو أقاربه أو جيرانه من يحاول أن يبين له أن مثل هذه الأشياء تذهب بدينه وعقله وماله، وربما لا يستفيد منها شيئاً.

أداء أوامر الله واجتناب نواهيه عبادة وامتثال قبل كل شيء

السؤال: كلما أردت أن أحس بالسعادة لا تأتي لا في صلاة ولا في قراءة ولا في تحفيظ، فماذا أفعل جزاك الله خيراً؟

الجواب: على كل حال أنت تصلي وتقرأ القرآن وتعبد ربك وأنت تدري أن هذا أجره في الآخرة, وثوابه في الدار الآخرة، وأما في الدنيا فالله تعالى يعطيك من ذلك ذواقة وعينة حتى يطمئن قلبك، ولا شك أن الإنسان لو ترك هذه الأشياء لشعر بما فقد، فهو ربما يصلي ويقول: لم أجد للصلاة طعماً أو سعادة، لكن فكر لو أنك تركت الصلاة كم سوف تجد من تأنيب الضمير، والشعور بالقلق والتوتر والضيق، وأن الإنسان ربما يكون ارتكب جرماً عظيماً، فعلى الأقل أن هذه الصلاة حفظك الله تعالى بها من هذه المشاعر الرديئة، وكلما زاد إيمان الإنسان وإقباله على صلاته وصدقه وسلامة قلبه، واستمر على ذلك زاد يقينه وزاد أثر العبادة فيه.

لا بد من التناصح وتذكير الإخوان

السؤال: إذا كان لديك أخ وكان لديكما معاصٍ ترتكبونها الاثنين معاً، فالتزمتما وتركتكما تلك المعاصي، وأحببته في الله ثم عاد إلى تلك المعاصي فهل تتركه؟

الجواب: لا يا أخي! لمن تتركه؟ أتتركه للشيطان ولقرناء السوء، بل عليك أن تأخذ بيده، وتسعى في إنهاضه، وتربطه بمجموعة من الصالحين حتى لا تنساق معه أيضاً، فإذا أيست منه فيمكن أن توصي به غيرك.

بعض أسباب الخشوع في الصلاة

السؤال: لدي مشكلة في الخشوع في الصلاة، فإن صلاتي غير خاشعة؛ فما العمل؟

الجواب: بإمكانك أولاً أن تبادر إلى الصلاة: توضأ لكل صلاة.. اذهب مع الأذان.. صلِّ ركعتين.. اقرأ شيئاً من القرآن.. أقبل على صلاتك.. حتى لو أخذك الشيطان في الصلاة فلم تنتبه إلا وأنت في التشهد فحاول أن تستدرك ما بقي.

الصحابة رضي الله عنهم والسعادة

السؤال: كيف نَصِفُ عدم سؤال الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم عن السعادة؟

الجواب: الصحابة رضي الله عنهم وجدوا السعادة في قلوبهم، وأحسوها ولمسوها وتذوقوها، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن كثير من معانيها، فأجابهم وأفادهم كما أشرنا إلى طرف من ذلك.

مجاهدة النفس في دفع الأخلاق والعادات السيئة

السؤال: أغضب إذا اعتدى عليَّ أحد ولو بكلمة، ولكني عندما يعتذر إليَّ الشخص أرضى بسرعة؟

الجواب: الناس أربعة أنواع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: هناك من هو سريع الغضب سريع الرضا، فهذه بتلك، وهناك من هو بطيء الغضب بطيء الرضا، فهذه بتلك، وهناك من هو سريع الغضب بطيء الرضا، فهذا شر المنازل، وهناك من هو بطيء الغضب سريع الرضا، وهذا أحسنهم، فاحرص على ألا تغضب، ولا بد أن تجاهد نفسك، أقول: ليس فقط في خلال فترة معينة، لا لأربعين أو خمسين أو ستين سنة أنت محتاج إلى أن تجاهد نفسك على بعض العادات والأمور التي تحتاج إلى مقاومتها، وفي كل مرة تقع فيها تذكر أن هذا خطأ يجب إصلاحه، وعليك ألا تيئس أبداً.

نصائح لطلاب التحفيظ

السؤال: بماذا تنصح طلاب التحفيظ؟

الجواب: أنصحهم بالتحفيظ، وأن يكون لهم مع حفظ القرآن شيء من معرفة معانيه وتفسيره، ولو أن يقرءوا مختصراً كتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي .

ولا بأس أن نذكر الإخوة فيما يتعلق بدروس عملتها في الدورة الصيفية في الإجازة في تفسير قصار المفصل وهي حوالي ستة عشر درساً في قصار المفصل، أتمنى أن يسمعها بعض الإخوة لما فيها من التوجيهات التربوية والاجتماعية والعلمية وغيرها.

شكر النعمة يزيدها ويبقيها

السؤال: كنت أعيش في ضنك شديد وقلق واضطرابات نفسية بسب المعاصي التي ارتكبتها، والآن بعد أن عدت إلى الله أجد نفسي في سعادة لا يعلمها إلا الله، فأقول: إن كان أهل الجنة فيما أنا فيه لكفى. أرجو منك يا شيخ الدعاء لي بالثبات على هذا الدين؟

الجواب: والله هذه نعمة كبيرة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوزعك شكرها، وأن يثبتك عليها، فإن النعم إذا شكرت قرت وإذا كفرت فرت:

إذا كنت في نعمة فارعها>>>>>فإن المعاصي تزيل النعم

دور المرأة تجاه زوجها

السؤال: زوجي إنسان مستقيم، ولكنه لا يحب أن يستمر في أي وظيفة، وجميع وقته في فعل الخير وحياته مليئة بالديون، فهل من نصيحة؟

الجواب: والله هذا مهم، ربما يكون مبتلى بالملل أحياناً، فإذا قام في عمل ملَّ منه وتركه، فعليكِ أن تكوني عوناً له على مثل هذه الأشياء، وتساعديه على الاستمرار، وتهيئي له الأسباب.

ضرورة الدعوة إلى الله في كل حال

السؤال: الحمد لله أنا ملتزم بديني، ومكثر من الطاعات والعبادات، ولديَّ من الأعمال الصالحة والنوافل الكثيرة ولله الحمد نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، لكن مشكلتي أني أجيد التحدث بأكثر من لغة أوربية وأشعر بسعادة عندما أتكلم مع الأوربيين غير المسلمين بكثرة معرفتهم؟

الجواب: هذا جميل يا أخي! استثمر هذا في تعريفهم بالإسلام، وبيان محاسن هذا الدين، وعظمة القرآن، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن تستخدمها في طاعة الله عز وجل.

من أسباب السعادة

السؤال: هل من أسباب السعادة أن يكون للإنسان خليل يشاركه الهم والفرح؟

الجواب: نعم. هذا من أسباب السعادة:

لا بد من شكوى إلى ذي مروءة>>>>>يواسيك أو يسليك أو يتوجع

فالصداقة من أسباب السعادة، والإنسان يحتاج إلى طرف آخر يكمله، قد تكون الزوجة أحياناً، ولهذا جاء في الحديث: (من تزوج فقد استكمل شطر دينه)، لكن أحياناً ربما لا يجد الإنسان في زوجه ذكراً أو أنثى مثل هذا، لكن قد يجد في صديقه معنىً آخر، فلا بأس في ذلك، بل لا بد منه.

لا يشترط للسعادة الراحة

السؤال: من أسباب السعادة طرد التعب، فكيف يكون ذلك لمن يعمل ساعات طويلة في الدوام؟

الجواب: ليست المشكلة في التعب، فقد يكون الإنسان يعمل وقتاً طويلاً لكنه سعيد وهو يعمل، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يعملون في بناء المسجد، ويقولون:

لئن قعدنا والنبي يعمـل>>>>>لذاك منا العمل المضلل

لا يستوي من يعمر المساجدا>>>>>يدأب فيها قائماً وقاعداً

ومن يرى عن الغبار حائداً

فهم يعملون ويجدون في عملهم وتعبهم راحة وأنساً، فليس التعب من أسباب الشقاء.

كتب في السعادة

السؤال: هل ترى كتاباً في صناعة السعادة؟

الجواب: نعم ذكرت كتاب تجاربهم مع السعادة ، وهناك كتب كثيرة جداً منها كتاب للدكتور ناصر العمر .

الانطباعات الخاطئة والبرمجة السلبية قد تكونان سبباً من أسباب فقدان السعادة

السؤال: أبي وأمي وكل الناس يكرهونني، وحاولت مراراً الانتحار، فبماذا تنصحني؟

الجواب: لا. ليس الأمر كذلك حبيبي، لا ليس كل الناس يكرهونك، فهذا شعور وهمي عندك ربما بسبب موقف: إما من أبيك، أو من شيخك، أو من مدرسك، أو بسبب ظروف مرت لك في الطفولة، ولدت عندك الشعور بأن الناس يكرهونك، وأصبحت تتعامل معهم على أساس أنهم يكرهونك.

عليك أن تحاول تغيير هذا الانطباع، أو هذه البرمجة الخاطئة السلبية في نفسك، وأن تعتقد باستمرار أن الناس يحبونك، وقل بلسانك أيضاً: الناس يحبونني.. الناس يحبونني، وتخيل هذا، وسوف تجد بعد فترة أن الأمور اختلفت عليك.

ضرورة مجاهدة النفس

السؤال: أرجو نصحي: فأنا شاب ظاهره الصلاح، لكن أجد في نفسي شكوكاً وهموماً ونفاقاً؟

الجواب: الأمر كما قال الحسن البصري : [ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن] فأن تكون خائفاً من النفاق هذا دليل على وجود الإيمان في قلبك، ولكن لا يمنع أن يكون في القلب أيضاً شيء من النفاق كما قال صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً .. والحديث الآخر: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وفي حديث: (وإذا خاصم فجر) فهذه هي الأربع.

المهم أن الإنسان عليه أن يكمل نفسه، وأن يحرص على أن يطرد خصال النفاق بخصال الإيمان؛ فإن القلب الذي استقر فيه الإيمان تطرد منه معاني النفاق، فهو مثل الوعاء إذا ملأته بالعسل نفى غيره، وإذا ملأته بالتراب فإنه لا يتقبل شيئاً آخر.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صناعة السعادة للشيخ : سلمان العودة

https://audio.islamweb.net